شينزو آبي رئيس وزراء اليابان والتخلص من نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية

السبت 2014/11/01
تحولات الدولة الصناعية المسالمة عند مطلع الشمس

تتوالى استقالات وزراء حكومة شينزو آبي، رئيس الوزراء الياباني، ورئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي، وسط تساؤلات العالم والمراقبين، بين من يقول إن أزمات اقتصادية تضرب خطة الحكم التي يقودها آبي، وآخر يرى أن البلاد تشهد تحولات سياسية هامة في هذه الفترة، ولكن المتتبع لسيرة شينزو آبي السياسي القومي الياباني سيكتشف الكثير عبر محطات صنعت اللحظة الحالية والتي ربما أراد لها كثيرون في العالم أن تكشف ظهر رئيس الوزراء الياباني الذي يرمي لأهداف بعيدة.


الشمس الحمراء


مع تصاعد نيران الحرب العالمية الثانية، أصبحت سيرة البلد الذي تطلع منه الشمس أكثر هدوءاً من ذي قبل، فقد كانت القوات الإمبراطورية اليابانية قد غزت الصين، فتم فرض حصار اقتصادي خانق على اليابان من قبل أميركا وحلفائها في شتاء العام 1941، ثم وقعت حادثة بيرل هاربر التي ما يزال كثيرون يشككون بما حصل فيها، وفي وقوف اليابان وراء مهاجمة القوات الأميركية مما تسبب في دخول الولايات المتحدة الحرب، فاجتاحت اليابان ماليزيا وإندونيسيا والفلبين للسيطرة على النفط في تلك البلدان، فبدأ الأميركيون والبريطانيون والاستراليون باستعادة تلك المناطق التي كانت اليابان تغزوها، ثم بدأ الخنق الاقتصادي الأميركي لليابان، بعد أن هاجم الأسطول الأميركي السفن التجارية اليابانية، ثم اقتربت الولايات المتحدة أكثر باحتلال أرخبيل الجزر المجاور لليابان.

وبانضمام الاتحاد السوفييتي بقيادة ستالين إلى الحلفاء في الحرب ضد اليابان، تم الإطباق على الأحلام القومية اليابانية، وبعد هزيمة اليابان العسكرية المدوية في الحرب العالمية الثانية، وإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي، ومقتل أكثر من مئتي ألف ياباني في العام 1945 في يوم واحد، أعلنت اليابان استسلامها الذي استمر حتى سنوات قليلة ماضية، قبل مجيء شينزو آبي.


الأقوياء رسموا مستقبل اليابان


فتح اليابانيون الراديو، ليستمعوا لأول مرة إلى صوت إمبراطورهم هيروهيتو، وهو يعلن استسلام اليابان غير المشروط، وتم احتلال اليابان، وتعيين حاكم عسكري عليها، هو الجنرال دوغلاس ماكارثر، وتم نزع سلاحها وكتب لها دستور جديد على ظهر بارجة أميركية في العام 1947 يحظر عليها الاشتراك في أيّ حروب مع أيّ دولة أجنبية، ويمنعها من تصنيع السلاح أو شرائه، ووضع ماكارثر قانوناً يمنع اليابانيين من رفع علم بلادهم واستمر العمل به حتى العام 1948.

وتم حل الحكومة اليابانية، وانتشرت المجاعات في البلاد، لسنوات تالية، وصادق البرلمان الياباني على الدستور الجديد، وتم تحويل السلطة من اليابان من الإمبراطور إلى الشعب، ليصبح العرض مجرد فلكلور شعبي، وفي 10 أبريل من العام 1946، عقدت انتخابات شارك فيها 78.52 بالمئة من الرجال، و 66.97 بالمئة من النساء منتجة أول رئيس وزراء لليابان الحديثة، شيغه- رو يوشيدا.

