صالح بكري فلسطيني يقاوم الاندثار بالكلمات والصور

ممثل يعيش داخل شخصياته بين الحواجز.
السبت 2021/08/14
فنان مقاوم عبر الكلمة والصورة سواء في السينما أو المسرح

لمع اسم الفنان الفلسطيني صالح بكري في وقت مبكر من حياته المهنية، وجوده في فلسطين جعل منه فنانا مقاوما عبر الكلمة والصورة سواء في السينما أو المسرح، كما أتاح له الفرصة الكبرى للمشاركة في معظم الأفلام السينمائية الفلسطينية التي صوّرت في الداخل وعن الداخل.

ولد بكري في مدينة يافا وهو الابن الأكبر للفنان الفلسطيني المعروف محمد البكري، ورغم أنه كان قد سجل حضورا لافتا كممثل في المسرح من خلال مشاركته في بعض العروض المسرحية، مثل مسرحية "يوم من زماننا" للكاتب السوري سعدالله ونوس، ومسرحية "العذراء والموت" للكاتب التشيلي أرييل دورفمان، ومسرحية "جنون" للمسرحية والكاتبة جليلة بكار، إلا أن انتشاره عربيا لم يتحقق إلا عبر حضوره السينمائي الذي جعل منه نجما متوهجا وصاحب قضية.

شارك في العديد من الأفلام السينمائية، سواء تلك التي دارت حول فلسطين وصوّرت من داخلها، أو في بعض من الأفلام التي صوّرت خارج ذلك الإطار، فحقّق حضورا قويا في السينما الإيطالية مع المخرج فابيو كراسادونيا في فيلم "سالفوا" 2013، حين لعب دور رجل المافيا الإيطالي، كما شارك مع المخرج الإماراتي مجيد الأنصاري في فيلمه "زنزانة" في العام 2015. إلا أن حضوره في السينما الفلسطينية وخاصة في الأفلام التي تطرقت لقضايا حساسة ويومية يعيشها فلسطينيو الداخل الذي هو واحد منهم، كان الأكثر انتشارا، ليس فقط لأن أعماله وصلت إلى العالمية وشاركت في مهرجانات دولية وحصدت جوائز، بل لأنها أيضا استطاعت أن تنقل الداخل الفلسطيني إلى الخارج بشفافية وحساسية مطلقة تقارب في بعض منها الأفلام التسجيلية.

الملح والبحر

[ حضور داود كبير في السينما الإيطالية، منذ أن لعب مع المخرج فابيو كراسادونيا في فيلم ”سالفوا“، دور رجل المافيا، وكذلك في السينما الإماراتية، حين شارك مع المخرج الإماراتي مجيد الأنصاري في فيلمه ”زنزانة“.
حضور داود كبير في السينما الإيطالية، منذ أن لعب مع المخرج فابيو كراسادونيا في فيلم ”سالفوا“، دور رجل المافيا، وكذلك في السينما الإماراتية، حين شارك مع المخرج الإماراتي مجيد الأنصاري في فيلمه ”زنزانة“.

ثبّت بكري قدمه كممثل بداية مع المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، حين لعب دور عماد في فيلم "ملح هذا البحر"، وهو الفيلم الذي شارك في عدة مهرجانات سينمائية عربية من ضمنها مهرجان القاهرة السينمائي، فلفت الأنظار ليس فقط للمخرجة القادمة بقوه إلى عالم السينما بل لبطلها كذلك. صحيح أن قصة الفيلم كان تدور حول شابة أميركية من أصل فلسطيني تحاول تحقيق حلم العودة ولو بزيارة خاطفة لفلسطين، إلا أن وجود عماد وهو شاب فلسطيني مازال يعيش بالداخل ويحلم ليس فقط بمغادرتها بل على الأقل برؤية البحر شكل رديفا موازيا للبطلة، يقول عماد وهو ينظر إلى البحر في حيفا "أنا لم أزر البحر منذ 17 عاما لأن الاحتلال يمنعني من مغادرة حيفا، لا يعطيني تصريحا لمغادرة رام الله، ولكني قريبا سأغادر إلى كندا للدراسة هناك لن يكون جندي في حياتي"، بينما بالمقابل هذه الشابة الآتية من نيويورك وتحمل جواز السفر الأميركي كان كل همّها أن تبقى في فلسطين وألاّ تغادرها.

