صاحبة "زوال المرأة الشيوعية" تخطف جائرة نوبل للآداب

كالعادة ككل سنة يقضي جمهور الأدب مختلف أنحاء وثقافات العالم لحظات انتظار مشوقة قبل الإعلان عن نتائج جائزة نوبل للآداب أكبر الجوائز الأدبية وأعرقها عالميا، والتي تمنح سنويا من قبل الأكاديمية السويدية، لأي مؤلف من أية دولة على أن يكون قد أنتج، وفق قول ألفريد نوبل باعث الجائزة، “أكثر الأعمال روعة ونزعة مثالية”، ولكن الجائزة ما إن يعلن عنها حتى تسقط أغلب التخمينات والتوقعات باسم الفائز ونكتشف اسم متوج غير متوقع، ذلك أن الجائزة لا تهتم بالأسماء على حساب المنتج الأدبي ولو أنها أحيانا تثير تساؤلات عديدة حتى على مستوى المنتج الأدبي للحاصلين عليها، تساؤلات قد تصل حدّ الاتهامات للأكاديمية المانحة لها. وقد فازت هذه السنة 2015 على حساب الياباني هاروكي موراكامي والأميركي فيليب روث المرشحين البارزين لنيل الجائزة، الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش، خارقة أفق انتظار جمهور الأدب الشاخصة أعينهم إلى نتيجة الجائزة.
الجمعة 2015/10/09
قررت أن أجمع الأصوات من الشوارع، وكل مواطن يمنحني نصا خاصا به

لا بدّ لنا أن ننصت، وبقوة، إلى جدول المراهنات في العام القادم بعد أن ثبت لنا أن المراهنين أشدّ حنكة منا وأعلم. من بين ثلة من الأسماء العالمية الراسخة المرشحة لجائزة نوبل في الآداب لعام 2015، احتل اسم صحافية التحقيقات البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش قائمة المراهنات العالمية للفائز بالجائزة.

وبالفعل فازت أليكسييفيتش صاحبة كتاب “عصر مستعمل: زوال الرجل الشيوعي – المرأة الشيوعية” بالجائزة المشتهاة والبالغ قيمتها 691,000 جنيها إسترلينيا عن مجمل أعمالها، منضمة إلى قائمة مهيبة من الكتاب من أمثال ألبير كامو وغابرييل غارسيا ماركيز ودوريس ليسينج، وخلفت الفائز في العام السابق الفرنسي باتريك موديانو.

مفاجأة نوبل

لا شك أن مفاجآت لجنة نوبل لا تنضب، ولطالما استغلت جائزتها الرفيعة في دحض التمركز الأميركي على صعيد الأدب العالمي. وقرار أمس بمنح الجائزة للبيلاروسية لا يعدّ غير متوقع فحسب، وإنما غير مستساغ، لسبب واحد ووحيد، فنظريا وفنيا لا تكتب المؤلفة أدبا، وهو ما يحيلنا إلى نصيحة هاروكي موراكامي “أن يجد مهنة أخرى في الوقت الحالي حتى ينصلح الحال”.

تكتب المحاورة الألمعية المقال والريبورتاج، وقد ألّفت سيناريو واحد وعشرين فيلما وثائقيا، وبعض القصص هنا وهناك. ولم ينل جائزة نوبل للآداب كاتب يعمل بالأساس في الصحافة منذ نصف قرن، وأليكسييفيتش هي أول صحافية على الإطلاق تحصل على الجائزة، رغم أن الجائزة مخصصة للأدب.

كاتبة سرد وتوثيق

ولدت سفيتلانا أليكسييفيتش في 31 مايو 1948 غرب أوكرانيا في كنف عائلة مدرسين بالريف. وتخرجت من كلية الصحافة في جامعة مينسك.

وراحت تسجل روايات نساء حاربن خلال الحرب العالمية الثانية، واستوحت من تلك القصص روايتها الأولى “وجه الحرب غير النسائي”.

ومنذ ذلك الحين تستخدم أليكسييفيتش الطريقة نفسها لكتابة رواياتها الوثائقية، فتجري مقابلات على مدى سنوات مع أشخاص عاشوا تجربة مؤثرة. لتصوغها في قالب سردي توثيقي.

