صالح هويدي: الحاكم العربي يخشى المثقف لشعوره بأنه يراه عاريا

الأربعاء 2014/03/05
هويدي: الرواية لا يزال أمامها وقت لتبلغ ما بلغته القصة أو الشعر الإماراتي

اليوم، إلى جانب كونه يحاضر في جامعتي الجزيرة والجامعة الأميركية في الشارقة، صالح هويدي هو عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. حيث أسهم في الكتابة عن الأدباء الإماراتيين في موقع وزارة الثقافة ضمن الموسوعة الأدبية. كما أسهم في الكتابة عن الأدباء العراقيين والإماراتيين في مشروع حمدي السكوت وموسوعته القاموس الثقافي الصادر عن دار الشروق.

أزمة ثقافة

يشكل الوضع السائد في مجتمعاتنا العربية بالنسبة للباحث هويدي، أزمة لطالما وقف عندها في أبحاثه ومحاضراته، محاولا أن يدرس الآليات والوقائع، مستخلصا أن الحوار مع الآخر دون إقصاء لرأيه، أكثر ما نحن بحاجة إليه لتحقيق تطوّر حضاري، الشيء الذي لا نفلح فيه كمواطنين عرب نعيش في واقع يجبرنا على نبذ أي اختلاف بالرأي، معللا ذلك بإلقائه الضوء على مجموعة من الأسباب التي فصّلها بقوله: “ثمة سبب ثقافي يتحكم في سوء علاقتنا بالآخر، إلى جانب الإرث السياسي والعامل الاقتصادي.

ونتحمل نحن قسما من المسؤولية، بسبب تخلفنا في التحصّن وراء قناعات وأفكار ومعتقدات لا تصلح أساسا لبناء علاقة إيجابية ولا توفر أرضية منهجية للنظر إلى الآخر نظرة موضوعية. وأساس هذا الموقف هو واقع الانسحاب الحضاري الذي نعيشه نحن العرب والذي أنشأ تراكما من التخلف بلغ أوجه اليوم في هذا التطرف والظلامية وعدم قبول الآخر والتحريض على كراهيته”.

سألنا هويدي عن الآليات المعيشية التي أدّت إلى واقع عربي كارثي في تعامله مع المثقفين من جهة، وفي تعاطيه مع الثقافة بشكل عام من جهة أخرى. وعن كونها تتعلق بطبيعة الشعب العربي ونمط حياته، أم إنها تتكئ على بعض الأنظمة السياسية الحاكمة التي أوصلت المواطن العربي إلى ما هو عليه؟

فأجاب: “يبدو لي أن ثمة جدلا بين الخيارين اللذين تمّ طرحهما كسبب للمعاملة الشاذة وغير الطبيعية التي يتلقاها المثقف من النظام السياسي العربي. فليس النظام السياسي العربي سوى إفراز طبيعي للثقافة السائدة التي أنتجته.

لبنة من باكورة إنتاج الناقد صالح هويدي

من هنا فليس للحاكم العربي الذي لم يعايش المثقف ولم يفهمه أو يحمل حسن نية تجاهه أن يقدره ويحل محله. أضف إلى ذلك أن هذا الحاكم لا يملك شرعيته كحاكم في الأغلب الأعمّ لأنه لم يأت نتيجة لاختيار أفراد الشعب له ومنحه أصواتهم عبر صناديق الاقتراع، بل جاء إما على ظهر دبابة أو بالوراثة والنسب. إن ثمة خوفا من الحاكم العربي من المثقف أو المفكر، لأنه يشعر أنه يحتقره أو يراه في عريه الحقيقي على الأقل. من هنا فهو يلجأ إلى واحد من اثنين: إما بكسبه وتحييده عبر إغرائه وشراء ذمته، أو إقصائه وإذلاله. وقد يصل الأمر إلى الإيذاء والامتهان والتنكيل إذا وجد مشاغبة منه”..


ضريبة الانتماء


توحي العراق، البلد الجميل والحزين، الذي ينتمي إليه الناقد صالح هويدي، بخصوصية تجعل من مثقفيه أكثر هما وتألما مما لو كانوا ينتمون إلى آخر مثل الإمارات على سبيل المثال، وبالتالي أكثر تعلقا وتألما لحال المجتمعات العربية ككل، يؤرقهم الهمّ الثقافي، حيث يرتبط قدرهم بوجود سلطات متعفنة تعتقد أنه من الضروري إهانة المثقف ونشر الجهل لفرض سيطرتها وضمان بقائها.