حاولت المخرجة عبر الفيلم سبر كل ثنايا الحياة في الداخل ولتفعل ذلك قامت بتصوير الفيلم بطريقة الديكودراما واستفادت بطبيعة الحال من بكري الممثل، والمثقف الذي يستوعب ويهضم الواقع الحقيقي الذي يعيشه وعلى احتكاك يومي معه ليعيد تجسيده بكل صدق وعفوية.

مشاركات بكري المسرحية كانت في بعض العروض مثل مسرحية "يوم من زماننا" لسعدالله ونوس، ومسرحية "العذراء والموت" للتشيلي أرييل دورفمان، ومسرحية "جنون" لجليلة بكار، إلا أن انتشاره عربيا لم يتحقق إلا عبر حضوره السينمائي الذي جعل منه نجما

كما شارك بكري مع والده في فيلم "عيد ميلاد ليلى" الذي أخرجه رشيد مشهراوي. ثم عاد للمشاركة مع المخرج إيليا سليمان في فيلمه "الزمن المتبقي" والذي يعتبر واحدا من أهم أعمال المخرج وجزءا من سيرته الذاتية، عالج فيه قضية الاحتلال عبر مراحل زمنية متعددة من خلال العائلة التي فقدت رب أسرتها "الأب" منذ لحظة اعتقاله، وتعتبر أحداث الفيلم قديمة مستمرة ومتجددة، وخير مثال على ذلك ما حصل مؤخرا في فلسطين "حي الشيخ جراح" من اعتقالات تعسفية للآباء تحت نظر الأبناء لدرجة يكاد يتطابق البعض من تفاصيل الفيلم معها.

أما بالنسبة إلى الأفلام القصيرة فلقد شارك بكري في فيلمين هامين أحدهما في العام 2014 بعنوان "زرافة" من إخراج راني مصالحة وهو فيلم يحكي عن يوميات الاحتلال بقلقيلية، وتدور أحداثه حول طفل يعشق الزرافات ويكرّس وقته للعناية بها، وحين تتعرض قلقيلية للقصف يقتل ذكر الزرافة لتدخل أنثاه حالة من الكآبة وتتعرض لخطر الموت، لكن سلطات الاحتلال تعتقل الأب ليبقى الطفل وحيدا في مهمة الاهتمام بالزرافة.

يقول مصالحة إن الفيلم مبني على قصة حقيقية حصلت في العام 2012 حين انتحرت زرافة في حديقة حيوانات في قلقيلية، أما باقي الأحداث فهي من وحي الخيال، ويقوم الفيلم كما يشير المخرج على مفارقة مفادها أن الزرافة المقتولة تحت القصف الإسرائيلي قد تم تعويضها بأخرى من حديقة إسرائيلية عبر تعاطف البيطري الإسرائيلي وليس السلطات.

آفاق السينما العالمية

المأساة الفلسطينية يرى بكري أنها تنطوي على الكثير من أوجه المعاناة وكل شخص يراها من موقعه، فمعاناة الفلسطيني في غزة تختلف عن معاناة من يعيشون في الضفة أو القدس أو في الداخل أو الشتات.
المأساة الفلسطينية يرى بكري أنها تنطوي على الكثير من أوجه المعاناة وكل شخص يراها من موقعه، فمعاناة الفلسطيني في غزة تختلف عن معاناة من يعيشون في الضفة أو القدس أو في الداخل أو الشتات.

مؤخرا شارك بكري في فيلم "الهدية" وهو فيلم روائي قصير من إخراج فرح النابلسي وهو الفيلم الذي رشح لجائزة الأوسكار، وكان قد حصل على جائزة أفضل فيلم روائي قصير التي تقدمها الأكاديمية البريطانية لعلوم السينما والتلفزيون "بافتا" في نسختها الـ74، وجائزة الجمهور في مهرجان كليرمونت – فيراند الدولي للأفلام القصيرة، وجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان كليفلاند السينمائي الدولي، وتدور أحداث الفيلم الذي يحمل عنوانا إنجليزيا "ذا بريزنت" ويمكن ترجمته بـ"الهدية" والحاضر" حول زوج يعيش في الضفة الغربية ويريد أن يشتري ثلاجة كهدية لزوجته في عيد زواجهما، فترافقه ابنته الوحيدة الصغيرة في تلك الرحلة التي لا تخلو من نقاط تفتيش وحواجز، لتتحول تلك الرحلة البسيطة الميسّرة إلى همّ وكابوس وعبث، إلى أن تحل تلك الطفلة المعضلة العبثية فتتجاوز الحاجز لتخرج وسط صمت عام، والفيلم أيضا وبحسب المخرجة يعتبر جزءا من قصة حقيقية لرجل فلسطيني يعيش على بعد كيلومترات من حاجز الاحتلال ويتعرض يوميا لذلك الموقف.

