صالح قوجيل.. ماذا وراء تنصيبه رئيساً لمجلس الأمة الجزائري؟

الجزائر تعيش معادلة "أمة الشباب التي يحكمها الشيوخ"، فالأغلبية التي تمثل 70 في المئة لصالح الشباب تحكمها أقلية من الشيوخ الطاعنين في السن.
الخميس 2021/03/04
الحرس القديم في الجزائر والعشق الأزلي للسلطة

لا يزال صراع الأجيال يُحكم قبضته على انتقال السلطة في الجزائر رغم خطابات التغيير وشعار تسليم المشهد، ولئن أحس البعض من المسؤولين بأن المأمورية قد وصلت إلى نهايتها بعد الخطاب الشهير للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة عام 2012 فإن الأيام الأخيرة أكدت أن الحرس القديم ظل متمسكا بالسلطة، وأبرز دليل على ذلك تنصيب شيخ طاعن في السن في منصب الرجل الثاني بالدولة.

تمت تزكية المسؤول المخضرم صالح قوجيل (91 عاما)، وسط دهشة الشارع الجزائري، على رأس الغرفة الثانية للبرلمان ليكون بذلك الرجل الثاني في الدولة بموجب التسلسل الذي يحدده دستور البلاد في تصنيف وترتيب المناصب العليا في الدولة.

استطاع بوتفليقة خداع قطاع عريض من الجزائريين بمقولته الشهيرة “جيلي طاب جنانو” أي نضجت ثماره، ردا على أصوات تعالت داخل القاعة تدعوه إلى الترشح مجددا لمنصب الرئاسة، وساد آنذاك الاعتقاد بأن الجزائر ستشهد انتقالا طبيعيا بين الأجيال، غير أن التطورات التي أعقبت خطاب بوتفليقة كرست تمسك الحرس القديم بمناصب المسؤولية، رغم التقدّم في السن، وجسدت إحدى العقد النفسية والسوسيولوجية التي يتوجب إخضاعها للتحليل العلمي.

ولد قوجيل في 14 يناير عام 1931 بولاية باتنة، وهو من قدامى المناضلين خلال الثورة الجزائرية وقيادي في حزب جبهة التحرير الوطني. وانتخب في يونيو عام 1962 عضوا باللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، وبعدها بات منسقا عاما للجبهة. ثم عيّن محافظا للجبهة في عنابة وسطيف حتى العام 1978. وكلّف بمنصب وزير النقل والصيد البحري من أواخر السبعينات حتى أواسط الثمانينات. ثم غاب ليعود في العام 2007 نائبا في المجلس الشعبي الوطني.

بذلك تبقى الجزائر بلدا يعيش مفارقة عجيبة، فهي “أمة الشباب التي يحكمها الشيوخ”، فالأغلبية التي تمثل 70 في المئة لصالح الشباب تحكمها أقلية من الشيوخ الطاعنين في السن. ولا يمثل خطاب التشبيب إلا لغة أنهكت كاهل طاقات لم تجد غير ركوب عباب البحر على ظهر قوارب مهترئة، هروبا من وطن لم يحتضنها بعطف وحنان.

الخوف من الشباب

قوجيل وسط كل الفوضى الحاصلة في البلاد وترتيبات الكواليس الجارية يرى أن الديمقراطية ستتعمق أكثر فأكثر، وهي حسب قوله "رسالة إلى الداخل والخارج"
قوجيل وسط كل الفوضى الحاصلة في البلاد وترتيبات الكواليس الجارية يرى أن الديمقراطية ستتعمق أكثر فأكثر، وهي حسب قوله "رسالة إلى الداخل والخارج"

حكاية المناصب العليا في الدولة مع المسنين ليست وليدة اليوم، فهي مكرسة في تقاليد السلطة الجزائرية بشقها المدني والعسكري، وكان الأمر مثيرا للاستغراب أحيانا وللشفقة أحيانا أخرى، كما كان الشأن مع مدير سابق للحماية المدنية، العقيد مصطفى لهبيري الذي تجاوز الثمانين على رأس الجهاز.

ويعكس توصيف مجلس الأمة بـ”دار العجزة” الأزمة العمرية لدى كبار نواب الشعب ومسؤولي الدولة، وتداعياتها على المشهد السياسي في البلاد، وأزمة الثقة المستشرية بين الأجيال في الجزائر؛ ففيما يتهم الشباب حكامهم الشيوخ بـ”الانفراد بالسلطة وإدارة الشأن العام بذهنيات بالية” يبدو أن الشيوخ غير مرتاحين للشباب المتهورين وغير مستعدين للمغامرة بمصير البلاد وتركها في أيدي هؤلاء.

