شيطان سطور الأحداث

الاثنين 2013/10/14

نشاط سلبي زائد، هو الحالة المرضية التي يمكننا أن نشخّصها في المنطقة، فسوريا التي يراوح فيها الحل مكانه، بينما ميزان القوة يتنقل قلقا بين الطرفين، تتضح فيها معالم الشيطان المندسّ بين سطور الأحداث جليا، فما أن يميل ميزان الغلبة لمصلحة طرف معيّن، حتى تتحوّل الأحداث فجأة لغير صالحه، ويحقق الطرف الآخر نصراً فجائياً مضاعفاً يحافظ على إيقاع نغمة الرصاص، ويمنع أغنية الصراع والموت من الانتهاء.

وفي ليبيا تستبيح الاستخبارات الأميركية حرمة الأرض والأجواء، وأمام الملأ تنتهج أسلوبا بربريا في اختطاف أبو أنس الليبي من بيته وموطنه بعدما هجر الغرب وعاد إلى بلاده، فتقوم الدنيا ولا تقعد، وقبل أن تشتد موجة السخط على الفعل الأميركي، يتم اختطاف رئيس الحكومة، فيحتار الرأي العام بأيّ الحدثين ينشغل، وقبل أن يفوق من ذهوله الرأي العام، يعود رئيس الوزراء، ليغطّي الانشغال باختطافه وعودته كل مساحات الانشغال والحديث، وقبل أن يجف مداد سطور أحداث عودة رئيس الوزراء من الاختطاف سالما وبخير كما قال، تتحرك الأحداث في رقعة أخرى من لعبة الشطرنج التي يحرّك الشيطان الخفي كل قطعة فيها، فيترك الجيش السوري الحر مناطقه، ويتناسى حربه المباشرة مع بشّار، ليقود هجوماً مباغتاً وغير متوقع من التفجيرات على مليشيات حزب الله في لبنان، والتي تقف مع النظام السوري في حربه.

الأحداث كلها منذ فترة يحركها شيطان خفي يمسك بريموت كنترول الجميع، ويحافظ على توازن اللعبة الحمراء الدامية. فالربيع العربي قد قام، وتم توجيه بوصلة التعاطف الجماهيري نحو الوعود الحالمة بجنانه الزائفة، وطغت قوى كانت في القاع إلى السطح، وضعفت القوى التي كانت قائمة، وبعد حين، بدأ الشيطان الممسك بالريموت كنترول، في تحريك الأحداث، والاستمتاع بتقليب اللعبة بعدما اكتشفت الشعوب خلو وفاض رُسُل الجحيم العربي من كل المزايا التي تؤهلهم لحمل رسالة مجتمعية أو قيمية، وضاقت ذرعا بهم، وحاولت زحزحتهم بالتي هي أحسن، غير أن شيطان سطور الأحداث أرادهم ما أراد لهم أن يروه، واستخدمهم وقوداً لنيران المنطقة تحت وهم أنه يهديهم سبيل الرّشاد، فتحدّوا شعوبهم، ودمّروا البنى التحتية لبلدانهم، وأحالوا استقرارها إلى نيران ملتهبة تأكل بنهم كل يابس وأخضر.

