"شيكايرو" تعيد للمسرح الاجتماعي المصري عنفوانه

داخل ديكور بسيط يمثل غرفة صالة بإحدى الشقق، تدور أحداث مسرحية “شيكايرو” على خشبة المسرح العائم الصغير، على ضفة النيل بوسط القاهرة، الغرفة وفقا للبناء الدرامي للمسرحية تعدّ مخبأ لـفتاتين هاربتين من السجن هما حنان وريم.
الأربعاء 2015/06/17
مسرحية تفضح الخلل الحاصل في علاقة الرجل بالمرأة

تبدأ أحداث مسرحية “شيكايرو” للمخرجة المصرية مروى رضوان بحالة هلع للفتاتين حنان وريم، وهما تسمعان صوت “سارينة” سيارة الشرطة ظنا منهما أنها جاءت لإعادتهما للسجن الذي هربتا منه، وما أن شعرتا بالاطمئنان، حتى تقرر كل واحدة أن تحكي للأخرى قصتها، وسبب مأساتها.

حنان قتلت زوجها، بينما ريم قتلت حبيبها، الرسالة هنا خرجت عن نمطية الصورة الذهنية الإيجابية عن علاقة الشباب بالفتيات، إلى وحدة الفشل في العلاقة، سواء كانت ضمن مؤسسة الزواج الشرعي، أو كانت غير شرعية.

حنان لا تجيد الحكي، تهوى التعبير عما بداخلها عن طريق الكتابة، وكأن مؤلفة ومخرجة العمل الشابة مروى رضوان أرادت القول أن سجن المجتمع الذي عاشته حنان، فرض قيودا على لسانها، وإن كانت تكتب بالحبر الجاف لالتصاق المعاناة بأعماق شخصيتها، إلى درجة لا يسهل معها محوها.

العمل رغم بساطة إمكانياته، يحمل رسائل عدة، ساهمت في صياغتها وحدة الديكور والإضاءة والقصة، وعدد ممثلي العرض.

المكان لا يتجاوز مساحة غرفة صالة تختبئ فيها الفتاتان، والديكور استخدم طوال أحداث المسرحية، ورغم اعتماد المؤلفة والمخرجة على فتاتين، هما حنان المتزوجة، وريم التي تربطها علاقة غرامية بشاب، فإنها اعتمدت على شاب واحد قام بعدة أدوار في العمل بإبداع وحرفية في التنقل بين الشخصيات، ليس فقط بتغيير الملابس والماكياج الخاص بكل شخصية، وإنما عبر تقمصها من خلال لغة الجسد، وتنوع الصوت، ومفردات اللغة، وتعبيرات الوجه. أبدع الممثل شريف نبيل في تجسيد شخصيتي: الشاب “الروش” حبيب ريم، والزوج الشرقي محدود الفكر والثقافة الذي تنحصر رؤيته للزوجة على أنها، وعاء لتفريغ شهواته، وراقصة لتسلية أوقاته، وخادمة تطهو له طعامه.

المسرحية في قراءة أشمل، يمكن أن تكون محاولة موفقة من مروى رضوان لكشف محتويات الصندوق الأسود للفتيات، حيث يفرغن معاناتهن الأسرية، وأحلامهن التي تتحطم على صخرة الرجال، وتناقش التنشئة الاجتماعية التي تقيد حرية الفتيات.

وتجعل من بيت الأسرة سجنا، زاخرا بالممنوعات، فتطلق الفتاة لأحلامها العنان، منتظرة لحظة الزواج للهروب من سجن الأسرة، فإذا بها تقع في فخ سجن الزوج، خاصة إذا كان هناك تباين في الثقافة، ومساحة شاسعة في مستوى الفكر.

عودة قوية للمسرح الاجتماعي المصري بعمل يكشف معاناة المرأة داخل وخارج نطاق الزوجية

لا تكتفي مروة رضوان بتصوير مآسي بعض النساء المتزوجات في تجاربهن الفاشلة، ممثلة في قصة حنان، بل تخرج أيضا من صندوقها الأسود مأساة ريم مع حبيبها الذي يصل معها إلى لحظة الفراق فتحاول إثناءه عن قراره، بإخباره أنها “حامل منه” فيبادرها بالقول: رانيا قالت لي كده برضه (أيضا)، في إشارة لتعدد العلاقات وخداعه لغيرها. تجسيد الشخصيات بممثل واحد، حمل رسالة أن الرجال في اضطهادهم للمرأة عملة واحدة وجوهر واحد، حتى لو تغيرت وجوههم أو تنوعت وسائلهم للوصول إلى جسد المرأة، من خلال عقد زواج أو عبر خداع باسم الحب.

كما أن عملة الرجل المسيء للمرأة واحدة، فقرار المرأة وإن تنوعت في هذا العمل كان واحدا؛ الخلاص من العلاقة بقتل الآخر.

ورغم الدموية الرمزية، التي يحملها العمل، فإن التناقض الذي اعتمدته المؤلفة منهجا لإيصال رسائلها، بدا موفقا خاصة عند تقديم معاناة الأطراف المختلفة في شكل فكاهي-كوميدي انتزع الضحك من الحضور.

كانت الفتيات الأكثر تفاعلا وسط الجمهور، وتعالت ضحكات الكثيرات منهن، ربما لأن المؤلفة نجحت فعلا، في وضعهن أمام أنفسهن، فالكاتبة بعملها الإبداعي، نبهت إلى أخطاء البشر المدفونة تحت أطنان القيم الزائفة، وأرادت أن تقول لمشاهدي العرض، من الرجال هذا هو خطأكم وعليكم تغييره، وتقول للفتيات هذه سطحية أحلامكن، فيضحكن دفاعا عن أنفسهن، عندما تضعهن الكاتبة أمام حقيقتهن.

يقول علي سالم الكاتب المسرحي المعروف: لكي تتعرف على حجم الجد في مجتمع ما، شاهد أعماله الفكاهية، فكتاب الكوميديا لا يرسمون الفكاهة لأنهم “مهزارين”، بل لأنهم جادين لأبعد الحدود، فخفوت صوت الجد في مجتمع ما يترتب عليه انهيار الكتابة الفكاهية، فهي تتطلب جهدا كبيرا، من حيث الكتابة والأداء.

ووفقا لهذا الطرح يمكن اعتبار “شيكايرو” عودة قوية للمسرح الاجتماعي الشاب، بإمكانيات محدودة، فأهمية العمل ليست في الفكرة التي قد يراها البعض تقليدية، لكن في عبقرية التمثيل وجودة النص التي تتجلى في المشهد الأخير.

عندما يكتشف المشاهد، أن البوح والحكي الذي تضمنه العمل، لم يكن غير حلم، تدفق في عقل ريم، المقبلة على حفل زفافها بعد ساعات، وحنان هي أختها التي جاءت لها بفستان الزفاف، فتحجم ريم عن الزواج خشية التعرض للمعاناة التي شاهدتها في الحلم، تلك المعاناة التي تعكس واقع عدد ليس بالقليل من الفتيات والنساء.

16