صالح مسلم المهندس المخاتل وأوجلان سوريا

السبت 2014/07/26
القيادي الكردي تسلم من جيش الأسد مناطق واسعة دون قتال

صالح مسلم، مهندس كيماوي وسجين سياسي، شخصية كردية سورية إشكالية، برز نجمه بشكل كبير بعد انطلاق الثورة السورية حيث تولى قبلها بسنة منصب الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD، أضخم الأحزاب السياسية الكردية في سوريا وأكثرها قوة، ارتبط اسم حزبه بالزعيم الكردي عبدالله أوجلان، فهو ليس إلا فرعا سوريا لحزب العمال الكردستاني PKK الذي يتزعمه أوجلان حتى اليوم من سجنه.


المهندس الكردي


رجل قليل الكلام، على الرغم من إتقانه لأربع لغات، الكردية والتركية والإنكليزية فضلا عن العربية، درس المرحلة الثانوية في حلب، وتابع ثورة الأكراد بقيادة مصطفى البارزاني، وعندما فشلت عام 1975 بحث مع أقرانه في الجامعة في إسطنبول عن الأخطاء وأسباب الفشل والبديل، وفكّر بتأسيس حركة تحرر ثورية تعتمد على البروليتاريا في المجتمع الكردي، لكن مضايقات الأتراك له دفعته لمغادرة تركيا عام 1980 إلى السعودية، حيث عمل وتابع علاقاته السياسية في العراق وسوريا التي عاد إليها وأصبح عضوا في المكتب السياسي في التجمع الوطني الديمقراطي الذي تأسس عام 1998، وبعد فشل التجمع دخل في حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تأسس عام 2003 وأصبح عضوا في اللجنة التنفيذية فيه، وبدأت الأجهزة الأمنية السورية تلاحقه على خلفية نشاطاته السياسية.

اعتقلته السلطات السورية عام 2004 لنحو سنة، وعام 2006 لثلاثة أشهر، وهرب خارج سوريا عام 2009 قبل أن تعتقله القوات الأمنية التي اعتقلت زوجته بدلا عنه لمدة تسعة أشهر، وتم انتخابه رئيسا لحزب الاتحاد الديمقراطي عام 2010، وفي العام نفسه لجأ إلى العراق وأقام في معسكر تابع لـ PKK في جبال كاري، وما أن اندلعت الثورة السورية حتى عاد برفقة نشطاء آخرين ليشارك في الثورة ويصبح أقوى صوت كردي في سوريا، وساهم في تأسيس هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي في دمشق وأصبح نائبا لمنسقها العام.

أنشأ إدارة ذاتية للمناطق الكردية ورفض مبدأ الانفصال، والتنسيق بينه وبين النظام والمخابرات السورية علنا، حيث طارد كل الأصوات المعارضة له في منطقة الجزيرة ومنع دخول سياسيين كرد عبر الحدود


شبهات أم حقائق


للرجل أصدقاء كثر كما له أعداء كثر، من قوميته ومن القوميات الأخرى، ويختلف السوريون حول مدى ولائه للثورة أو للنظام، مواقفه ملتبسة ويمكن تفسيرها بوجهين، وتدّعي المعارضة السورية أن أقواله تناقض الواقع، فهو ينفي مثلا وجود أطفال مقاتلين في قوات (الأشايس) المسلحة التابعة له، فيما تؤكد منظمات دولية وجودهم، وينفي تعاونه مع النظام السوري بينما تحوم شبهات عن سبب انسحاب قوات النظام من المناطق التي سيطر عليها دون قتال، ويؤكد على السلمية فيما كان سبّاقا في تشكيل قوات حماية الشعب الكردي المسلحة (الأشايس) بحجة حماية مناطق تواجد الأكراد، وهي قوات اختلف الأكراد على تقييمها.

لا يتحالف معه أي حزب كردي سوري من الأحزاب الكردية البالغ عددها 11 حزبا، الجميع تقريبا ضدّه، فهو برأيهم لا يريد مشاركتها بل انضمامها له، ويقول إنه حق، لأن حزبه أكبر من الأحزاب الكردية الأحد عشر الأخرى مجتمعة.

شكّ الأكراد أنفسهم بولاءاته، وانتقدوا علاقاته وقرارات حزبه، بصوت منخفض حينا وبصوت عال أحيانا، حتى أن أحد قادة الكتائب الكردية المسلحة المستقلة هدّد بشن حرب على حزبه إن لم يلغ فكرة الإدارة المحلية للمناطق الكردية التي يسيطر عليها.

