صاعقة الانتخابات التونسية تنزع عن الغنوشي جلباب المناورة

الاستنجاد بصندوق الزكاة وإحياء نظام الأوقاف أوهام قديمة لاستعادة الجمهور الانتخابي.
الأربعاء 2019/10/02
النهضة تنظر إلى قيس سعيّد كقشة نجاة ظرفية لاستثمار شعبيته المفاجئة

لم يستوعب إسلاميو تونس إلى الآن أسرار تراجع شعبيتهم بشكل متسارع، وكانت الانتخابات الرئاسية بمثابة صاعقة مدوية دفعت رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى التحرّك في كل اتجاه لتطويق الخسائر. فقد عاد لمغازلة الشباب الثوري الناقم على الأحزاب الحاكمة، ويحاول الآن الإمساك بقيس سعيّد كقشة نجاة أخيرة، فضلا عن استعادة الشعارات والأفكار الإسلامية القديمة لإغراء الشباب بانتخاب قوائم الحركة في الانتخابات التشريعية.

تونس – بدا رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في حملته الانتخابية واقعا تحت ضغط قوي بسبب نتائج الانتخابات الرئاسية في دورها الأول ودلالاتها، وبسبب استطلاعات رأي تضع حزب “قلب تونس” للمرشح الرئاسي المحبوس نبيل القروي في المرتبة الأولى.

ويعود سرّ الارتباك لدى الغنوشي إلى التخوّف من سقوط سردية كاملة رسمها لنفسه منذ 2011 في العلاقة بالخارج وبالمشهد التونسي، وأيضا بالوضع الداخلي للتنظيم ذي الخلفية الإخوانية. تقوم هذه السردية على اعتبار حركة النهضة قوة مفصلية في الانتقال الديمقراطي، وأن عمقها الشعبي سيسمح لها بأن تظل هي الجهة المتحكّمة في المسارات المختلفة، أي أنها الضامن للاستقرار.

الانقلاب على التفاهمات

عمل الغنوشي بوجه خاص على تسويق هذه الفكرة لدى دول أوروبية معنية بشكل مباشر بالوضع التونسي، وتدعم البلاد لتحقيق انتقال ديمقراطي هادئ يحول دون استنساخ الوضع الليبي أو السوري مع وجود المئات من المقاتلين التونسيين في بؤر التوتر المختلفة، وهو ما كان يزعج دولا مثل إيطاليا أو فرنسا وألمانيا وبريطانيا حيث كان الرجل يقيم.

وسعى رئيس حركة النهضة إلى تقديم نفسه كضامن للأمن والاستقرار والولاء والاقتصاد إذا تمّ القبول بالنهضة كشريك دائم في لعبة الانتقال السياسي، ومنع استنساخ النموذج المصري الذي كان يقضّ مضجعه.

أراد الغنوشي أن يقول لأوروبا المنزعجة من المستقبل الغامض لتونس بعد احتجاجات 2011 إنه يمكن أن يلعب الدور الذي كان يتولاّه الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في حماية أمن المتوسط ومصالح دوله وإن بشعارات مختلفة، لكن الهدف كان ملء الفراغ الذي تركه بن علي وشعرت أوروبا بثقله مع تعقيدات الأزمة الليبية وموجة الهجرة.

لكن ومنذ انتخابات 2011 وإلى حدود 2019، ومع توالي تراجعات النهضة وخسارة جمهورها الانتخابي، وجد الغنوشي أن الصورة التي رسمها لنفسه وأراد بيعها لأوروبا تتهاوى، وأن خسارة الانتخابات التشريعية المقرّر إجراؤها الأحد القادم قد تطيح بكل الصورة القديمة: صورة الرجل القويّ الذي يقدّم نفسه لخلافة بن علي.

يحاول الغنوشي ومحيطه التقليل من هزيمة عبدالفتاح مورو مرشح الحركة في الانتخابات الرئاسية بدعم الإشاعة التي تقول إن النهضة وضعت ساقا مع مورو وأخرى مع قيس سعيّد المرشح للدور الثاني، والهدف هو الإيحاء بأن النهضة لم تهزم وأن من صوّتوا لقيس سعيّد في غالبهم جمهور النهضة، ما يعني أنها ستكون صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان.

