شيعة لبنان وسنته: سوريو العالم الجدد

السبت 2015/10/17

لم يعد مشهد قوارب الموت مشهدا سوريا خالصا، بل دخل اللبنانيون إليه وشرعوا في تشكيل حضورهم المأساوي فيه. الموت كان من نصيب عائلة صفوان الشيعية التي حاولت الهروب من جحيم الانتصارات الدائمة الذي لا يحتمل في قارب مطاطي هش لا يستطيع مقاومة أبسط تقلبات الطقس.

الهرب يومي لسنة طرابلس وشبابها يتم بالطريقة نفسها. شباب يعبرون بحور الظلام، هربا من عبور مستحيل إلى دولة لم تعد لها أي معالم أو حضور، ومن فقر أشد مرارة من القتل.

العيش في بلاد الغار والعار صار تعذيبا شديدا يجعل الموت أملا مشتهى، يُطاردُ في البحار والمحيطات بوصفه إمكانية وحيدة للنجاة.

كان الحديث يدور منذ فترة عن عنصرية لبنانية تجاه السوريين، لكن مشهد سعي اللبنانيين لانتحال صفة السوريين طلبا للجوء ما في بلاد تتوفر فيها أدنى متطلبات العيش، يقول بسخرية إن لبنان بات بلدا يحيا وضعا موازيا، لا بل يتفوق، على ما يجري من سوريا من مجازر. السوريون لا زالوا يقاتلون ولديهم أمل ما بنصر ما رغم كل شيء، بينما لم يعد لدى اللبنانيين أي أمل.

لا وجود لحرب لبنانية يمكن للانتصار فيها أن ينتج بلادا ممكنة. لازال اللبنانيون يعيشون هذيان بلاد النجوم، مع أنهم يغرقون يوميا في بلاد النفايات، والجوع، والبطالة وفقدان الأمل. يبدو أن القوارب المحملة بكائنات اليأس اللبنانية الشيعية السنية من شأنها تفخيخ الأسطورة اللبنانية بوقائع شديدة الانفجار، لا يعود ممكنا بعد تماديها المتوقع، رسم صورة للبلد خارج كونه كوكبا لليأس وانتحار الأمل.

مشروع الممانعة الإلهية الذي يقوده حزب الله لم ينجح في دفع الشيعة للتمركز في البلد، بل خلق حالة فصام حادة، تعبر عن نفسها بثنائية متداخلة هي ثنائية الانتصارات المريرة، التي هي في الآن نفسه الهزائم المنتصرة. نشوة النصر الوهمي تتصارع في البيئة الشيعية مع مرارة التضحيات العبثية، ومع حقيقة كون التضحيات الجسيمة التي دفعتها الطائفة كانت مجانية، بشكل لا يمكن للعبث نفسه أن يفسره.

لم تمنح هذه التضحيات الشيعة في لبنان دورا ما، أو حماية أو حتى مكانة، بل وضعتهم في مواجهة مفتوحة مع الأكثريات في المنطقة وربما في العالم، ما يعني أن الانتقامات ستكون السياق المنطقي والطبيعي، لما زرعه حزبهم الإلهي في سوريا والعراق وغيرها. هذا الانتقام فوق سياسي، بمعنى أنه لا يمكن ضبطه أو الحد من آثاره عبر أي اتفاق سياسي.

قوارب الموت الشيعية التي بدأت تظهر تؤكد بداية شيوع هذه السيكولوجيا المؤهلة للتسيد على سيكولوجيا الانتصارات المفتوحة، وتمهد للخروج من الثنائية الفصامية المخدرة إلى واحدية مشهد الانتقام القادم، الذي سبق له التحالف مع مشهد انعدام الحدود الدنيا للعيش تحت عنوان ضرورة المعركة.

هكذا وجد المواطن الشيعي نفسه تحت وطأة عيش جحيمي لا يحتمل، لا يحيا فيه مرحلة انتظار خلاص مهدوي أو وعد نصر صادق، بل في انتظار حصاد زرع مجازره السورية في لبنان.

كل هذا جعل الموت، خلال محاولة الفرار من هذا الجحيم المغلق، عنوانا جديد للشهادة الشيعية تستبدل العناوين التي وضعها الحزب للشهادة في سوريا وتلغيها، وتعيد رسم خريطة الشهادة عبر ربطها بمعاني العائلة وروابط الأسرة، وهي عناوين اجتهد الحزب كثيرا في تفكيكها وتغليب العناوين الجهادية عليها، وصولاً إلى محوها.

يموت الشيعة في البحر شهداء أهلهم، وأبنائهم وزوجاتهم، وليس فداء للمشروع النووي الإيراني ولا لولاية الفقيه.

مشهد الهرب السني يقول بدوره الكثير عن الحال اللبناني، ويؤشر لتحول خطير في الوعي السني اللبناني حيث لم يعد شباب السنة الشماليون الفقراء يعيشون وعيا أكثريا، بل يحيون بنية أقلوية ترسم معالم يأس بات عنوان خطاب سني في النظر إلى الذات وتوصيفها.

بات الفقراء السنة، من أهل الشمال بشكل خاص، يحسون أنفسهم أقلية ليس تجاه الطوائف الأخرى ولكن تجاه تغول الزعماء السنة بشكل خاص، وغياب المشروع الواضح في ظل ما كشفه سياق الحوادث في كل هذه الفترة من شبه كبير بينهم وبين خصومهم، يصل إلى حدود التطابق.

هكذا بات المواطنون الشيعة والسنة في لبنان عبارة عن أقليات مذعورة تحاول الفرار من أكثرية نصر الله المقاتلة بهم على حساب وجودهم، ومن أكثرية تيار المستقبل التي تريد العبور إلى رئاسة الحكومة وإلى الدولة على جثث عيشهم وإنمائهم ورغيفهم.

كاتب لبناني

9