في العام 2012 تولى شينزو آبي رئاسة الحكومة اليابانية، جامعاً بين مشروعي الحزب الليبرالي والحزب الديمقراطي الياباني، مع ميوله القومية الشخصية، وقد تم اختياره من قبل البرلمان مباشرة، ما دفع حزبه إلى إنشاء رئاسة مشتركة لضمان عدم التداخل بين عمل الحكومة والحزب، ولكن آبي بقي مسيطرا على الحزب


بعد سبعين عاماً


مرت السنوات، وتحولت اليابان إلى قوة اقتصادية وصناعية كبرى، ولكنها بقيت بعيدة عن النزاعات العسكرية، وبعيدة في الوقت ذاته عن التعبير القومي الذي تحكّم بها وكان تعبيرها عن ثقافتها على مر آلاف السنين.

في العام 2012 تولى شينزو آبي رئاسة الحكومة اليابانية، جامعاً بين مشروعي الحزب الليبرالي والحزب الديمقراطي الياباني، مع ميوله القومية الشخصية، وقد تم اختياره من قبل البرلمان مباشرة، ما دفع حزبه إلى إنشاء رئاسة مشتركة لضمان عدم التداخل بين عمل الحكومة والحزب، ولكن آبي بقي مسيطراً على الحزب، ثم أدخلت الإصلاحات الانتخابية نظام الدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد في مجلس النواب ولكنها أضعفت التنافسية بين أجنحة الحزب الليبرالي الديمقراطي وعززت سلطة شينزو آبي على الحزب الحاكم.


إمبراطور في لباس رئيس حكومة


بعد تجمّع السلطات في يده، أخذ شينزو آبي ينظر إلى دوره، كدور تاريخي، ولم يعد مجرد موظف حكومي، بل أخذ يصعّد النبرة اليابانية في حديثه، ويعمل على الاستمرار في الحكم، والتخلص من خصومه السياسيين حتى داخل حزبه، بالمضايقات القانونية، كي يظفر بالفوز في انتخابات العام 2015، لا سيما خصمه إيشيبا شيغيرو الذي يتوقع كثيرون أن ينافس آبي على رئاسة الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني.

وخلال الانتخابات الحزبية عام 2012، تغلب آبي على إيشيبا في أصوات أعضاء الحزب البرلمانيين ولكن إيشيبا حظي بدعم كاسح من أعضاء الحزب في المحافظات، وبالنظر إلى احتمالية أن يواصل إيشيبا بناء دعم له من أعضاء الحزب البرلمانيين، الذين كانوا نقطة ضعفه السابقة، إذا ما بقى إيشيبا في منصبه، فإن قرار آبي بعزله من منصبه كأمين عام للحزب بدا أمراً محسوماً.


اتجاه الحكومة


بدأت تظهر في حكومة شينزو آبي، مشاريع لفتت أنظار العالم إلى الاتجاه الذي يقود اليابان نحوه، مثل مشروع سن قوانين تأسيس مجلس الأمن القومي الياباني، ومشروع قانون حماية أسرار الدولة، وقانون ممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي، وفي شتاء العام 2013، كانت الصورة قد توضحت تماماً.

وركز آبي من خلال حكومته على إعادة إنعاش الاقتصاد الياباني المتعثر من خلال المجموعة الاقتصادية، لضمان تنفيذ العديد من السياسات المتعلقة بـآبينوميكس، وكان الاستفزاز الكبير الذي قام به شينزو آبي هو زيارته لضريح ياسوكوني، حيث يجري تكريم ضحايا الحرب، مما أغضب جيران اليابان، الصين وكوريا الجنوبية وكذلك الولايات المتحدة التي لم تتردد في إدانة تلك الزيارة التي صلى فيها آبي على أرواح القتلى.

