صادرات الغذاء الأوروبية المدعومة تقوض الزراعة الأفريقية

الخميس 2017/05/04
الزراعة تمثل حاليا 15 بالمئة من الناتج المحلي للقارة الأفريقية

تأمل دول أفريقيا في الاستفادة من قدراتها الزراعية لتنمية اقتصاداتها، لكن منتجي ومصدري المنتجات الغذائية في الخارج مثل دول الاتحاد الأوروبي يتفوقون على المزارعين الأفارقة في الأسواق، سواء بفضل الدعم الحكومي الذي يحصل عليه هؤلاء المنتجون أو بفضل الاتفاقيات التجارية التي تربط دولهم بدول أخرى.

ورغم أن أفريقيا تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، فإنها تكافح لكي تجعل القطاع الزراعي لديها مربحا، في الوقت الذي تزيد فيه الواردات الغذائية لأغلب الدول الأفريقية عن صادراتها من هذه المنتجات.

وبحسب منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة (فاو) فإن أفريقيا تستورد حوالي 80 بالمئة من احتياجاتها من الغذاء، وتنفق حوالي 70 مليار دولار سنويا لشراء المواد الغذائية الأساسية بما في ذلك الذرة والقمح والأرز وفول الصويا والحليب.

وتعد زيادة الإنتاج الزراعي في أفريقيا موضوعا رئيسيا على أجندة مئات الوفود من مختلف دول العالم التي ستشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي في أفريقيا، الذي يعقد في مدينة دوربان الساحلية في جنوب أفريقيا خلال الفترة من 3 إلى 5 مايو الجاري.

وقال نك كوتسه المهندس الزراعي في جامعة “ستيلين بوش” في جنوب أفريقيا لوكالة الأنباء الألمانية إن “هناك الكثير من الاستثمارات في مجال الزراعة والعمليات التي تستهدف تحقيق القيمة المضافة، التي يمكن أن تحقق تحولا للاقتصادات المتعثرة في أفريقيا، في وقت تحتاج فيه الحكومات الأفريقية إلى حماية صناعاتها المحلية من الإغراق الأجنبي”.

أفريقيا تستورد نحو 80 بالمئة من احتياجاتها الغذائية بقيمة 70 مليار دولار سنويا رغم إمكاناتها الزراعية الهائلة بحسب منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة

ويعد الاتحاد الأوروبي أكبر مصدر للأغذية إلى قارة أفريقيا، حيث يبيع منتجات غذائية للقارة تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار سنويا، وفقا لإحصاءات المفوضية الأوروبية. ويتيح الدعم الذي يحصل عليه المزارعون في دول الاتحاد الأوروبي بيع منتجاتهم الزراعية بأسعار تقل عن التكلفة الحقيقية لها.

المفارقة أنه يمكن إنتاج أغلب هذه الأغذية مثل القمح واللبن المجفف والحبوب والزيوت النباتية والدواجن والخضروات في أفريقيا بسهولة، لكن الاتفاقيات التجارية غير العادلة تعطي مزارعي الاتحاد الأوروبي ميزة تنافسية ضخمة على حساب منافسيهم الأفارقة بحسب منظمة “فاو”.

فاتفاقيات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأفريقية ودول البحر الكاريبي والمحيط الهادئ المعروفة باسـم “اتفاقيات الشـراكة الاقتصـادية” تتيـح للاتحاد الأوروبي الوصول الرخيص إلى حـوالي 83 بالمئـة من الأسـواق الأفـريقية، في حين يلغي الاتحاد الأوروبي فقط بعض الرسوم والجمارك المفروضة على وارداته من هذه البلاد.

وينتقد الخبراء باستمرار هذه الاتفاقيات على أساس أنها تفيد الأوروبيين بشكل رئيسي، لأن الشركات الأفريقية أضعف من أن تنافس الشركات الأوروبية في إطار التجارة الحرة.

وعلى سبيل المثال، عندما رفضت كينيا توقيع اتفاق مماثل عام 2014 بسبب الخوف من أن تدمر المنتجات الأوروبية المدعومة القطاع الغذائي المحلي لديها، هدد الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم إضافية على وارداته من الزهور الكينية وهي إحدى أهم السلع التصديـرية إلى كينيا. واضطرت الأخيرة إلى الاستسلام في نهاية المطاف وتوقيع الاتفاق.

ويقول أندرو مولد المحلل الاقتصادي لشؤون شرق أفريقيا في الأمم المتحدة أمام منتدى “مؤسسة يورو أكتيف” البلجيكية المعنية بأبحاث السياسات الأوروبية إن “الدول الأفريقية لا تستطيع المنافسة. ونتيجة لذلك، فإن التجارة الحرة والواردات من الاتحاد الأوروبي تهدد الصناعات القائمة في أفريقيا ولن تظهر صناعات مستقبلية لأنها ستكون عرضة للمنافسة القادمة من الاتحاد الأوروبي”.