ويتذكر الشارع الجزائري مسؤولين سابقين تناوبوا على هرم البرلمان والدولة، بداية من رئيس الغرفة الأولى الراحل سعيد بوحجة، المنقلب عليه في 2014، والرئيس السابق أيضا لمجلس الأمة عبدالقادر بن صالح (81 عاما) قبل أن ينسحب بسبب المرض، وقبلهما كل من محمد شريف مساعدية (80 عاما) وبشير بومعزة (76 عاما).

قوجيل الذي يتبوأ بهذه التزكية منصبا حساسا في الدولة، وسيكون رئيسا للجزائريين إذا حدث غياب قسري للرئيس المنتخب بموجب الدستور، يواجه متاعب كبيرة في القراءة والكتابة، وتذهب معلومات غير مؤكدة إلى أنه مصاب بمرض الزهايمر

قدوم قوجيل الرئيس الجديد للغرفة كان بإيعاز من قائد الجيش السابق الجنرال الراحل أحمد قايد صالح ليكون خليفة لبن صالح الذي استدعي لمهمة رئيس الدولة المؤقت في 2019، وما أعقب ذلك من مسار سياسي وصف بـ”الأعرج”، ساد الاعتقاد بأن السلطة التي تزعم التغيير لا يمكن أن تغامر برجل في عمر فاق التسعين ليكون في منصب الرجل الثاني في الدولة.

إلا أن الحاصل بعد تزكيته على رأس الهيئة هو أن بقاء قوجيل في واجهة المشهد السياسي بالبلاد قد شكل تعرية لحقيقة السلطة الجديدة ورفع اللبس عن خطاب التغيير السياسي وفتح المجال أمام قوة الشباب لاستلام المشعل، وأن شعار التشبيب الذي تضمنه الدستور وقانون الانتخابات الجديدين لا يعدو أن يكون مجرد ذر للرماد في العيون.

ارتياح تبون

الرئيس عبد المجيد تبون يبدي ارتياحا لما آل اليه أمر الغرفة التشريعية، مشدّداً في تصريح له أنه "ليس من صلاحيته أو سلطته التدخل لتوجيه الانتخاب لهذا الطرف أو ذاك"
الرئيس عبد المجيد تبون يبدي ارتياحا لما آل اليه أمر الغرفة التشريعية، مشدّداً في تصريح له أنه "ليس من صلاحيته أو سلطته التدخل لتوجيه الانتخاب لهذا الطرف أو ذاك"

أحد المنافسين لقوجيل على منصب رئيس الهيئة التشريعية اضطر إلى الانسحاب من السباق بعدما علم بوقوف السلطة وراء قوجيل وتيقّن من عدم وجود أي حظ له أمامه، بحسب ما صرح به لمقربيه، ليتحول الانتخاب على المنصب إلى تزكية استحوذ فيها على كل الأصوات، 126 صوتا من مجموع 148، ولم يتمرد عليه إلا صوت واحد فقط.

لم يبد الرئيس عبدالمجيد تبون أي انزعاج من الأمر حين سئل في آخر تصريح له عن المسألة، وأظهر ارتياحا لما آل إليه أمر الغرفة التشريعية، ربما لأنه يبدو أنه “شاب” في الـ76 مقارنة برئيس مجلس الأمة، وشدد في تصريحه على أنه “ليس من صلاحيته أو سلطته التدخل لتوجيه الانتخاب لهذا الطرف أو ذاك”.

قوجيل الذي يتبوأ بهذه التزكية منصبا حساسا في الدولة، وسيكون رئيسا للجزائريين إذا حدث غياب قسري للرئيس المنتخب بموجب الدستور، يواجه متاعب كبيرة في القراءة والكتابة، وتذهب معلومات غير مؤكدة إلى أنه مصاب بمرض الزهايمر.

وتبقى الحاجة ملحة إلى تحليل هذه العلاقة الحميمية بين جيل الحرس القديم والسلطة تحليلا علميا لكشف الأسباب الحقيقية التي تقبع خلف قبول الرجل بهذا المنصب في هذا العمر وهو في هذا الوضع الصحي الحرج، فلسانه لا يردّد إلا بعض المفردات والجمل المتداولة بقوة في خطاب السلطة، كـ”العصابة” و”المؤامرة”.