بإقرار القوانين الهامة ذات الوقع المدوي، صار شينزو آبي في مواجهة كبرى مع كل القوى التي انتقدته في الداخل والخارج، َفقانون حماية الأسرار، فتح الباب أمام تعاون اليابان مع المخابرات المختلفة في دول العالم، وهو ما لا تريده لا الصين ولا أميركا، فاليابان كما تقول الدراسات قد وصلت تقنياً في هذا المجال إلى مستوى أوروبا والولايات المتحدة من ناحية إجراءات الأمن والمعلومات، وتم دفع المعارضة إلى الشارع ضد شينزو آبي وقوانينه، ولكنه أصرّ على المضي قدماً في مشروعه.


ضرائب الإمبراطور


قررت حكومة آبي رفع معدل ضريبة الاستهلاك من 5 المئة إلى 8 بالمئة، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثيرات تلك الزيادة على الاقتصاد ومعدل التضخم. وقام آبي بتنظيم سلسلة اجتماعات نقاشية لدراسة الأثر المحتمل لهذه الزيادة، في الوقت الذي تصل فيه نسبة نمو الناتج المحلي إلى 3.8 بالمئة، ما أثار حنق الشارع الياباني الذي أصبح مهيأً للهجوم على أي مشروع لآبي سواء كان سياسياً أو اقتصادياً، ولكن آبي تصرّف بذكاء وإصرار من جديد، ففي اليوم ذاته الذي أقرت فيه حكومته قانون رفع ضريبة الاستهلاك، قرر مجلس الوزراء تنفيذ سلسلة من السياسات للتخفيف من الأثر السلبي لزيادة الضرائب على الاقتصاد.

نشرت صحيفة أساهي شيمبون، إحصائية تشير إلى الارتفاع المفاجئ منذ بداية العام 2014 في عدد المقالات التي تحتوي على مصطلح "ukeika" والتي تعني "الميل إلى اليمين"، والتي تشير إلى المعنى ذاته للعبارة "النزعة القومية المتصاعدة"


ضربات في عرش الإمبراطور


وما تشهده حكومة آبي اليوم من استقالات متتالية، كاستقالة وزيرة الاقتصاد والصناعة والتجارة أوبوتشي يوكو من منصبها، بعد اتهامها بسوء استخدام الأموال من قبل مجموعات الدعم السياسي المؤيدة لها، وكانت أوبوتشي تشغل منصب وزير الدولة للإشراف على التعويضات الناتجة عن الأضرار النووية وآلية دعم وقف تشغيل المفاعلات النووية، وهو الدور الذي

كانت قد كلفت به جزئيا لإقناع الشعب بقبول إعادة تشغيل المفاعلات النووية مرة أخرى في اليابان، وجاءت استقالة وزيرة العدل ماتسوشيما ميدوري التي اتهمت بانتهاك القواعد الانتخابية لأنها وزّعت مراوح ورقية صغيرة عليها صورتها على الناخبين في دائرتها الانتخابية.

كل هذا، يندرج تحت الضغط الهائل الذي يتعرض له شينزو آبي، لتجريده من قواه السياسية والتكنوقراطية، خاصة بعد أن قام بتعديل وزاري عين فيه خمس سيدات في مناصب وزارية رفيعة، وقد قال آبي بعد استقالة الوزيرتين: “كرئيس للوزراء، أتحمل كامل المسؤولية عن تعيين الوزيرتين، وأعتذر بشدة للشعب الياباني”، ولكن هذا حدث بعد أن قام أحد كبار أعضاء حكومة آبي بالانتحار على خلفية اتهامات بسوء التصرف.


آبي وتغيير الاستراتيجية الأمنية


نجح شينزو آبي في تمرير القرار بممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي، ما شكّل تحوّلاً نوعياً في السياسة الأمنية والخارجية لليابان، كما يرى المحللون، وبموجب هذا القانون فإن اليابان ستقوم باستخدام حق الدفاع الذاتي الجماعي في حالات محدودة، ويستند التغيير الذي تم إقراره في تفسير الدستور إلى الأوضاع المضطربة والمتغيرات المتسارعة بشكل متلاحق في البيئة الأمنية المحيطة باليابان، حتى أن هجوما مسلحا ضد دولة أجنبية قد يهدد بقاء اليابان طبقا لهدف الهجوم ومداه وطريقته. وستقوم الحكومة في المستقبل بمراجعة “المبادئ التوجيهية للتعاون في مجالات الدفاع بين اليابان والولايات المتحدة” على أساس ممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي.

