صابرين فرعون: ليس على الرواية الفلسطينية أن تستهلك فكرة المقاومة

الروائية الفلسطينية تؤكد أن الرواية استجابت بشكل هائل للمتغيرات على اختلافها، فقد انفتح الخطاب الروائي على التهجين وقبول المفارقات والتناقضات والتنوع الفكري.
الاثنين 2018/07/02
وظيفة الرواية هي أن تؤرخ الواقع

عرفت الرواية الفلسطينية في السنوات الأخيرة تغيرات جذرية لم تتوقف عند التجديد في الشكل، بل أحدثت تغييرا جذريا في مضامينها، فلم تعد تلك الرواية المتعلقة فقط بظواهر القضايا الكبرى مثل الاحتلال والمقاومة، بل طوعت هذه الظواهر وغيرها ودخلت إلى العوالم المجهولة للإنسان الفلسطيني، وأشيائه وأحاسيسه وأفكاره ويومياته وغيرها، مقدمة صورة أخرى عنه. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الروائية الفلسطينية صابرين فرعون حول روايتها الأخيرة وقضايا أدبية أخرى.

صابرين فرعون روائية فلسطينية، جربت عدة فنون إبداعية ومع ذلك تؤمن أن طبيعة العمل هي التي تفرض الشكل الفني له. ولقد انتهت منذ عام تقريبا من مخطوط بعنوان “مخالب الدمى” وقريبا سيقرأ باللغتين العربية والإنكليزية.

بحسب الروائية صابرين فرعون شهدت الرواية الفلسطينية تنوعا في تقنيات وفنيات السرد والمعمار اللغوي والمتن والمذاهب الأدبية بسبب الانفتاح على ثقافات مختلفة بالإضافة إلى الوعي والعمق الفكري والوطني اللذين بات يتحلى بهما الروائيون الفلسطينيون.

 وتلفت فرعون إلى أن الرواية الفلسطينية تناولت مواضيع الهوية المأزومة واحتلال الأرض للحفاظ على خصوصية المكان. لكن في المقابل إن غالبية الروايات تهمش واقع وملامح الإنسان الفلسطيني؛ فهي تفتقر لسرد مشاكل الحياة اليومية وقضايا تمس المجتمع كمحور رئيس مثل: العنف ضد المرأة والأسرة والأخطاء الطبية والجرائم المجتمعية وتجارب الناس والسلوك الإنساني.

وظيفة الرواية

المسكوت عنه بمزيج من التوثيق والموضوعية
المسكوت عنه بمزيج من التوثيق والموضوعية

في هذا الجانب تشدد الروائية على ضرورة التجديد في مواضيع الرواية حتى لا تتحول القضية الفلسطينية إلى مقاومة مستهلكة.

وتتابع صاحبة كتاب “مرايا المطر” قائلة “الكثير من الأعمال لرواد الرواية الفلسطينية لا نجد منها نسخا في المكتبات وهي من الكتب القيِّمة التي يجب إعادة طباعتها للمحافظة عليها كمرجعية للدراسات النقدية، وهنا يأتي دور المؤسسات الثقافية في رصد ميزانية لتشجيع الأدباء وخاصة الشباب على نشر وتسويق العمل الأدبي الجاد الذي يُعد إرثا للأجيال القادمة، فالرواية الفلسطينية حققت حضورا محليا وعالميا من خلال أسماء كبيرة، وحققت مبيعات في معارض الكتب الدولية ونافست على جوائز أدبية عالمية، لكنها بقيت في نطاق لا يتعدّى ما يمثل الفكر السياسي”.

في رواية “أثلام ملغومة بالورد” تتحدث فرعون عن نساء تعرضن للعنف اللفظي والجسدي. وهنا نسألها، هل من مهام الروائي أن يكشف عن الجوانب غير المرئية من الحياة؟ لتقول “إن الجوانب المبهمة من حياة الإنسان هي تفاصيل غنية بالمعرفة والتجربة الإنسانية والفلسفة الحياتية والفكرية، هذه الجوانب تبدأ من علاقة الإنسان مع نفسه وما يدور في عقله ثم إقامة علاقة تواصل واتصال بينه وبين محيطه”.

 وترى الكاتبة أن وظيفة الرواية هي أن تؤرخ الواقع وهذا لا يعني أن تتحول إلى تاريخية خالصة، وإنما تتناول المسكوت عنه بمزيج من التوثيق والموضوعية والشعرية والواقعية والخيال، للشفاء من الكوميديا السوداء التي نعايشها في الواقع.