التصريحات الأخيرة لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تكشف بأن الرجل الذي عمل على استرضاء جميع المتناقضات قد بدأ يفقد زمام المبادرة

ومن الواضح أن الغنوشي والمحيطين به من قيادات تنفيذية قد توصّلوا إلى حقيقة مهمة، وهي أن مشاركتهم في الحكم قد دفعت جزءا من جمهور النهضة لانتخاب خصومهم، وأن الحركة إذا استمرت في خطاب الاعتدال والتهدئة والتوافق، فإنها ستكون مهددة بالسقوط في الانتخابات التشريعية، وهذا ما يمكن أن يفسّر الخطاب الحادّ للغنوشي ضد الفساد، واستعادة مفردات الثورة والثوار.

وتكشف التصريحات الأخيرة لرئيس حركة النهضة بأن الرجل الذي عمل على استرضاء جميع المتناقضات قد بدأ يفقد زمام المبادرة. وبعد أن كان يسوّق لكونه هو من نجح في فرض قانون المصالحة مع رجال الأعمال وحال دون تمرير مشروع العزل السياسي، عاد مؤخرا ليلعب الورقة المضادة، أي مهاجمة الفساد والفاسدين مع أن حزبه يتلقّى اتهامات واسعة بأنه أعاد رسكلة مورطين في الفساد، وأنه خلق حزاما جديدا من المستفيدين من السلطة.

وأعلن الغنوشي خلال حملة انتخابية له كمرشح لدخول البرلمان “نحن متجهون إلى التركيز على الملفات الأساسية” من بينها “القضاء على الفساد الذي لا يزال مستفحلا”. وتابع أنّ لا استعداد (لدى النهضة) للتحالف “في المرحلة المقبلة مع أي حزب تحوم حوله شبهات فساد”.

لكن هل يقدر الغنوشي فعلا على خداع جمهور الغاضبين الذين يتهمون النهضة بخيانة الثورة، هل يستعيد ثقتهم، وهل هو قادر فعلا على الانقلاب على التفاهمات القديمة التي كان أبرزها لقاء باريس في صيف 2013 مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، والتي أسست لمقبولية ما بين النهضة والدولة العميقة في تبادل محدود للاعتراف.

قيس سعيّد قشة النجاة

المراهنة على قيس سعيد
المراهنة على قيس سعيد

كان واضحا لدى المتابعين أن استدارة الغنوشي بعد نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية هدفها الالتفاف على الحقائق التي أفرزتها، وهي أن النهضة فقدت عمقها الشعبي الذي كانت توظفه ورقة في مفاوضات خارجية وداخلية للاعتراف بها، وأنها تخلّت عن الشباب الثوري لفائدة شخصية مغمورة مثل قيس سعيّد، فيما ذهبت أصوات الأحياء الشعبية الفقيرة والمناطق الداخلية المهمّشة لفائدة نبيل القروي.

وكانت أرقام الانتخابات قد كشفت أن الحركة، كما بقية الأحزاب التي حكمت في 2014 وما قبلها، قد فقدت نفوذها في أغلب مناطق البلاد بما في ذلك المعروفة بولائها شبه التام للنهضة، وأن سعيّد والقروي حصلا على المراتب الأولى في معظم المحافظات (الولايات) عدا بعض الاستثناءات التي ذهبت للصافي سعيد (قفصة) ولطفي المرايحي (القصرين) وعبدالفتاح مورو (مدنين) وسيف الدين مخلوف (تطاوين).

ويعتقد المراقبون أن إعلان النهضة وبشكل واضح دعم قيس سعيّد في الدور الثاني هدفه مغازلة الشباب الثوري الذي كان حاسما في نسب التصويت، على أمل أن يدعم هذا الشباب النهضة في الانتخابات التشريعية مع تراجع شعبيتها. وتقود قوائم النهضة حملاتها الانتخابية في التشريعية تحت شعار النهضة حزام برلماني قوي لسعيّد، وهزيمتها ستعني استحالة لعب دوره كرئيس للجمهورية وتنفيذ وعوده.

وتعتقد قيادات النهضة أن التأثير على جمهور سعيّد ممكن باللعب على شعارات الثورة، والإيحاء بالعودة إلى هويتها الأولى في 2011، والتخويف من صعود برلمان محسوب على المنظومة القديمة، خاصة أن نتائج الاستطلاعات تدعم تلك المخاوف، وتقول إن الأحزاب المتفرّعة عن نداء تونس قد تنجح في الحصول على أغلبية مريحة وتشكّل حكومة دون حركة النهضة.