قانون الانتخابات الجديد في البلاد يوجب حضور لوائح الترشيح بثلث من الشباب الأقل من 35 عاما، ولكن حين يتعلق الأمر بالمناصب الحساسة يكون للسلطة رأي آخر

ولا يستبعد مراقبون في الجزائر أن يكون تثبيت الرجل في أحد مفاصل الدولة جزءا من سيناريو مطروح لمسار هرم السلطة بالبلاد، في حال استحالة استمرار تبون في قصر المرادية تحت أي ظرف من الظروف، ليكون خليفة مؤقتا يطمئن على خلوه من أي طموح ما دام أقرب الأشياء إليه هو قابض الأرواح فقط، يريح من يديرون اللعبة خلف الستار.

ولأن التواطؤ بين رموز الدولة لا يمكن حجبه مهما حاول أصحابه التظاهر به فقد أكد الرئيس تبون في آخر تصريح أدلى به لوسائل إعلام محلية، عندما سئل عن تنافي تنصيب قوجيل في المنصب الجديد مع الخطاب السياسي السائد، على أن “عدم تدخله لهذا الطرف أو ذاك هو التغيير بذاته”، في تلميح لما كان سائدا خلال حقبة سلفه.

وشدد لمحدثيه على أن “مرور هذا الرجل إلى المنصب المذكور أفضل بكثير من مرور واحد من رجالات المال السياسي، فقوجيل على تقدمه في السن هو شخصية شفافة بأيادٍ بيضاء، يعرفه الرأي العام منذ أن كان شابا في سنوات الاستقلال، ولم تغرِه مناصب المسؤولية التي تولاها بالانغماس في الفساد كما فعل الكثيرون”.

تواطؤ مستتر

قدوم قوجيل يرجع إلى إيعاز من قائد الجيش السابق الجنرال الراحل أحمد قايد صالح ليكون خليفة لبن صالح الذي استدعي لمهمة رئيس الدولة المؤقت في 2019، في مسار سياسي وصف حينها بـ"الأعرج"
قدوم قوجيل يرجع إلى إيعاز من قائد الجيش السابق الجنرال الراحل أحمد قايد صالح ليكون خليفة لبن صالح الذي استدعي لمهمة رئيس الدولة المؤقت في 2019، في مسار سياسي وصف حينها بـ"الأعرج"

غير أن ما بدر من قوجيل في أول تصريح له أكد التوجه العام لدى رموز السلطة للتمسك بمناصب المسؤولية، حين قال “هذه رغبة من طرف رئيس الجمهورية، وأيضا رغبتي، من يوم إنشاء المجلس، تجسيدا لمبدأ الديمقراطية”. وأضاف أن “الديمقراطية ستتعمق أكثر فأكثر، وهي رسالة في الداخل والخارج، لأن هذه المؤسسة لديها أهمية كبيرة، وأننا قريبا سنذهب إلى انتخابات تشريعية ثم سنسير إلى انتخابات محلية وولائية، وأن دور المجلس في هذه المرحلة هو مساندة رئيس الجمهورية، خاصة في هذه المرحلة الخطيرة”.

ورغم المشاكل والصعوبات، يقول قوجيل، تبقى الجزائر “دائما مرفوعة الرأس، والدولة ستبقى دائما واقفة”، لكن الرجل المريض والمسن يبدو أنه لم يكن يسمع الأصوات والأهازيج التي كان يرددها المحتجون المناوئون للسلطة، لدى مرور مسيرتهم بالقرب من مكتبه، في صورة تحمل في إحدى دلالاتها ثورة الأبناء على الآباء.

أول تصريح لقوجيل يؤكد التوجه العام لدى رموز السلطة للتمسك بمناصب المسؤولية، فقد قال "هذه رغبة من طرف رئيس الجمهورية، وأيضا رغبتي، من يوم إنشاء المجلس، تجسيدا لمبدأ الديمقراطية"

ورغم أن قانون الانتخابات الجديد في البلاد يستوجب حضور لوائح الترشيح بثلث من الشباب الأقل من 35 عاما، بينما يشكلون 70 في المئة من عموم المجتمع، إلا أنه لما يتعلق الأمر بالمناصب الحساسة يكون للسلطة رأي آخر.

واذا كان المأثور لدى العرب مقولة “خذوا العلم من المهد إلى اللحد” فإن الحاصل بالجزائر هو “خذوا المسؤولية من المهد إلى اللحد”، أو رحلة بلا فواصل هي “من القصر إلى القبر” لأن أمنية الكثير من رموز السلطة هي الانتهاء مسؤولا والذهاب إلى المثوى الأخير في جنازة رسمية ترتب لها الطقوس والأضواء، بدل الاشتغال على تفريغ رصيد الخبرة والسنوات المتراكمة في ما يفيد الأجيال القادمة. ومن يدري فلعلّ قوجيل سيكون الرئيس القادم للبلاد حسب ترتيبات يجري الإعداد لها في الكواليس كما يتردّد.

12