شيوخ العشائر من الإنكليز إلى الطائفيين

الثلاثاء 2015/06/23

كانت المس بيل أول من درس شخصية رؤساء العشائر العراقية علميا وعمليا. كانت تتعشى معهم في مضائفهم وأحصت عنهم كل صغيرة وكبيرة بما فيها عدد الزوجات والخيول والمواشي، التي يمتلكها كل واحد، فضلا عن قيمهم وعاداتهم. وكان هذا العقل البريطاني الاستخباراتي الذي امتاز بالذكاء والدهاء يرفع تقاريره إلى الحكومة البريطانية، فتوافق عليها مع الامتنان.

والإنكليز هم الذين أدخلوا شيوخ العشائر ميدان السياسة. ففي التقرير الذي رفعته المس بيل إلى لندن عام 1923، أوضحت أن أصلح طبقة لحكم العراق هم شيوخ العشائر، فأشركوهم في المجالس النيابية المتعاقبة بعدد كبير زاد على ثلث أعضائها، وصاروا أصحاب ثراء وجاه واعتبار اجتماعي وسلطة يستعان بها في إدارة البلاد وضرب المعارضة السياسية.

ومع أن العشائر العراقية قامت بثورات وتمردات ضد سلطات الحكم العثماني، إلا أن أبرز دور لها هو اشتراكها في ثورة العشرين، إلى جانب رجال الدين الذين رفعوا شعار “إخراج الكافر الأجنبي من البلاد” بوجه القوات البريطانية التي دخلت العراق عام 1917. ويحسب لها أنها أسهمت من خلالها في تعميق الحس الوطني ومناهضة السيطرة الأجنبية، وإضعاف الروح الطائفية التي جعلت بغداد ساحة احتراب طائفي في فترة الحكم العثماني.

والواقع أن عشائر وسط وجنوب العراق تختلف عن عشائر المنطقة الغربية، في أن الأولى تتحكم فيها قيم المرجعية الدينية فيما تتحكم القيم البدوية في الثانية. غير أن كلا الفريقين تجمعهما “العصبية القبلية” بوصفها الوسيلة التي تلزم الجميع بحماية كيان العشيرة لقاء تأمين حاجة أفرادها إلى الشعور بالأمان، التي تجسدت عام 2003. فحين سقطت الدولة وتعطّل القانون، برزت لدى الفرد العراقي سيكولوجيا الحاجة إلى “الاحتماء” فكانت العشيرة ملاذه الأول.

إن التاريخ يحدثنا عن أن شيوخ العشائر يقفون مع الأقوى. ففي التقرير الذي أعدته دائرة الاستخبارات البريطانية في العراق عن مشايخ ولاية بغداد سنة 1917، يذكر مترجمه عبدالجليل الطاهر أن بعض شيوخ العشائر كانوا متعاونين مع الإنكليز، وأنهم كانوا يحصلون منهم على الرشاوى، وأن الإنكليز استعملوا أساليب الإغراء وتلويث الضمائر واستطاعوا شراء ذمم بعض شيوخ العشائر.

المفارقة أن صدام حسين والطائفيين “الديمقراطيين” اعتمدوا نفس الأسلوب الإنكليزي. فقد شجع النظام السابق على استيطان عشيرة الجنابيين في الشريط الواقع جنوب بغداد لتكون حائلا بين بغداد والمدن الشيعية. ويذكر علي عبدالأمير علاّوي في كتابه “احتلال العراق” أن رؤساء الأفخاذ العشائرية الجنابية منحوا أراض زراعية خصبة في اللطيفية واليوسفية والمحمودية التي صارت تعرف فيما بعد بـ“مثلث الموت”.

وعمد صدام إلى تشكيل “شيوخ أم المعارك” كثير منهم رؤساء عشائر شيعية اشترى ذممهم بدفع هدايا مالية ومسدسات وامتيازات، لقاء قيامهم بالسيطرة على أفراد عشائرهم وأن يكونوا عيونا للسلطة. واستجاب عدد منهم طمعا بـ“تكريم” أو دفعا لشر. والشيء نفسه قام به الطائفيون، إذ التقى رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، بعدد من الشيوخ قصد كسب أصوات أتباعهم في الانتخابات وتأييدهم لشخصه. ويذكر لي أحد شيوخ الناصرية أنه قبيل انتخابات 2010 زاره ممثلان عن حزبين شيعيين في السلطة طلبا منه أن يمنحاه أصوات أفراد عشيرته، ولأنه لا يريد أن “يزعّل” أحدهما فإنه أخبرهما بأنه سيجعل أصوات جماعته مناصفة بينهما.

بالمقابل نظمت وزارة الداخلية في اليوم نفسه مؤتمرا موسعا لرؤساء عشائر من الطائفتين. ومع أنه دعا إلى تشكيل لجنة من رؤساء العشائر لتوحيد مطالب المتظاهرين، إلا أن الهدف الرئيس بالنسبة إليه هو خطب ودّ شيوخ عشائر ليكونوا مع الحكومة، التي قامت بتوزيع استمارات خاصة بحيازة وحمل السلاح لأكثـر من 150 من شيوخ العشائر بينهم زعماء قبائل من الأنبار ودعتهم إلى التدخل لوقف التظاهرات. وهذا حال كل الحكومات العراقية، إنها تستميل إليها شيوخ العشائر حين تشعر بخطر يتهددها، وتجزل العطاء لمن يتعاون معها، وإن عددا من الشيوخ يستجيبون حتى لو كانوا يعلمون بأن الحكومة على باطل.

قراءتنا السيكولوجية التاريخية تكشف صفة ثابتة في شخصية شيخ العشيرة، هي أن الحمية على وطنه لا تأخذه قدر ما تأخذه الغيرة على الشرف، بمعنى أنه يغلّب قيمه العصبية ومصالح عشيرته على مصلحة الوطن، وأنها ميالة إلى التباهي بما تملك من ثروة وخيول وأبقار وأغنام… ونساء. وقد توفرت الفرصة لعدد من الشيوخ أن يجمعوا بين رئاسة العشيرة والعمل كرجال أعمال. ويذكر علي علاوي في كتابه “احتلال العراق” أن بعض رؤساء العشائر اندفعوا للتعاون مع سلطة الائتلاف المؤقتة لأسباب مالية صرفة.

الأخطر أن ازدواجية مواقف شيوخ العشائر يحكمها عامل التودد للسلطة للحصول على منافع وسلطة وجاه، وأن العصبية القبلية تتحكم فيهم وتكون هي الأقوى في أوقات الأزمات، وأنهم يبقون أصلاء (ينحطون عالراس) متى ما كانوا بعيدين عن السلطة.

والحقيقة التي لم ينتبه لها كثيرون أن أخطر مرحلة يمر بها رؤساء العشائر على مدى مئة عام هي التي يعيشونها الآن في زمن الطائفيين، ولا يدركون أنهم في الآخر هم الخاسرون.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9