وفي الوقت نفسه، فإن الرسوم الجمركية المـرتفعة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المنتجات الغذائية المصنعة، تجبر المزارعين الأفارقة على تصدير منتجاتهم الزراعية في شكل خام إلى أوروبا بدلا من تصنيعها وتحقيق قيمة مضافة لها تزيد أرباحهم.

ويعفي الاتحاد الأوروبي وارداته من المنتجات الزراعية الأفريقية التي لا تنمو في أوروبا مثل البن الخام من الرسوم، في حين يفـرض رسوما بنسبة 7.5 بالمئـة على وارداته من حبوب القهوة المحمصة والمطحونة.

الرسوم المفروضة على واردات الاتحاد الأوروبي من الكاكاو وهو محصول مهم آخر بالنسبة لأفريقيا تعد أكثر استنزافا لموارد القارة السمراء

وبحسب مقال كتبه على الإنترنت كاليستوس جوما أستاذ التنمية الدولية في جامعة هارفارد، فإن نتيجة هذه الممارسات حصل مزارعو البن الرئيسيون في أفريقيا على حوالي 2.4 مليار دولار من تصدير حبوب القهوة الخضراء عام 2014، في حين حققت ألمانيا عائدات تصل إلى 3.8 مليار دولار من إعادة تصديـر منتجات البن خـلال السنة نفسها.

وقال جوما إن “المشكلة ليست في أرباح ألمانيا من تصنيع القهوة، ولكنها في الرسـوم التي يفـرضها الاتحـاد الأوروبـي على دول أفريقيا إذا ما قررت تصنيع القهوة” ثم تصديرها إلى أسواق الاتحاد.

وفي الوقت نفسه، فإن الرسوم المفروضة على واردات الاتحاد الأوروبي من الكاكاو وهو محصول مهم آخر بالنسبة لأفريقيا تعد أكثر استنزافا لموارد القارة السمراء. فالاتحاد الأوروبي لا يفرض أي رسوم على وارداته من الكاكاو الخـام، لكنه يفرض رسما بنسبـة 7.7 بالمئـة على مسحوق الكاكاو و15 بالمئة على واردات الشوكولاتة التي تحتوي على زبدة الكاكاو، بحسب “فاو”.

وقال كوتسه إن “هناك العديد من الحواجز التجارية التي يجب على حكومات الدول الأفريقية إعادة التفاوض بشأنها” مع الاتحاد الأوروبي.

كما تحتاج أفريقيا إلى تحسين سياساتها وأنظمتها في الداخل. فمازال إنتاج قطاع الغذاء قليلا بسبب النسبة الكبيرة التي يمثلها صغار المزارعين وملاك الأراضي الزراعية من إجمالي قطاع الزراعة في العديد من دول القارة الأفريقية، إلى جانب انخفـاض الإنتاجية وسوء حالة البنية التحتية اللازمة لمعالجة المحاصيل ونقلها.

وبحسب البنك الأفريقي للتنمية، فإن الزراعة تمثل حاليا 15 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأفريقية.

وقد بدأت بعض الـدول بالفعل التحرك في الاتجاه الصحيح لتحديث قطاعها الزراعي. ويمثل القطاع الزراعي 85 بالمئة من إجمالي صادراتها، حيث تمثل صادرات القهـوة الجـزء الأكبـر منها، بحسب فـاو. وفي الوقت نفسه، فإن المحاصيل الغذائية مثل الذرة والفول تضمن للبلاد الأمن الغذائي.

ونجحت رواندا في مضاعفة إنتاجها الزراعي خلال 7 سنوات فقط من 2007 إلى 2014، بفضل الاستثمار في مجال نقل الإنتاج بسهولة، بحسب بيانات معهد الإحصاء الوطني الرواندي.

أما نيجيريا وهي أكبر منتج للنفط في أفريقيا، فتسعى إلى تنويع مصادر اقتصادها لكي تصبح أكبر مصدر للأرز في العالم خلال السنوات الخمس المقبلة، بمساعدة المستثمر النيجيري أليكو دانجوتي أغنى رجل في أفريقيا.

وقد تعهد دانجوتي، الذي تقدر مجلة فوربس ثروته بنحو 12.2 مليار دولار، باستثمار مليار دولار في مشروعات زراعة ومعالجة الأرز لتوفير الغذاء للنيجيريين وتصدير الفائض إلى الخارج.

10