اتّهمه عرب وأكراد سوريون بأنه وراء اغتيال السياسي الكردي البارز مشعل التمو، كما وجّهت أصابع الاتهام لحزبه بتهديد العديد من السياسيين الأكراد في سوريا، وهو أمر لطالما نفاه، ونفى أن يسير على خطى الـ PKK الذي كان يغتال معارضيه، وقال إن تنظيمه سياسي ولا ذراع عسكري له، كما نفى أن تكون وحدات حماية الشعب الأشايس تابعة له، وقال إنها خليط تشارك فيه كل مكونات المجتمع المحلي في شمال شرق سوريا.

اتهمه الأكراد بأنه رأس حربة لشق الصف الكردي في سوريا، واتّهمه الجيش السوري الحر والمعارضة السياسية بالعمالة والتحالف مع الأسد مستندة إلى أن بندقية حزبه لم تُرفع في وجه قوات الأسد ورُفعت أحيانا في وجه حتى أخوته بالقومية، وطالبوه بأن يوحّد البندقية العربية ـ الكردية في وجه العدو المشترك.

انقلب مسلم على إرث البارزاني الذي تأثر به في شبابه، خاصة بعد أن طالبه حزب بارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بتقاسم السلطة في المناطق الكردية بسوريا مناصفة، وهو ما رفضه بشكل كامل، كما انقلب على الأحزاب الكردية السورية، ثم انقلب على الزعيم الكردي عبدالله أوجلان


مشروع غير متكرث


لا يعير مسلم كثيرا الاهتمام بالخلافات الكردية ـ الكردية البينية، إذ يقول لـ”العرب”: "إن الشعب الكردي الآن كله يُقاوم وهناك قليل جدا ممن يتكلمون كلاما فارغا ويعتقدون أن لهم امتداد داخل الشعب الكردي، وحقيقة الأمر أن لا امتداد لهم ولا نفوذ، فالشعب الكردي اليوم كله موحّد ولا توجد مشكلة في مكوناته”، وأضاف، “بالطبع لا نعترض نحن على تعدد الآراء وتعدد الرؤى السياسية، لكن في هذا الظرف الذي تجري فيه حرب على الوجود الكردي يجب أن يكون هناك تلاحم، ومن لا يوجد لديه قدرة أو قوة للدفاع عن الشعب وليس مستعدا لذلك، يقوم بالبعبعة والكلام”، وتابع، “كل أكراد سوريا متفقون ويقاومون خاصة ضد السلفيين، فالجبهة الآن واحدة، ووحدات الحماية الشعبية لكل الناس وليست تابعة لجهة معينة، بدليل وجود عرب وآشوريين وسريان وأكراد يقاتلون يدا بيد، يدافعون عن وجود المنطقة كلها وعن أنفسهم".

بعيدا عن خلافات المعارضة وانشغالها بالمناصب والولاءات وتشكيل المجالس والائتلافات، كان مسلم يعمل بهدوء، وفجأة أعلن قبل أشهر عن تشكيل الإدارة الذاتية الكردية المؤقتة في سورية، واستكمل بسرعة هيكليتها، ولضرورات الديمقراطية، شارك معه عدد من الأحزاب الصغيرة والعشائر وبعض ممثلي الأقليات في المنطقة، وانتخبوا قبل أيام حاكمين لمقاطعة الجزيرة السورية التي تحمل محافظة الحسكة، أحدهما من العشائر، والثانية سياسية ومعتقلة سياسية كردية، وسيتم الإعلان قريبا عن حكومة تنفيذية لتلك المناطق بعد أن تم تشكيل مجلس تشريعي لها، وتقول المعارضة السورية إنه يمهد للانفصال عن سوريا.

ونفى مسلم لـ “العرب” بشكل “مطلق” وجود نيّة لأكراد سوريا في الانفصال، وقال "ننفي بشكل مطلق وجود أي نيّة لدينا في الانفصال، أخواننا العرب يعرفون هذا الشيء، والإدارة الذاتية التي أقمناها هي مثال لكل سورية، ممكن أن يقتدي الباقون بها، وإن أصر السوريون علينا كي ننفصل فإننا لن ننفصل، ونحن أجبرنا على اتخاذ هذه الخطة لأن البديل كان الفراغ، ونحن لا نريد الفراغ، ولذلك استعجلنا بتنفيذ هذا المشروع".