وقد حقق لها كتاب “صبية من الزنك”، حول حرب أفغانستان الذي نشر العام 1990، شهرة واسعة، ما أتاح لأعمالها، التي تستند إلى شهادات كثيرة جمعتها بصبر لا متناه، أن تترجم إلى لغات عدة، وتنال انتشارا في كافة أنحاء ولغات العالم.

وقد حولت بعضها إلى مسرحيات عرضت في فرنسا وألمانيا، حيث حازت الكاتبة عام 2013 على جائزة السلام العريقة ضمن فعاليات معرض فرانكفورت للكتاب.

سفيتلانا أليكسييفيتش (67 عاما) هي المرأة الرابعة عشرة التي تمنح جائزة نوبل للآداب منذ العام 1901، وهي أول بيلاروسية تمنح هذه الجائزة وتخلف بذلك الروائي الفرنسي باتريك موديانو الفائز في العام 2014.

وستحصل أيضا على مكافأة مالية قدرها ثمانية ملايين كورونة سويدية (حوالي 860 ألف يورو).

وقالت سارة دانيوس الأمينة العامة الدائمة للأكاديمية السويدية لمحطة “آس في تي” التلفزيونية العامة “لقد تحدثت إليها للتوّ واكتفت بكلمة واحدة: “رائع″. وأوضحت دانيوس أنها “كاتبة كبيرة طرقت دروبا أدبية جديدة”.

وقالت الكاتبة للمحطة نفسها في اتصال هاتفي “الفوز بهذه الجائزة أمر ضخم” معربة عن اعتزازها بالحصول على نوبل الآداب الذي كافأ العام 1958 الروسي بوريس باستيرناك. ففي خضم الحرب الباردة، قبل هذا الكاتب أولا الجائزة، قبل أن ترغمه سلطات بلاده على رفضها.

وكانت أليكسييفيتش من أكثر الكتاب المرشحين للفوز في السنوات الأخيرة وهي صاحبة مؤلفات مؤثرة حول كارثة تشرنوبيل وحرب أفغانستان مناصرة للإنسانية.

والكثير من مواطنيها كانوا يقرأون كتبها مع أن النظام كان يضيّق عليها الخناق.

وأوضحت دانيوس، أمينة جائزة نوبل، أنه “في السنوات الثلاثين إلى الأربعين الأخيرة، أجرت الكاتبة الفائزة بنوبل هذا العام مسحا للإنسان خلال المرحلة السوفييتية وما بعد هذه المرحلة. لكن الأمر لا يتعلق بأحداث بل بمشاعر”.

وكوفئت الكاتبة والصحافية “على أعمالها المتعددة الأصوات التي تكشف معاناة عصرنا بشجاعة”. وقد صفق الحضور الموجود في الأكاديمية السويدية بحرارة عند إعلان فوزها.

ويتواصل موسم نوبل اليوم الجمعة مع منح جائزة السلام، على أن يختتم الاثنين بجائزة الاقتصاد.

ومنحت منذ الاثنين جوائز الطب والفيزياء والكيمياء، وكافأت على التوالي أبحاثا عن الأمراض الطفيلية وأخرى عن النيوترينو وأعمالا عن إصلاح تلف الحمض الريبي النووي.

وتفوّقت أليكسييفيتش على الياباني هاروكي موراكامي والتشيكي ميلان كونديرا والكيني نجوجي واثيونجو. وهكذا لم تهمل اللجنة العملاقين فيليب روث وتوماس بينشون، وإنما أهملت فئة الأدباء قاطبة. وفي كل سنة منذ نحو عقد يعتبر الصحافيون خسارة هؤلاء الكتاب خبرا يفردون له الصفحات، وقد لا ينالهم حقا هذا الشرف أبدا، مثلما هو الحال مع من رحلوا من عظماء الكتاب، أمثال ليو تولستوي وهنري جيمز وهنريك إبسن.

صرح المعاناة

وقد أشادت سارة دانوس السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية بما تتحلى به مسيرة أليكسييفيتش من “كتابات متنوعة الأصوات، تمثل صرحا للمعاناة والشجاعة في عصرنا”. وقد سبق للكاتبة الفوز بجائزة بين السويدية للأسباب نفسها.

