صارخا كالفناء

الجمعة 2017/10/20

ماذا لو كان الغياب هو شكل من أشكال تحقيق الخلود؟ ربما هذا ما تشير إليه هذه الكلمات التي عثرت عليها عن طريق الصدفة على إحدى صفحات الإنترنت “عندما سُرقت لوحة الموناليزا سنة 1911، وحصل موضعها الخالي في المتحف على اهتمام من الزائرين أكبر من الاهتمام الذي عرفته عندما كانت لا تزال في موضعها”.

من المؤكد أن في هذا الكلام، وكل ما يشبهه، ارتباط بسيكولوجيا البشرية وتعاملها مع حالة الفقد بأشكاله. هذه الحالة اكتسبت أبعادا جديدة بعد دخولنا إلى عالم التكنولوجيا المتقدمة، ومن المؤكد أن الفن التشكيلي المُعاصر، العالمي والعربي، ساهم بشكل أساسي بنحت “صورة” الغياب بهيئته الجديدة، إذ بات، في أعمال فنية لا تحصى، حضورا صارخا لم يكن له مثيل.

أما هذا الحضور فهو من النوع الذي يحيل المُشاهد إلى ماهية “غير الزائل”، لأنه يهب البشريّ صفات أثيرية هي من صلب تكوينه العام داخليا وخارجيا على السواء.

كرس هذا الفن نوعا خاصا من الخلود عندما أظهر الوجوه والأجساد حيّة ليس بالرغم من تفككها، بل بسبب تفككها، وبارزة كنتيجة مباشرة لغموض ملامحها، وباقية ومُستمرة لأنها قابلة للتحول وللتبخر وللتكسر دون أن تفقد “حياتها”.

بعض الوجوه في تلك الأعمال الفنية تتواشج مع الفراغ ليصبح جزءا من أجزاء تكوينها، وبعضها أذابت ملامحه ريشة الفنان “الحرارية”، فاكتسب خصوصية نطقت بما هو وراء نظرات الوجوه، وما هو أمامه شاخص إليه بمؤثراته.

نذكر هنا على سبيل المثال أعمال الفنانة فاليري هيغارتي وروبيرتا كونّي والفنان دايفيد كامبريا وخاصة في لوحته التي تحمل اسم “بالرغم من أنني نحيلة جدا، أنا حيّة” ونذكر أيضا الفنان حليم الكريم، ومعظم لوحات الفنانة علا أيوبي، التي تصور وجوه امرأة بشكل شبه ديجيتالي لم تُسلب منها أي خاصية من خصوصيات الحياة.

ولعل أروع أمثلة على هذا النوع من التشكيل الذي يهب للغياب نوعا من أنواع الخلود هو الذي ينتمي إلى الهيبرياليزم، أو ما يُسمى بالواقعية المفرطة، وهو فن نشأ في أواخر الستينات من القرن الماضي، واعتبر تطوراً للواقعية “الفوتوغرافية”.

هدفت الهيبريالية في الفن بشكل عام إلى مواجهة الواقع بعقلية المراقب لجميع التفاصيل. وهي اليوم قد عرفت تشعبات كثيرة وقد يكون أهمها تلك الهيبريالية المتشبثة بتفاصيل العالم الواقعي مع تخالط نابغ مع هيئات الفراغ والإيحاءات الشكلية لأطراف الأجساد أو لهلامية الوجوه أو للبطولة المافوق طبيعية لوضعيات الأجساد، وتعاملها مع الألم أو الفراغ بالمعنى الحرفي للكلمة.

في هذا السياق تحديدا يُمكن اعتبار “الإفراط” في الواقعية أنه إشارة إلى مُكتسب جديد يعمق من الواقعية وهو الأثيرية/ البطولية والمتخطية للفناء، على الأقل بالشكل الذي نعرفه اليوم.

ثمة فنانون كثر اكتسبت أعمالهم مذاق الخلود في صلب تصويرهم للكيان البشري والفاني. لا غرابة في ذلك البتة عندما ندرك ونقر بأنه ثمة بطولة ما في أن تكون بشريا في هذا الزمن الذي ينهشه الافتراضي.

ربما من أهم الأمثلة على هذا النوع من الفن الذي يدمج الافتراضي مع الهيبريالي بشكل صارخ هو ما قدمته حتى الآن الفنانة السورية سارة شمّة. فالأجساد التي رسمتها هي شاهدة على هذا الاندماج ما بين الافتراضي والهيبريالي لأنها مشحونة بطاقة الحياة التي تكاد تُرى في أعمالها بالعين المُجردة.

ناقدة لبنانية

17
مقالات ذات صلة