وأضاف، "في أي حل سياسي للأزمة السورية ستكون الإدارات الذاتية هي الحل لسورية، ويجب أن تُعمم التجربة ليكون هناك حكم ذاتي حسب المكونات وحسب إرادة الشعب، ليستطيع كل سوري التعبير عن إرادته وعن نفسه وحريته، الإدارة الذاتية التي أعلناها هي جزء من سوريا المستقبل".


ضد البارزاني


انقلب مسلم على إرث البارزاني الذي تأثر به في شبابه، خاصة بعد أن طالبه حزب بارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بتقاسم السلطة في المناطق الكردية بسوريا مناصفة، وهو ما رفضه بشكل كامل، كما انقلب على الأحزاب الكردية السورية، ثم انقلب على الزعيم الكردي عبدالله أوجلان الذي دعا من سجنه في تركيا مقاتلي حزبه إلى وقف إطلاق النار ضد الحكومة التركية والانسحاب من تركيا إلى شمال العراق والتزام الكفاح السلمي للشعب الكردي، ووضع الأتراك خطا أحمر على مشاركة حزبه في المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

اتهمه الجيش السوري الحر والمعارضة السياسية بالعمالة والتحالف مع الأسد مستندة إلى أن بندقية حزبه لم ترفع في وجه قوات الأسد ورفعت أحيانا في وجه حتى أخوته بالقومية، وطالبوه بأن يوحد البندقية العربية ـ الكردية في وجه العدو المشترك

وحول إعلان الزعيم الكردي مسعود برزاني نيّته استفتاء الأكراد لتجديد مصيرهم، قال مسلم، "نحن نقرر مصيرنا بالإدارة الذاتية الديمقراطية (روجافا)، وهذا هو تقرير مصيرنا، مصيرنا مع مصير سوريا، وعندما اقترح البارزاني تقرير المصير إنما يعني جنوب كردستان، وهو جزء من الأجزاء الأربعة من كردستان، وهذا لا يعني كل كردستان، وإن تم الاستفتاء هناك فإننا سنحترم إرادتهم، ولكن الأمر يخصهم وحدهم، وفي المقابل نطالبهم بأن يحترموا إرادتنا في سوريا أيضا".


لا حل في سوريا سوى بالسياسة


رغم أن النظام السوري والمعارضة وصلا إلى حالة من اليأس من إمكانية حل الأزمة السورية سياسيا، إلا أن مسلم يرى أن السياسة وحدها ستحسم الصراع، وقال، "في النهاية، ومهما طال الحل العسكري سيكون هناك حل سياسي، على الأقل في مرحلة الاستلام والتسليم، لابد أن يكون هناك حل سياسي، وأينما ذهبت كل الأطراف فليس أمامهم سوى الحل السياسي، ومن يرفض الحل السياسي الآن إنما يريد تفتيت سوريا وإنهائها، لابد أن يكون هناك حل سياسي عاجلا أو آجلا، وأعتقد أن الجميع الآن مقتنع بهذا، وحتى المعارضة التي كانت تراهن على رحيل الأسد بشكل سريع صارت مقتنعة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النظام، وما ينقصنا الآن أن يعمل الجميع بجدّية لإنجاز الحل السياسي المطلوب لا أن تبقى رغبة الجميع على أرض الواقع كسر عنق الآخر، وبكل الأحوال فإن سوريا لن تعود سورية لسابق عهدها تحت حكم ديكتاتوري وأمني وقمعي وغطرسة وحكم الحزب الواحد، وستكون سوريا بلدا ديمقراطيا تعدديا".

رغم أن تصريحاته الإعلامية تبدو منطقية ومرضية في كثير من جوانبها، إلا أن هذا لم يشفع له لدى بقية المكونات الكردية في سوريا ولا لدى المعارضة السورية، فشبح صلاته بالنظام السوري، وممارساته الأحادية الجانب في المناطق الكردية، والسؤال الذي لم يجد جوابا عن تسليم قوات النظام مناطق شاسعة له دون قتال ليحكمها، ورفضه المطلق للمشاركة في ائتلاف المعارضة السورية، كل تلك الملاحظات تخيّم على شخصية الرجل وتحكم علاقته ببقية السوريين، وتعيد السوريين للسؤال المحيّر الأساسي، في أي منطقة بين النظام والمعارضة يقف هذا الرجل؟.

13