وأضافت دانوس أن أليكسييفيتش كاتبة استثنائية، وعلى امتداد ثلاثين عاما ماضية انشغلت برسم خريطة للفرد في العهد السوفييتي وما بعد العهد السوفييتي، معتبرة أن هذه الكاتبة “لا تتتبع تاريخ الأحداث بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما تاريخ المشاعر والأرواح، فترنو إلى شيء أبدي، لمحة من الأبدية. وما تقدّمه إلينا هو عالم عاطفي، لذا فهذه الوقائع التاريخية التي تحكيها، على سبيل المثال كارثة تشيرنوبيل والحرب السوفييتية في أفغانستان، ما هي إلا “ذرائع لسبر أعماق الفرد في العهد السوفييتي والفرد ما بعد العهد السوفييتي”.

ولدت أليكسييفيتش في بلدة أيفانو- فرانكيفيسك بأوكرانيا، ودرست الصحافة في جامعة مينسك (1967-1972). وبسبب آرائها المعارضة، لم تجد محلا للعمل بعد تخرجها إلا جريدة محلية بمدينة بريست بالقرب من الحدود البولندية. وفي مراحل تالية من حياتها، عاشت متنقلة بين إيطاليا وفرنسا وألمانيا والسويد، ولم تتخل عن آرائها وتوجيهها النقد اللاذع للحكومة في بيلاروسيا.

لكل مواطن نص

انبهرت أليكسييفيتش بكتابات سوفيا فيدورشينكو عن تجارب الجنود في الحرب العالمية الأولى، وتقارير البيلاروسي أليس آداموفيش عن الحرب العالمية الثانية الذي قالت إنها “وجدت صوتها الأدبي على يده”، وقد يتضح هذا التأثر في ابتكارها تقنية جديدة من النثر يخلط الأدب بالصحافة، وإن لا يخلو من التكرار. معلنة أنه مستوحى من التقليد الروسي للحكي الشفاهي، تقول الكاتبة “قررت أن أجمع الأصوات من الشوارع، وكل مواطن يمنحني نصا خاصا به”.

استغلت الكاتبة مهاراتها الصحافية لعمل سلسلة من الحوارات المكتوبة في صورة فقرات سردية وجيزة، دون أيّ تعليق أو حكم منها. ولعل أسلوبها هو ما جعل تصنيفها أمرا غاية في الصعوبة. وقد شرحت ذات مرة أسباب تفانيها في استعمال هذا المنهج قائلة، “إنه يسمح للأصوات البشرية بالتحدث عن نفسها”، وهو منهج أدبي لم يكن متبعا إبان العهد السوفييتي. ومن خلاله تفلت أليكسييفيتش من قيود الصحافة السوفييتية المتحجرة التي تدربت عليها.

ندوب الأجساد والأرواح

تعيد أليكسييفيتش تشكيل الحرب صحافيا في شرق أوروبا وهي تعرض نماذج لقدامى المحاربين، الذين لم تسلَم أجسادهم وأرواحهم من الندبات. وقضوا البقية الباقية من حياتهم وراء جدار من سخرية متشائمة، لا سبيل إلى مداواتها، هاربين من ماض كريه عصيّ على المحو، ولا ترياق له. وهؤلاء الناس، من ضباط وجنود وأطباء وموظفات، يصارحون المحاورة بكفاح بدّل حيواتهم كلية، إلى الأسوأ، “لقد فقدت الحرب نُبْلها”، نبل متوهم بالطبع.

وفي كتاب “أصوات اليوتوبيا” تصوّر أليكسييفيتش الحياة في الاتحاد السوفييتي من منظور الفرد، بأسلوب هادئ النبرة، يتمثل في قص ولصق (كولاج) الأصوات الإنسانية التي تجمّعها، وتعمّق الكاتبة درجة استيعابنا لعهد بأسره. كانت تبعات الكارثة النووية في تشيرنوبيل سنة 1986 موضوعا لكتابها “أصوات من تشيرنوبيل: تأريخ للمستقبل”، الصادر عام 1997 والفائز بالجائزة القومية لحلقة النقاد الأميركيين. ولكي تخطه أنفقت عشر سنوات في زيارات متتابعة لموقع الحادث، وتحدثت مع مئات الناجين والشهود.

