صافي ناز كاظم

صافي ناز، مثل يحيى حقي، تستعصي على التصنيف ضمن جيل أدبي، وكتاباتها نصوص تحمل بصمة خاصة، تجافي الغلظة والافتعال.
السبت 2019/09/21
رحلة صافي ناز كاظم تناهز ستين عاما من الوفاء لفن الكتابة

أول ما سمعته من الكاتبة صافي ناز كاظم، وأنا أدخل بيتها في حيّ العباسية، أنها لا تصافح الرجال، وقد اعتدتُ ألا أبادر سيدة بالمصافحة. وأول تنبيه أن اسمها ليس كلمة واحدة: أغضب من كتابة اسمي «صافيناز»، والصحيح «صافي» لوحدها، و«ناز» لوحدها.

كنت أقيم في غرفة على السطح، على مرمى حجر من بيتها. وفي ذلك اليوم، الجمعة 1 فبراير 1991، سألتني: تشرب نسكافيه؟ ولم أكن أعرف «النسكافيه»، ومن الحرج أومأت برأسي موافقا. ولم أقل لها إن القارئ لا يخطئ أسلوبها، في النقد المسرحي وغيره. وقد أعجبني كتابها «الخديعة الناصرية» 1984، في مرحلة تعزيز كراهيتي لعبدالناصر، انطلاقا من فكر إخواني يراه رأس الكفر في القرن العشرين. واحتاج شفائي من ذلك المرض أن أتجاوز سن الخامسة والعشرين، وأنزع السم الإخواني؛ لأرى بعقلي جمالا آخر.

 أهدتني مؤلفاتها ومنها «يوميات بغداد 1975ـ1980» 1984، وتقول فيه «كنت أسير في بغداد أكاد أشم الدم وأحس مذاقه حقيقة في حلقي».

 صافي ناز، مثل يحيى حقي، تستعصي على التصنيف ضمن جيل أدبي، وكتاباتها نصوص تحمل بصمة خاصة، تجافي الغلظة والافتعال، وتتسم بخفة الظل والحيوية وتدفق روح الطفولة، وترسم مشهدا طازجا بكلمات قليلة، أيا كان «محتوى» الكتابة. هي ناقدة كبيرة خارج حسابات المسرحين الرسميين. سألتني في اللقاء الأول متى ولدت؟ وقالت: ياه، سنة رجوعي من أميركا (1966). ونبّهتُ فاروق عبدالقادر إلى بيتر بروك. وفي عام 1988 بدأ «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، وعوملت بما لا يليق، فانصرفت عنه وعنهم. وفي عام 2016 كان أول مهرجان في العالم يتغير اسمه لتغيير رئيسه، ليصبح «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر»، وكأن «التجريب» أصالة لا معاصرة. ولو أحسن المهرجان، المقام حاليا، لتشرّف بتكريمها، في حدث عنوانه «دورة صافي ناز كاظم».

 أقرأ تعريف «الكاتبة الإسلامية» لصافي ناز كاظم، فأندهش وأتذكر قصة لأناتول فرانس عن بهلوان دخل الدير، ورأى الرهبان يتفرغون للصلاة، ويبتهلون إلى السيدة العذراء، ولم يجد أكثر بلاغة من مهاراته فاستعرضها أمام أيقونتها. واتهمه الرهبان بتدنيس الدير، وعدم توقير المقام المقدس، ففوجئوا بخروجها من الأيقونة تمسح عرقه، وتحميه من غضبهم؛ لصدقه في محاولة إسعاد روحها.

رحلة صافي ناز كاظم تناهز ستين عاما من الوفاء لفن الكتابة، تسميها «تلابيب الكتابة».

24