وفي قضية إيران التي أجادت بروباغاندا التّحدّي المرسوم بعناية فائقة لفترة كانت تشغل فيها الرأي العام عند وقوع أحداث جسيمة، بمناوشات مسرحية تكتيكية مع الغرب، لم تقم المخابرات الأميركية باختطاف من يتوهم الرأي العام أنه يقف ضدّ إرادتها، كما حدث مع «نورييغا» الذي اختطفته من على كرسي حكمه من قبل في بنما، أو بن لادن الذي ادعّت أنها قضت عليه في باكستان، أو أبو أنس الليبي الذي اختطفته من داخل بيته في ليبيا، ولكنها كانت تظهر مدّ حبل الصبر الذي لم تترك فرصة بتلاحق الأحداث لاستغراب واندهاش الرأي العام منه، باعتباره طبعا ينافي طبائعها التي عرفها العالم، وبعدما انتهى الراحل معمر القذافي من مهام تعويض أسر الضحايا الذين قالت أكثر من وثيقة أن لا صلة له ولا ليبيا ولا المقراحي بها، وبعدما تخلّى ببساطة عن قضية الممرضات الضالعات في تلويث دماء الأطفال الليبيين بمرض نقص المناعة، وبعدما قام بتسليم سلاحه الكيماوي الفتّاك انتهى دوره، وفي أقل من شهر انتقل من ظاهر الأرض إلى باطنها، وحسني مبارك في مصر لم يقض أكثر من بضعة أسابيع كرسي الحكم بعد اندلاع الاحتجاجات، وصدّام حسين عندما حاول التحدّي تعاملت معه بحزم ودخلت لتقتله وولديه وكامل المحيطين به في أقل من شهرين، وفي السودان دخلت أميركا وقصفت أحد مصانع الأدوية، ومع الطائرات الإسرائيلية قصفت مصنع الأسلحة في ضاحية الشجرة في قلب العاصمة الخرطوم، إضافة لعدد من مرات القصف المتتالية في منطقة الشرق والشمال الشرقي، وبعدما انقسم الجنوب، ها هو النظام يرفع الدعم عن السلع ويصر على ذلك، ما أثار موجة سخط شعبي، واحتجاجات تعاملت معها الشرطة بعنف مفرط، تتزامن مع بداية فتح ملف منطقة أبيي الحدودية الغنية بالنفط، ويتشتت الرأي العام بين القضيتين، رفع الدعم، وتعامل السلطات معه، بينما منطقة أبيي التي شهدت صراعات دامية من قبل، ووصلت في هذه الفترة لمرحلة برميل بارود على وشك الانفجار.

المكيالان سمة أساسية في أيديلوجية الشيطان الممسك بخيوط اللعبة، فأبو أنس الليبي تم اختطافه بطريقة العصابات المسلحة تنفيذا للقانون كما هو معلن، في حين أن القانون يطلب بعضا ممن يتنقلون بحرية هنا وهناك، دون أن يبدو على الشرطي أي اهتمام، لدرجة أن بعضهم قد يتجرأ بطلب الأمان من الشرطة لزيارتها في مركزها والعودة آمنا وهو مطلوب، إنها نظرية المكيالين، وإلا فلماذا بقي بشار حتى الآن؟ ولماذا لا زالت إيران تتحدى؟ ولماذا لم تقم الاستخبارات بذات الخطوات قياسا بالأسباب المعلنة عند التدخل في كل واقعة، والتي توافرت جميعها في سوريا وإيران وحزب الله في لبنان، وغيرها من نقاط قلق المنطقة المشتعلة؟

ورغم وضوح الرؤية، إلا أن ذكاء شيطان السطور الممسك بالريموت كنترول، يتعمد تكثيف وتوزيع وتلاحق الأحداث بما لا يدع مجالا للتفكير في أيّ منها، فالشيطان دائما يقف ضدّ إرادة الجماهير، ففي أرض الكنانة على سبيل المثال، وقف ضد إرادة الشعب المصري، ووصل به الأمر حدّ فرض عقوبات على الجيش المصري بحرمانه من تسلم بعض الأسلحة التي يحتاجها، وذات الازدواجية اتّبعها في استثنائه منطقة سيناء القريبة من إسرائيل، والتي تم تصنيفها على أنها أخطر منطقة تهدد إسرائيل، واحتوى إيران التي قدّمت خدمات جليلة في العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان وغيرها، وتغيّرت فجأة وبقدرة قادر، بروباغاندا التهديد، إلى بروباغاندا الاحتضان، فمتى يكفّ الواهمون عن الصراع، ومتى يثور المأجورون على شيطان سطور الأحداث؟

* كاتب إماراتي

8