صائدو الألوان والأبصار في القاهرة

الأحد 2017/10/22
زادروس بلاس .. الدانمارك

أكثر من جانب إيجابي تنطوي عليه تجربة إطلاق “صالون مصر التشكيلي الدولي” في دورته التأسيسية الأولى (2-12 أكتوبر 2017)، بما يجعله واحدًا من الأحداث التشكيلية البارزة التي شهدتها القاهرة مؤخرا.

أول ملمح إيجابي للصالون يتمثل في تضمنه مشاركات 92 فنانًا وفنانة دفعة واحدة من 15 دولة عربية وأجنبية إلى جانب مصر، حيث شارك مبدعون من كل من لبنان، العراق، الأردن، إنكلترا، الدنمارك، هولندا، صربيا، الجبل الأسود، إيطاليا، إيران، تركيا، ألمانيا، بيلا روسيا، كوريا الجنوبية.

الملمح الثاني الإيجابي هو تنوع محتويات المعرض الخصب، وتعدد مساراته، إذ عكس رؤى وتيارات معاصرة في التصوير والنحت والخزف والرسم والجرافيك والفيديو آرت والأنستليشن (فن التركيب) وغيرها.

من الإيجابيات أيضًا أن المعرض يشكل تآزرًا بين منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة، فهو من تنظيم “مؤسسة أوستراكا للفنون” بالتعاون مع “قاعة الأهرام للفنون” التي احتضنت الأعمال في ساحتها، وهي إحدى أكبر قاعات الفنون التشكیلیة في مصر، وتبلغ مساحتها سبعمئة متر مربع، وصممتها بخطوط حداثیة الفنانة الفرنسیة سیلفي بلانشیت، وتم تجهیزها بأنظمة إضاءة متطورة مخصصة للمعارض، وفق أحدث الطرز العالمية.

أسماء لافتة وطموحات

اشتملت قائمة المشاركين على أسماء بارزة لتشكيليين مرموقين من دول مختلفة في العالم يعبرون بواقعية عن المشهد التشكيلي الراهن في بلادهم وعكسوا مسار الفن في توجهاته الحديثة.

لم تشترط إدارة الصالون عمرًا معينًا للاشتراك وفق تصريح التشكيلي محمد حميدة “منظم عام الصالون” لـ”العرب”، الأمر الذي أفسح المجال لمشاركات من أجيال مختلفة ليكون الصالون “ملتقى لشيوخ الفن وشبابه في آن واحد”.

يسعى الصالون، وفق هذا المنطلق، إلى التوسع أكثر فأكثر خلال دوراته المقبلة، ويقول الفنان حميدة في هذا الصدد “هدفنا أن يترسخ اسم صالون مصر الدولي كحدث عالمي بارز وقويّ خلال الدورات الثلاث المقبلة، أملًا في إثراء المحتوي الثقافي من خلال عيون الأعمال في مجال الإبداع التشكيلي”.

الإيجابي هو تنوع محتويات المعرض الخصب، وتعدد مساراته، إذ عكس رؤى وتيارات معاصرة في التصوير والنحت والخزف والرسم والجرافيك والفيديو آرت والأنستليشن (فن التركيب) وغيرها

من بين الفنانين المصريين المشاركين في الدورة التأسيسية نجد فاروق وهبة، رفقي الرزاز، مي الديب، يسري القويضي، محسن عطية، السيد عبده سليم، وليد عبيد، هبة عبدالعزيز، طارق مأمون، ضياء عوض، الشاذلى عبدالله، محمد عبدالهادي، أحمد الجنايني، محمد ثابت، منى عليوة، سمير عبدالفضيل، وحيد البلقاسي، أماني زهران، مينا ممدوح، وغيرهم.

المبدعون العرب والأجانب المشاركون في “صالون مصر الدولي”، من أبرزهم وفاء النشاشيبي (الأردن)، معن كرماشة (العراق)، ندى عيتاني (لبنان)، مارك بتلر (إنكلترا)، شيفكت أميني (هولندا)، زادروس بلاس (الدنمارك)، أليس فالاي (بيلا روسيا)، لارا ستيفي (إيطاليا)، لوكا رادشوفيش (مونتنيجرو/الجبل الأسود)، الإيباي أوغلو (تركيا)، أكبير باكلهام (إيران-ألمانيا)، نديم آفا (صربيا)، كليمنس سو (كوريا الجنوبية)، وغيرهم.

