صادق هدايت يحاور الآخر المكبوت تحت ضغوط الأعراف العامة

الخميس 2015/03/12
كاتب يبحث عن النقاء والنبل في زمن يفتقد هذه المعاني

سمعت اسم الدكتور علي شريعتي للمرة الأولى خلال زيارتي الأولى للدكتور إبراهيم الدسوقي شتا في كلية الآداب بجامعة القاهرة. أثناء تلك الزيارة، وأنا طالب، أهداني كتابه “الثورة الإيرانية: الجذور، الأيديولوجية” (1988)، وبعد سنوات أهداني روايته الوحيدة “الفيروز والدم” (1995)، ولم يذكر اسم صادق هدايت، وقال إنه مشغول بإتمام ترجمة «المثنوي» لمولانا جلال الدين الرومي.

في وقت لاحق عجبت أن الدكتور شتا (1943 - 1998) لم ينبهني إلى رواية “البومة العمياء” التي ترجمها لصادق هدايت (1903 - 1951)، ولعله ظن أنني أعرفها وقرأت طبعتها الأولى عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 1976.

في تاريخ الآداب ينجو عدد قليل، ربما كاتب واحد، من الضياع في زحام مبدعي جيله ومدّعيه، ومن بين الأعمال الغزيرة للكاتب الناجي يصمد لاختبار الزمن عدد قليل وربما عمل واحد يحظى بالاقتران باسم مؤلفه؛ تدل رواية “الصخب والعنف” مثلا على فوكنر، و”العجوز والبحر” على هيمنغواي، و”دون كازمورو” على ماشادو ده آسيس، و”مئة عام من العزلة” على ماركيز، حتى لو وقف القارئ مشدوها أمام روعة “خريف البطريريك”.


عنوان الأدب الإيراني


ظل اسم صادق هدايت مقترنا برائعته “البومة العمياء” دون غيرها تقريبا، حتى صارت الرواية عنوانا للأدب الإيراني، رغم حرص مؤلفها على أن تحمل طبعتها الأولى (1937) التي صدرت في الهند حيث كان، بهذه الجملة: “ليس للبيع أو النشر في إيران”، ثم كانت الرواية انفجارا أدبيا حين نشرت ببلاده في مطلع الأربعينات.

وتعيد سلسلة “روايات الهلال” هذا الشهر، مارس 2015 طبع “البومة العمياء”، إحدى كلاسيكيات الأدب الفارسي والعالمي، وتصلح تماما للقراءة الآن، حيث لا يقين في هذا العبث الكوني، ولا يبقى أمام الفرد إلا مواجهة الجنون بجنون آخر يختاره أو يجبر عليه، ولا أدل على هذه الفوضى الكونية من رواية هدايت “بتشاؤمه الفلسفي العميق، والذي لم يبلغ كاتب إيراني آخر معاصر ما بلغه من شهرة على المستوى العالمي” كما يقول المترجم الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا، وهو أحد رواد الدراسات الشرقية وأستاذ اللغة الفارسية وآدابها.


التشاؤم الفلسفي

مخطوطة تاريخية كتبت بيد صادق هدايت


في هذه الطبعة الجديدة، يستعرض المترجم تاريخ وحاضر الأدب الفارسي، وصولا إلى هدايت الذي “حوّل الأدب الفارسي من أدب توقيعات وقصور وصالونات إلى أدب أمة، ونقله من التصوف إلى الاشتراكية، ومن الشخوص الأسطورية إلى شخوص تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وتتصارع من أجل إثبات وجودها، ومن رعابة الأسلوب والتنميق اللفظي والبديع إلى الحديث السهل النابع من ضمير الشعب”.

كما يسجل المترجم الذي قدّم أيضا لمحات من حياة هدايت وآثاره وأنشطته الأدبية، واغترابه في بلده وخارجها، في الهند وباريس التي انتحر فيها عام 1951، وكيف استقبلت أعماله وفي مقدمتها “البومة العمياء” بعد ترجمتها إلى لغات أجنبية.

في المقدمة الطويلة يتتبع المترجم فكرة التشاؤم والانتحار كطيف يسيطر على كثير من قصص هدايت، ففي قصته “حي في مقبرة” يصرخ البطل “الانتحار عند بعض الأشخاص وجود، في أصلهم، في طبيعتهم، إنهم لا يستطيعون الهرب من بين يديه، إنه القدر الذي يحكم”.

وفي قصة “القلعة الملعونة” يقول البطل “كلنا فرادى، لا ينبغي أن نخادع، الحياة سجن، بل سجون مختلفة، ولكن بعضنا يحاول أن ينقش نقوشا على جدران هذا السجن، وبذا يوجد لنفسه نوعا من الألفة معه”.

“البومة العمياء” مرآة لزمان هدايت وزماننا، يرى فيها القارئ استنطاقا لروحه، لقرينه الآخر المكبوت تحت ضغوط الأعراف العامة، هي رواية الشك واللايقين، وانكسار الحلم، والبحث عن النقاء والنبل في زمن يفتقد هذه المعاني.

14