وتضيف “إن الرواية تشبه خشبة مسرح وليس مسرحية تتم فيها إعادة تصوير وكتابة الأحداث وبناء الشخصيات، أفكارها تدعو إلى التصالح ورفض الخضوع لواقع مسلم به ومحاربة الجهل الذي ارتدى ثوب العُرف والأصول”.

 ترفض صاحبة كتاب “جريمة نصف زرقاء”، تلك التسميات الجندرية، وعللت ذلك قائلة “أرى في تسمية الكتابة النسوية ما يخدم الدراسات النقدية وليس الأدب. قد تكون المرأة بطلة رواية لكاتب رجل وقد تكون الكاتبة المرأة تحكي عن عذاباتها ومنها اضطهاد الرجل مسلطة الضوء على ما يخص المرأة فقط أو تكتب بلسان رجل، وبذلك تتحقق النسوية بصورة نسبية، لا نستطيع معها الجزم بتأطير وتصنيف الأدب”.

وتتابع فرعون “إن بطلة رواية ‘أثلام ملغومة بالورد‘ امرأة، لأن فكرة العمل نفسه تحكي عن العنف ضد الأسرة والتي تتمحور حول استضعاف نواة الأسرة وهي المرأة. المرأة التي يبث الرجل الظالم في نفسها الخوف من الطموح وتكوين نفسها ويحصر دورها كزوجة وأم وابنة بين أربعة جدران، يحرم عليها غير الطاعة المطلقة في مجتمع ملتزم توافرت فيه الذرائع والحجج الواهية تحت مسمى الدين”.

مواكبة المتغيرات

التجديد في أساليب الكتابة
التجديد في أساليب السرد

تقول صاحبة كتاب “قلقلة في حقائب سفر”، “أنا أكتب وأحذف وأكرر الحذف والتعديل حتى أرضى بشكل ما عن النص. أكتب عن واقع الناس والمجتمع، وحين أرى أفكاري على الورق يذهب القلق الذي راودني في مخاض طال انتظاره. الكتابة فوضى جوانية من الأفكار والحوارات التي أقوم بها للتفكر بقلبي وعقلي. لا أعرف للوقت حدودا وأنا أكتب نصي، وإنما لبياض الورق رونق خاص”.

 وتضيف “أُفضل قراءة الرواية، وفي الكتابة أميل للسرد القصصي وأعمل على تطوير أدواتي الكتابية، ليقيني من أن الكاتب يسعى للتجديد في أساليبه. أما أني أهتم بكتابة الرواية، فليس مخططا لها وإنما طبيعة العمل هي التي تفرض نوعه”.

تنطلق فرعون في أعمالها الروائية من عالم المرأة المضطهدة، نسألها هنا إن كانت تخشى أن يتهمها القارئ بأنها تضعه في زاوية ضيقة، فتجيبنا “ماتت ضمائر كثيرة وباتت لغة العنف والقوة هي المُسيطرة على واقعنا، فكيف لأي كاتب ألّا يميل لإنصاف من استضعفتهم موازين القوة والتطرق لنماذج واقعية من نساء وفقراء ولاجئي حروب. الرواية عبارة عن حياة مزدوجة الخط الفاصل بين الواقع والخيال فيها حدس القارئ وشعوره بالكلمة. الكلمة لها دورة حياة حية، تبدأ من صورة ذهنية في رأس الكاتب لينطقها دمعا ووجعا وفرحا وصرخات مكتومة في الأفواه، وهذا ليس انحيازا لطبقة وإنما تأكيد على أن الإنسان بصمة وهوية، والكتابة أكبر بصمة للنضج والوعي والفهم”.

وعن مدى استجابة الرواية لمتغيرات عصرنا، تقول صابرين فرعون “الرواية استجابت بشكل هائل للمتغيرات على اختلافها، فقد انفتح الخطاب الروائي على التهجين وقبول المفارقات والتناقضات والتنوع الفكري حتى في البيت الواحد. هناك اهتمام بالموروث والإضافة إليه مواكبة لتغيرات العصرنة والحداثة والتمدن وحوار الأديان والقيم في مواجهة الحروب والدمار وخطاب الكراهية الذي يغزو مواقع التواصل الاجتماعي والعالم”.

15