صالح علماني: مئة عام من العزلة نقلتني من الطب إلى الترجمة

ارتبط اسم صالح علماني بأدب أميركا اللاتينية، وأدب ماركيز على نحو خاص. ويمكن أن يستعيد أي قارئ اليوم ذكريات ذلك الشاب الذي انقطعت عنه مؤونة أهله الذين بعثوه لدراسة الطب، وأخذ يعمل في أحد موانئ برشلونة ويتسكع في شوارعها، فهل كان يعلم أنه سيصبح المترجم رقم واحد لأدب أميركا اللاتينية إلى اللغة العربية؟
الجمعة 2016/02/19
ماركيز يكتب الرواية وكأنه يكتب الشعر

مسقط - استضاف النادي الثقافي بمسقط مؤخرا المترجم العربي صالح علماني، ليتحدث عن تجربته في الترجمة، ويستعرض أهم محطات حياته فيها خلال حوار مفتوح، حضرته نخبة من الكتاب والمثقفين العمانيين.

كانت رواية “مئة عام من العزلة” التي قرأها طالب الطب صالح علماني، الذي سيصبح لاحقا أحد أهم المترجمين عن الأسبانية في العالم العربي، منعطفا مهمّا في حياته، ترك بسببه دراسة الطب إلى غير رجعة وقرر تجربة الترجمة.

لكن هذه الرواية لم تكن هي التي جعلته يمزق رواية كان قد كتبها، ويقرّر من لحظتها ألا يكون غير مترجم، بل هي رواية “الكولونيل لا يجد من يكاتبه”.

كان ذلك مطلع سبعينات القرن الماضي. اليوم صالح علماني تقارب شهرته في العالم العربي شهرة الذين يترجم لهم ماركيز، يوسا، إيزابيل الليندي، وجوزيه ساراماغو، وإدواردو غاليانو، وخوان رولفو وغيرهم من أدباء أميركا اللاتينية.

لقد ترجم علماني حتى الآن أكثر من مئة كتاب عن أدب أميركا اللاتينية، ومازال المشروع مستمرا. ورغم أن معدل الترجمة تراجع من عشر صفحات كل يوم إلى أربع، إلّا أن الهمّة مازالت مستمرّة، وعلماني مازال يرى أن الطريق أمامه مستمرّ.

وفي الجلسة التي شهدها النادي الثقافي وحاور فيها صالح علماني الحضور قال: إن مسألة المعاجم من الأسبانية إلى العربية والعكس لم تعد هي المشكلـة اليوم، لكـن المشكلة تكمن في اختلاف الكلمات الأسبانية من بلد إلى آخر، فالكثير من الكلمات لها دلالة مختلفة من بلد إلى آخر، وعلى المترجم أن يبحث وراء الدلالة من أجل أن تكون ترجمته دقيقة.

ويضيف: بالنسبة إلى المعاجم لا تشكل عقبة الآن مع وجود غوغل «العظيم»، فهو يعطيك معاني كل كلمة باختلاف البلدان، بل وحتى القرى.

وقدم الكاتب والشاعر عبدالله حبيب مداخلة اتكأت على فكرة التناقض في شخصية صالح علماني، ولكنه عاد وأكد أنه يعني التناقض الإيجابي. فيقول مخاطبا علماني “ذهبت لدراسة الطب فإذا بك تصبح مترجما، محمود درويش يطالب بتأميمك باعتبارك ثروة وطنية”. وبالتواضع نفسه وربما الخجل نفسه، يقول علماني “لم أسمع محمود درويش يقول هذه العبارة، ولكني سمعتها من الكثيرين ينقلونها عنه، رغم أن درويش كان يتحدث معي كثيرا”.

ويتابع: أما انتقالي من دراسة الطب إلى الترجمة فكان سببه الأول أنني لم أستطع الإيفاء بمصاريف دراسة الطب وفق ما كانت تريد أسرتي. لكن تلك المرحلة أفادتني في تعلم اللغة الأسبانية، وعملت في أعمال بسيطة عند الطبقة المسحوقة، ولذلك عرفت خصائص الحياة وتفاصيلها.

وردا على سؤال حول ما إذا كان هو من يحصل على حقوق الترجمة من الروائيين اللاتينيين؟ أكد علماني أنه لم يكن مطالبا بالحصول على تصريح، فهذه مهمة الناشر وليست مهمته هو كما يقول، رغم أنه خاطب البعض من الكتاب ووافقوا على ذلك، لكنه لا يملك أن يشتري حقوق ترجمة أو نشر لأيّ كتاب.

وقال علماني في سياق الحوار أنه درس في كوبا تاريخ أميركا اللاتينية حتى يستطيع فهم السياق الذي يترجم عنه. واعتبر أن ماركيز يمكن أن يوصف بالشاعر، في الوقت الذي يوصف فيه يوسا بالمهندس المعماري، فهو يرى أن ماركيز يكتب الرواية وكأنه يكتب الشعر، فيما يكتب يوسا الرواية وكأنه يبني هندسة معمارية، ولذلك إذا أراد أحد تعلم البناء الروائي فعليه بقراءة يوسا أكثر من ماركيز.

ويتذكر صالح علماني أن ترجمته الأولى كانت لرواية «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» لماركيز، وحققت حضورا قويا في الوسط الثقافي، وكتب عنها الكثيرون واعتبروها إبحارا في مساحة مجهولة بأميركا اللاتينية، ولذلك مزق علماني بعدها نصا روائيا كان قد كتبه وقال “أن أصبح مترجما جيّدا أفضل من أن أكون روائيا فاشلا”. وانطلق في عالم الترجمة.

لا يعتبر صالح علماني أن تقليد العرب لروايات أميركا اللاتينية سيفيد الرواية العربية، فـالـلاتينيون قــرأوا الــروايــات الروسية والفرنسية بشكل خاص وغيرهم من كتاب العالم، وهضموها حتى وصلوا إلى أسلوبهم الحالي وتقنياتهم، ولذلك على العرب أن يسيروا في نفس السياق. ونستطيع معرفة أننا نجحنا عندما يبحث عنا العالم ليترجم أعمالنا، لا حينما نسوّق أنفسنا له. مضيفا أن أعمال نجيب محفوظ ترجمت جميعها إلى الأسبانية بعد فوزه بجائزة نوبل.

15