بالمقابل، فإن تأثير الحملات الانتخابية الجديدة على جمهور نبيل القروي سيكون محدودا، لأن هذا الجمهور ينحاز إلى ما حصل عليه من اهتمام ودعم مباشريْن من القروي وجمعيته الخيرية “خليل تونس”، في مقابل تدخل محدود وشبه منعدم للحكومات المتعاقبة منذ 2012 والتي كانت النهضة عنصرا رئيسيا فيها.

كما أنّ الانحياز لسعيّد هدفه منع أنصاره من التصويت للقوائم المستقلة، وخاصة تحالف الكرامة الذي يضم عناصر كانت قريبة من الحركة وباتوا الآن يهاجمونها ويستقطبون أنصارها، ويمثّلون تحديا جديا لها سواء ما تعلق بتقليص حظوظها في البرلمان أو التشجيع على انسحابات واستقالات جديدة، خاصة إذا تحالف الكرامة بأكثر من عشرة مقاعد في البرلمان مثلما تتوقّع ذلك بعض استطلاعات الرأي.

تنظر النهضة إلى قيس سعيّد كقشة نجاة ظرفية لاستثمار شعبيته المفاجئة، لكنّ الحديث عن تحالف مستقبلي معه سيبدو أمرا مبالغا فيه، وقد ينتهي إلى تكرار تجربة تحالفها مع المنصف المرزوقي الذي انتهى إلى قطيعة.

استعادة الماضي

خسارة الانتخابات التشريعية فرضية مطروحة بقوة
خسارة الانتخابات التشريعية فرضية مطروحة بقوة

بعد أن حاصرتها الأزمة وضيّقت عليها الخناق، عادت النهضة إلى الأفكار القديمة لتقدّمها لجمهورها الانتخابي الغاضب على أمل أن تستعيده في صفها. من هذه الأفكار العودة إلى صندوق الزكاة لحلّ أزمة الفقر، وإحياء نظام الأوقاف والحبس التي تتيح للمؤسسات الدينية أن تتحرك باستقلالية تامة عن الدولة.

وأكد الغنوشي أن بعث “مؤسسة وطنية للزكاة” سيكون سبيلا لمقاومة الفقر، وسدّ الإخلالات الموجودة في البنية الاجتماعية وفق تعبيره. وأوضح أنّه من الضروري ”تفعيل هذه الآلية الموجودة في ثقافتنا وتمارس عمليّا، ولكن ليس بشكل منظّم ويجب تنظيمها عن طريق هيئة منتخبة من البرلمان توكل إليها مكافحة الفقر، وإيجاد توازنات بين الجهات وتقديم قروض للطلبة وأخرى للتشغيل”.

ولا شك أنّ الهدف من العودة إلى الماضي هو الاحتماء من الضغوط، والإيحاء بأن الحركة تمتلك الحلول السحرية للأزمات، وأنها تستمد أفكارها من الشريعة ومن هويتها الأولى، وهو ما يعني تبرئة ذاتها أمام الجمهور التقليدي لها الذي بات يتهمها بالتخلّي عن الثوابت، وبأنها تركت الدين وراء ظهرها في امتحان السلطة.

ورغم أن هذه الحلول طوباوية، وسطحية في فهم الأزمات، فإنها تكشف أن النهضة لا تتغيّر في جوهرها، وأن مجرّد إحساسها بالخطر يُعيدها إلى القمقم الأول الذي خرجت منه، أي الإسلام السياسي الذي يقارب الأزمة بشكل مغترب عن الواقع.

إن الهروب إلى الماضي، واستعادة حلوله ورؤيته للقضايا مع أول ضغط، يطيح بالأفكار الإصلاحية التي طرحتها حركة النهضة في السنوات الأخيرة، خاصة ما تعلّق بهوية الحركة كتيار مدني يلتزم بالدستور، فضلا عن صعوبة تصنيف تنازلاتها مستقبلا إذا كان الغنوشي يمحو في تصريح واحد ثماني سنوات من الأفكار و”الاجتهادات” التي توهمك بأن الإسلاميين يمكن أن يتحوّلوا إلى تيار سياسي يحتكم للديمقراطية.

وهكذا، فإنّ الغنوشي الذي باتت ترعبه استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات وإمكانية خسارة رهانه على السلطة، أعاد النهضة إلى نقطة الصفر، أي إلى مرحلة الشك في قدرتها على تحمّل الديمقراطية ليس كسلّم للهيمنة على السلطة واختراقها، ولكن القبول بموقع المعارضة إذا اختار الشعب غيرها للحكم.

7