يقول بكري "ربما يلفت النظر موضوع الحاجز الذي يلعب دورا مركزيا في تلك الأفلام، لكن الحاجز حقيقة لا يعتبر إلا وجها واحدا من أوجه الاحتلال البشع والمتعدد والكثير، فمنذ سبعين عاما والاحتلال يتفنن معنا وأصبح اختصاصه تسويد حياتنا ومنعنا من أبسط حقوقنا التي قد لا تتجاوز رغبتنا في أن نعيش حياة طبيعية وسط بلادنا". ويضيف "المأساة الفلسطينية لديها الكثير من أوجه المعاناة وأشكالها وكل شخص يراها من موقعه، فمعاناة الفلسطيني في غزة تختلف عن معاناة من يعيشون في الضفة أو القدس أو من يعيشون في الداخل أو الشتات أو مخيمات اللجوء في العالم العربي، والحديث عن كل تلك المعاناة يطول ولا ينتهي".

بكري لا يستطيع حين يقدم أياً من عروضه المسرحية أن يجوب بها فلسطين، فالعرض المسرحي الذي يقدمه في حيفا لا يمكن لسكان غزة مشاهدته، مما يعني أن الجمهور الحقيقي لتلك العروض غائب

وعن نفسه يقول "أما بالنسبة إليّ شخصيا فكوني أعيش في الداخل الفلسطيني ضمن مدينة حيفا وهي مدينة قد دمرت تقريبا بالكامل وأغلب سكانها تم تهجيرهم وما يقارب 400 أو 500 قرية ومدينة مسحت بالكامل من على الأرض، لدرجة أن المدينة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني لم تعد موجودة تقريبا بسبب هذا التدمير الممنهج، فإنني أحاول مع ما تبقى من الشعب الموجود هنا على خلق حاله مدنية فلسطينية ثقافية مستقلة بمعنى من المعاني وأن نحاول أن نعيش الحلم كنوع من الصمود، ومكمن قوتنا وصمودنا في كوننا مازلنا موجودين حتى الآن هنا، ونتحدث بلغتنا ونحافظ على ثقافتنا ونتواصل مع أبناء شعبنا على الرغم من منع الاحتلال لهذا التواصل عبر إجراءات معقدة يتّبعها يوميا".

لا يستطيع بكري حين يقدم أيّا من عروضه المسرحية أن يجوب فلسطين بها، فالعرض المسرحي الذي يقدمه في حيفا لا يمكن لسكان غزة مشاهدته، مما يعني أن الجمهور الحقيقي لتلك العروض غائب، فأغلبيته إما في الشتات أو داخل المخيمات أو مقفل عليه تماما كما يحصل في غزة أو الضفة التي يحتاج عبورها على سبيل المثال إلى تصريح، ويقول البكري "هذه الأمور لوحدها كافية لجعل عملي محدودا"، مستطردا "ولكن رغم ذلك أحاول أن أتواصل مع أبناء شعبي وأن أعمل في الفن الذي يمكن للجميع أن يراه، وأن أتواصل من خلاله مع ابن المخيم وابن غزة وابن الشتات وهذا ما يستطيع الفيلم القيام به، والحمد لله الفيلمان 'ملح هذا البحر' و'الهدية' وصلا إلى الأوسكار، ولذلك أعتقد أن الفن والثقافة نوع من أنواع المقاومة لكل أشكال الظلم في العالم، وهذا خطي وهذه رسالتي التي سأحملها حتى آخر نفس فيّ".

ورغم المعاناة التي يعيشها صالح بكري كمواطن فلسطيني يعيش في فلسطين وعلى احتكاك مباشر مع الاحتلال، ويعيد تجسيد تلك المعاناة دراميا مما يعني مضاعفة الجرعة عليه إنسانيا ونفسيا، إلا أنه لا يفكر أبدا في مغادرة فلسطين.

12