ورغم أن شينزو آبي قام بعقد مؤتمر صحفي وشرح ضرورة حق الدفاع الذاتي الجماعي للشعب الياباني وأهميته. وقال إنه: “لا يوجد أيّ استخدام للقوة العسكرية في المستقبل من أجل حماية دولة أجنبية. كما سيسهم تعزيز التحالف الياباني الأميركي في الحفاظ على السلام وحماية أمن المنطقة وستظل اليابان دولة محبة للسلام في المستقبل أيضاً”، إلا أن رئيس الوزراء كان قد دخل منطقة النيران الأميركية، فبدا الأمر وكأن اليابان تستعد للنهوض من غيبوبتها الإمبراطورية مجدداً، فاليابان بموجب هذا التعديل ستصبح قادرة علي القيام بهجوم مضاد حتى ولو لم تتعرض هي للهجوم بشكل مباشر وذلك في حالة تعرض أحد الدول الحليفة لليابان للهجوم، وهذا يعني إرادة أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة والحلفاء القدامى.


صعود الشعور القومي الياباني


كتبت صحيفة وول ستريت جورنال في 26 فبراير من هذا العام 2014، وتحت عنوان “تزايد التوترات في آسيا يُغذي نُمو الشعور القومي في اليابان”. و أشار المقال إلى ارتفاع مبيعات مجلة “ويل” القومية، وكذلك نشر الكتب التي تحط علناً من قدر الصين وكوريا الجنوبية، والعدد الكبير من الأصوات الذاهبة للمرشحين من أصحاب “وجهات النظر المحافظة جداً”، وترجمت الصحيفة هذه الظاهرة بأنها تعدّ دليلا على وجود ميل في “المزاج الجماعي”، ولم تنس الوول ستريت جورنال نشر صورة كبيرة لشينزو آبي وهو يزور ضريح شهداء الشعب الياباني، وختمت الصحيفة بنشر أقوال لأحد البرلمانيين اليابانيين الذي قال: “يجب أن تطوّر اليابان أسلحتها النووية الخاصة بها”.

ونشرت صحيفة أساهي شيمبون، إحصائية تشير إلى الارتفاع المفاجئ منذ بداية العام 2014 في عدد المقالات التي تحتوي على مصطلح”ukeika”والتي تعني “الميل إلى اليمين”، والتي تشير إلى المعنى ذاته للعبارة “النزعة القومية المتصاعدة”.

وترصد مراكز الأبحاث همسات الشعب الياباني، وتراقب مزاجه واهتماماته، فعلى سبيل المثال تم رصد ارتفاع كبير في نسبة شراء المجلات والكتب المعادية للصين وكوريا، وكذلك لفتت الأنظار الشعبية الكبيرة لفيلم جديد يحتفل بشخصية طياري “الكاميكازي” الانتحاريين اليابانيين الذين اشتهروا خلال الحرب العالمية الثانية.

بينما توجّه وسائل الإعلام في الغرب والصين وكوريا وكذلك لدى أوساط المعارضة اليابانية، سهامها نحو شخص رئيس الحكومة شينزو آبي، وتصف حكومته بأنها “حكومة قومية”، ويجري انتقاد آبي على تصريحاته التي تتكرر فيها عبارات” البلد الجميل” أي اليابان، وكذلك “التخلص من نظام ما بعد الحرب”.

هذا ما قاله آبي، وما فعله، وكان قد ولد في العام 1954، بعد أن وضعت تلك الحرب أوزارها، وبعد أن تأسس نظام ما بعد الحرب الذي يحارب آبي اليوم للتخلص منه في عيد مولده الستين.

12