على هذه الفكرة علّق الدكتور صالح: “نعم لا شك في هذا، فالبلدان التي كان يمكنها أن تستثمر رصيدها الحضاري قد أضحت اليوم دولا على حافة التفسخ السياسي والخراب الاقتصادي والتفتت الاجتماعي للأسف الشديد.

وفي الوقت الذي يعتز المرء فيه أن يجد دولة كالإمارات تنجح عربيا في تقديم نموذج ثقافي واجتماعي مضيء ومتقدم، فإنه يأسف أن الحاكم العربي في بلداننا لا يحرجه هذا النموذج ولا يخجل مما وصل إليه واقعه من خراب، فلا يحس بمسؤوليته من حتى الإفادة والتعلم من النماذج الحية الأخرى. وبدلا من ذلك يمارس استمرارا في انتهاج سياسة التخبط والإذلال والجهالة التي قادته إلى الخراب وهدم بنيات المجتمع أمام شهواته ومصالحه وبقائه حاكما حتى ولو على نفر من عشيرته والمقربين منه”.


الإبداع فوق النقد


من بين أسماء كثيرة في عالم الأدب الحديث ونقده، يبرز اسم الناقد العراقي صالح هويدي، وهو الذي كان له دورٌ بارز في تفعيل الحياة الثقافية في كثير من المؤسسات التي تعنى بالشأن الثقافي في بلداننا العربية. وأغنى مكتبتنا بخمسة عشر كتابا عن الفنون الأدبية وعلاقتها بالواقع المعيش، تمّ نشرها في العراق وليبيا ولبنان والأردن ودولة الإمارات المتحدة، إلى جانب مجموعته الشعرية “في انتظار أوروك”.

تناولنا أثناء النقاش ظاهرة أدبية معاصرة تعرض أمامنا اتجاهات جديدة في الأدب العربي، يصعب تجنيسها، تتراوح بين الشعر الحديث والقصة القصيرة جدا.. وهي اليوم منتشرة على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك.. حيث كان علينا أن نعرف تحليله النقدي بهذا النمط الجديد، وهل يمكن أن نعتبره أدبا؟ وهل علينا أن نقبل بكل ما هو جديد دون الدخول في صراع تجنيسه؟

وبدوره أكّد أن الإبداع يسبق النقد وقواعده، وأن ما قاله النقاد والمنظرون منذ أفلاطون وأرسطو حتى اليوم لا يعدو كونه استمدادا للقواعد من واقع الأدب والفن والإبداع عامة.


الأدب الإماراتي


صالح هويدي عضو باتحاد كتاب وأدباء الإمارات مطّلع على المنجز الأدبي الإماراتي، ومن بين كتبه، كان لهذا الأدب نصيب جيّد من الدراسة والنقد والتحليل لديه، فقد حمل أحدها عنوان “صورة النوخذة في الرواية الإماراتية الحديثة” صادر عن مركز زايد للتراث والتاريخ في مدينة العين عام 2005. كذلك حصل كتابه “جبل السرد العائم” الذي يتطرّق من خلاله إلى الأدب في الإمارات، على تكريم حاكم الشارقة، وفاز بجائزة أفضل كتاب إماراتي في معرض الشارقة للكتاب العام الماضي. ومن موقعه والأكاديمي، يرى أن الأدب الإماراتي استطاع أن يواكب الواقع في كثير من أبعاده، وقال: “ليس منتظرا من الأدب أن يعكس الواقع بطريقة وثائقية أو في شكل مواكبة تاريخية. ويمكن أن يعبر عنه بطرائق رمزية أو فانتازية ومع ذلك فإنه ليس بمستطاع الأدب وكاتبه أن يتجاوز واقعه وهمومه الخاصة تماما”.

وأضاف هويدي: "ربما كان العقد الأخير هو الذي دشن مرحلة تحوّل حقيقية على المستوى الفني في القصة القصيرة وظهور أصوات ذكية نقلت القصة الإماراتية إلى مصاف النماذج القصصية العربية. أما الرواية فلا يزال أمامها وقت لتبلغ ما بلغته القصة أو الشعر الإماراتي”.

15