الحرب وأهوالها

يتطلع كتابها “صبية من الزنك: أصوات سوفييتية من حرب منسية” (1990) بنظرة جريئة إلى حرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان (1979–1989)، والعنوان يذكرنا بأن الجيش كان يشحن الموتى في الحرب إلى مسقط رؤوسهم في توابيت من الزنك.

أعمــال أليكسييفيـش مســـح تاريخي مصغر لروسيا في النصف الثاني من القرن العشرين، ويمتد إلى عهد بوتين

تتساءل أليكسييفيتش في “صبية من الزنك”، إن كانت الحرب في أفغانستان عيّنت بداية الحدث العسكري الأكبر في تاريخ شرق أوروبا، ألا وهو تفكك القوات المسلحة السوفييتية، هل تفتت روح الإيمان والعزيمة الذي يجسّده الكتاب هي ردود الأفعال الإمبراطورية لدولة مسلحة إلى درجة أن لا إستراتيجية لها، سواء الالتزام بضروب الأرثوذكسيّة أو الإصلاحية الشيوعية، لا تنقذها من أزمتها؟ وتجيب المؤلفة بنفسها على السؤال بالتأكيد.

وهنا تقارن أليكسييفيتش بين الحرب في أفغانستان وحرب فيتنام، ففي الحربين ينساق شبان القوتين العظميين إلى حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، في مواجهة عصابات حاربت بشراسة منقطعة النظير. ولا انتصار للروس أو للأميركيين في اعتقاد المؤلفة إلا بمضاهاة هذه الوحشية والسادية أضعاف أضعافها.

وفي النهاية عجز الجنود الروس عن إدراك مغزى ما لمسوه من “جحود” ممن قيل لهم إنهم يساعدونهم. وحاروا في فهم سر ردود أفعال الأفغان البغيضة تجاه العون، وكذلك العدوان على حدّ سواء. أمّا العائدون إلى وطنهم، بجروح جسدية أو معنوية، فلم يغفروا قط لمن لم يشارك في الحرب، ولا سيما إن أوحوا إليهم بأنها حرب عقيمة أو “خبيثة”. صارح أحد الجنود أليكسييفيتش، “لقد اعتقدنا أننا هناك للدفاع عن وطننا وأسلوب حياتنا”.

كثيرون رصدوا الحرب وأهوالها، ولكن أليكسييفيتش تسبر الحرب بنظرة استقصائية، تكاد تكون مجهولة تماما لدينا. بيع ميلونا نسخة من كتابها الأول “وجه الحرب غير النسائي” الصادر سنة 1985، ويتكئ على حوارات نابضة بالخسارة أجرتها مع مئات النساء اللاتي وقفن على الجبهة في الحرب العالمية الثانية لقتال ألمانيا النازية، وعددهن يقدر بمليون امرأة.

طافت الكاتبة روسيا طولا وعرضا، لتجد مَن انتحر حسرة على الشيوعية الضائعة، وتتحدث مع أناس عاديين بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 في محاولة لتلخيص النفسية الجمعية بعد الانهيار. وما نطالعه من حكايات الناس، ينبئنا بملامح خسارة الهوية والعثور على الذات في بلد لم تعد الكاتبة تتعرف عليه. إن أعمالها مسح تاريخي مصغّر لروسيا في النصف الثاني من القرن العشرين، ويمتدّ إلى عهد بوتين.

لقد أجرت أليكسييفيتش آلاف الحوارات مع أطفال ونساء ورجال، لكي تهدينا تاريخا للنفس الإنسانية، وتؤرخ المآسي الكبرى في تاريخ الاتحاد السوفييتي. أغلب كتاباتها سياسية بطبيعة الحال، يطغى عليها حزن قد لا يطيقه القارئ في بعض الأحيان، لكن الكاتبة تتكل في الغالب على توثيق شفاهي يمزقه حنين إلى الاتحاد السوفييتي.

15