تنويعات لونية ونحتية

من أعمال المعرض فيل الفنان البريطاني مارك بتلر، وهي لوحة تصوير تستوحي أجواء الشرق الأقصى، وألوانه الصاخبة، في بناء يعلي من قيمة الشموخ، وفق هندسية تراعي توازنات العناصر في الكائنات والموجودات.

وترتد الفنانة الأردنية وفاء النشاشيبي في عملها التصويري إلى أجواء شعبية حيث العلاقة الأولية البسيطة التي تربط الرجل والمرأة وسط حفاوة الكون بما يشبه الإيقاعات والآلات البدائية.

الإيباى أوغلو .. تركيا

وتبرز اللبنانية ندى عيتاني في لوحة تصويرية صخب الحياة ومرحها في انسجام بين حركة الإنسان وتطلعاته وشعوره بالخطر أيضًا، وبين عناصر الكون وفيوضاته المتسعة المنبعثة من أرضه ومائه وسمائه. فيما يأتي عمل شيفكت أميني (هولندا) التجاءً هامسًا للطبيعة في عمقها الساحر وسحرها العميق وسط سكونية يبلورها خفوت الألوان.

وتتجاور الأعمال النحتية لكل من أليس فالاي (بيلا روسيا)، لارا ستيفي (إيطاليا)، لوكا رادشوفيش (مونتنيجرو/الجبل الأسود)، وهي أعمال تتعاطى مع خامات صعبة منها الخردة والحجارة، وتتسم بالضخامة النسبية في فضاء المعرض، وتشكل استنهاضًا للإنسان وإعلاء لروحه السامية كطاقة محرّكة لجسده.

وتأتي رماديات العراقي معن كرماشة حاملة أوجاعه الخاصة المنعكسة على جدران البيوت وشحوب الأفق، في عالم يحتله الدخان ويسوده الضباب. وينصب زادروس بلاس (الدانمارك) شبكة لونية زاخمة لاصطياد الرائي وإدخاله مباشرة إلى دوامات الكون الخفية وصراعاته وانفجاراته اللامتناهية.

وتشكل أعمال المصري رفقي الرزاز بالصالون إحالات تصويرية إلى الأسطورة حيث يخلق واقعًا موازيًا تسكنه العرائس والجنيات وتتصل موسيقاه الخفية بالجوهر الإنساني المفقود.

ويستدعي الفنان طقوس وتقاليد القبائل والبدو، فضلًا عن رموز وقيم المصريين القدماء للتأكيد على المشترك الإنساني وصلاحيته في كل مكان وزمان. وتتسم أعمال الفنان بتلقائية في التعبير تلائم مشاهده التي تبدو مرتجلة.

ويأتي البورتريه لدى التشكيلية المصرية مي الديب بمثابة خريطة كاملة للأنثى بملامح وجهها الخارجية وأيضًا بما يعتمل داخلها من فيوضات. وتمزج الفنانة تفاصيل الأنثى التي تصورها بمحيط الفضاء من حولها بما يكسر الخطوط الوهمية الفاصلة بين الخارج والداخل.

وفي لوحات المصري يسري القويضي تتحول الرسوم إلى تركيبات، حيث تتجلى نزعة الفنان إلى التجريد والرؤية الهندسية والتعبير بالرموز عن شبكة العلاقات التي تنظم وتحكم حركة الكائنات في الوجود.

أما النحات المصري السيد عبده سليم فتتجسد في أعماله بالصالون قدرته الفائقة على التعامل مع البرونز، في رؤية تختزل معاناة الإنسان المعاصر وتصوّر غربته وافتقاده للألفة، في ظل المجتمع الصناعي وثورة التقنيات التي تكاد تجرده من حواسه ومشاعره وربما أيضًا أطرافه.

ويلجأ الفنان إلى ثيمة التصوف ساعيًا إلى استعادة روح الإنسان المفقودة وكشف ما يدور بأعماقه البعيدة من دفقات شعورية لا تزال حية رغم التجمد الظاهري الذي يعتريها.

كاتب من مصر

15