شيوخ دمشق.. خانوا الثورة أم النظام؟

الأربعاء 2014/01/15

حين يقدم الدكتور محمد حبش اعتذاراً للناس عن التقصير الذي اعترى أداء رجال الدين الإسلامي، في برنامج بث على إحدى القنوات التلفزيونية الكبرى، فهذا يعني أن دور رجال الدين في الثورة كان ملتبساً في البداية، بدليل انكفاء معظمهم عن الخوض في تلك المسألة.

مايعزز هذه الفرضية رأي الدكتور محمد راتب النابلسي، بأن القول في تأخر رجال الدين في الخوض في الثورة منذ بدايتها، “فيه مبالغة كبيرة، دون تبيان الأسباب والأعذار”.

أجوبة رجال الدين فيها غموض كبير والتباس على ما يبدو، فلا أجوبة محددة. في آخر مرة تحدث إليّ النابلسي، سألته عن هذا الموضوع فكان جوابه دبلوماسياً وشرعياً: “وكان لا يلوم أحداً على ما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره، وليس خيركم من عرف الخير ومن عرف الشر ولكن من عرف الشرين وفرق بينهما، واختار أهونهما”.فهل كان النابلسي يرى في الثورة شراً وفي النظام شراً آخر ليختار بينهما، هل كان يرى في الخروج على الحاكم شراً أم ماذا؟

حبش والنابلسي، وهما من مدرستين مختلفتين، لا يخفيان تقصيرهما الآن، ولكن كيف كان الحال قبل حوالي ثلاث سنوات أو أقل، وتحديداً نهاية شهر مارس عام 2011.

في هذا التوقيت بالذات طلب هشام بختيار رجل المخابرات السني القوي، بتفويض من بشار الأسد، أن يجتمع مع كبار مشايخ دمشق، وكان أن حصل ذلك في قاسيون تحديداً، وكان المخطط لهذا الاجتماع أن يكون تحديد علاقات، بمعنى اعتراف ضمني من النظام بقدرة رجال الدين على التأثير، وإحساس هؤلاء بأن النظام هو صاحب القوة.

حضر الاجتماع كل من الشيخ راتب النابلسي وجماعة أبو النور (الشيخ أحمد كفتارو) غسان جبان وشريف صواف ومحمد بدر الدين حسون، والشيخ الفرفور والمفتي القباني وآخرون، لكنه لم يضم محمد حبش، لأنه كان قبيل الثورة كثير الانتقاد لوزير الأوقاف، فقرر النظام على ما يبدو تهميشه. وكذلك ما يمكن تسميته جماعة الرفاعي الشيخ ومنهم سارية وأسامة الرفاعي، الذين غابوا عن الاجتماع، فهم كما هو معروف، آخر من تبقى ممن يحسبون على جماعة الإخوان.

وفي هذا تكمن خطورة سلوك النظام فهو على ما يبدو لم يسع وراء حل شامل، بل سعى لمجرد أن يسكت هؤلاء الشيوخ ومن يخرج عقب خطبهم في المظاهرات، فهل أوقع النظام شيوخ دمشق في المصيدة.

أبرز ما قيل في الاجتماع الذي وصفه لي بعض من حضروا بأنه فاشل جداً، كانت كلمة للشيخ النابلسي، بأن قال “هذا الرجل له في رقبتنا بيعة” والمقصود بالرجل هنا بشار الأسد، وكان أن انتهى الاجتماع دون أن يقدم أيّ من الحضور أية حلول، خصوصاً مع تطور الحديث والضغط على المجتمعين بأنهم سيبقون بانتظار الحلول التي يقدمها بشار نتيجة هذا التفويض، وهذا كان أقصى ما يتمناه النظام ورجاله، وبعض من حضر من شيوخ السلطة.

ما حصل على الأرض ويحصل، ناقض كل ما جرى في الاجتماع، فالنابلسي لم يكن يدخر جهداً في نقد الواقع والنظام بطريقة مبطنة تارة، وظاهرة مخففة تارة أخرى، فهل خان النظام بذلك، أم خان الثورة، أم أنه لم يكن بعد قد قرر أهون الشرين.

في الشهر السادس من عام 2011، وبعد تطور أحداث الثورة، اجتمع معظم شيوخ دمشق على رأي واحد، باستثناء شيوخ السلطة والبوطي، على أن يخرجوا بإعلان موحد يذيعه الشيخ النابلسي من خارج سوريا، يدعم الحريات والحقوق العامة، ويدين بعض الممارسات، لكن ذلك لم ير النور، بسبب اعتقال النابلسي في المطار بعد تسرب الخبر للشيخ البوطي، والذي بدوره نقله إلى أجهزة الأمن، ووضع النابلسي على إثرها تحت الإقامة الجبرية.

في سوريا قبل انطلاق الثورة ومعها، لا يمكن إنكار مقدار الخوف والتهديد الذي كان يواجهه رجال الدين، لكن التقصير والالتباس الذي اعترى مواقفهم، ربما لن يبرره الناس. لكل رجل الدين مُصالح صحيح، لكن ما يفترضه العقل بأن دور رجل الدين يجب أن يكون نحو الصواب، فإذا ضاع رجل الدين بين ألاعيب النظام تارة، وبين التباس الأمر عليه تارة أخرى، فإنه بذلك يفقد دوره المفترض أن يقوم به. والكلام هنا لا يحدد أحداً من العلماء أو الشيوخ، فالبوطي وحسون وغيرهما محسوبون على رجال الدين، لكنهم فرقوا المجتمع بدرجة أولى ولعبوا دوراً معاكساً لما كان يفترض أن يقوموا به.

في تطورات الثورة السورية، ضاع صوت رجل الدين المتردد، ولازلت أذكر جيداً كيف كان الناس يخرجون من المساجد نحو الساحات يهتفون لحريتهم المسلوبة وقبل دقائق وصية من الخطيب بألا يخرجوا، ومجمل القول إن جلّ رجال الدين لم يساندوا الثورة، ولم يدعموا النظام، في بداية الاحتجاجات، بل كانوا يوجهون من قبل النظام تارة، ومن ضغط الشارع تارة أخرى.


صحافي سوري

8