شيوخ الأمس وشيوخ اليوم

الأحد 2013/12/22

قبل ظهور ابن تيمية وابن حنبل ومن تبعهما إلى هذا اليوم، وقبل الانقلاب المتوكلي على المعتزلة، وقبل إحكام الانغلاق اللاهوتي في الثقافة العربية الإسلامية، كان بالإمكان أن يقال: سُئل الإمام فلان (مالك مثلا) عن ثلاث أو أربع أو خمس مسائل فأجاب عن إثنتين أو ثلاث وسكت عن البقية، أو أنه أظهر إجابتين مختلفتين من دون ترجيح، أو أنه ترك الباب مفتوحا، أو أنه بكل بساطة أجاب بعبارة"لا أدري”.

لم تكن"لا أدري” عيبا في زمن لم تكن فيه الفتوى وظيفة رسميّة ولا كان الدين تجارة مدرّة للدّخل، بل اعتاش جلّ أئمة ذلك الزّمن من بيع الأثواب أو الزّيوت أو احتراف الخياطة والحياكة أو صناعة الجلابيب أو امتهان القضاء أو التعليم أو أي شيء آخر عدا المتاجرة بالدين، اللهم خلسة وفي بعض الأحيان.

أما اليوم فقد أصبح شيوخ الشاشة يعتاشون جهارا نهارا من الثرثرة تحت عناوين تقول أيّ شيء وتعني أيّ شيء: الشّريعة والحياة، الدين والنّاس، العقيدة والمعاملات، القرآن والإعجاز العلمي، الطبّ والرقية الشرعية، إلخ. يجيبون عن كل الأسئلة ولا يتركون مسألة من المسائل دون إجابة كافية شافية (فجمهور الشاشة يريد هذا!) يجيبون عن كل شيء، من مواقع النّجوم إلى بول البعير، ويقبضون أجورهم مقدّما من خلال"مستحقات” البث الإعلامي، وهي أحيانا بآلاف الدولارات للحلقة الواحدة، فضلا عن الوصلات الإشهارية الجانبيّة والمتفاوض حولها مسبقا وبشراسة أحيانا، إضافة إلى نسبة الأرباح من اتصال الزبناء بالهاتف، وهي محددة أيضا بالنسبة المئوية، مضاف إلى كل ذلك تبرعات"شراة الجنة” و”أولياء بعض الأمور” على الحساب البريدي للشيخ المبجل، وقد تكون معفاة من الضرائب في بعض الأحيان.

شيوخ الشاشة يفهمون في كل الأمور، ما خفي منها وما بطن، يتكلمون كل الأوقات وفي كل العلوم والتخصصات بلا خجل ولا وجل، من العلاقات الدولية إلى أسواق المال، ومن طب الأعشاب إلى تفسير الأحلام، ومن مشاكل الإنجاب وإلى ضعف الانتصاب، فضلا عن الدراية الواسعة بأسباب الزلازل والفيضانات، وحروب الإنس والجان، وما لا تعلمون!

هذا ما يُسمى بـ”الجهل المقدس"، الجهل الذي يغلّف نفسه بغلاف الأديان، الجهل الذي يخفي جهله خلف رداء الإيمان، الجهل الذي يرتدي قناع الكهان.. بل، إنه الجهلوت.

24