صالونات التجميل عيادات افتراضية لحل مشاكل النساء

عملية تجميل المرأة في مصر كانت تقوم بها في الماضي سيدة يطلق عليها “الماشطة” تقوم بفرد الشعر وتمشيطه، ومع الاحتلال الإنكليزي والانفتاح على الآخر جاءت فكرة إنشاء صالونات التجميل التي كانت تتردد عليها سيدات الطبقة الثرية.
الأحد 2015/07/05
حالة الاسترخاء التي تتملك المرأة عند تصفيف شعرها تجعلها تخرج مكنونات صدرها

"لدي شعور أن زوجي لم يعد يحبني، بالرغم من مرور عامين فقط على زواجنا، فقد أصبح يتغيب عن المنزل كثيرا، ويتشاجر لأتفه الأسباب، والأغلب أنه يعرف امرأة أخرى". مشكلة جديدة تواجهها سيدة ثلاثينية، وبسبب حيرتها في حل طلاسمها قررت أن تلجأ للمساعدة، لكن المفارقة أنها لم تلتمس المساعدة عند طبيب أو صديقة، إنما اختارت من بين كل من حولها مصفف الشعر الخاص بها لتبوح له بأسرارها وتطلب رأيه في كيفية حلها.

تجاوب ميخائيل، (مصفف شعر وصاحب صالون للتجميل في القاهرة) مع السيدة وغيرها من المترددات عليه، وكشف لـ”العرب” عن نوع جديد من علاقات الثقة تدور داخل تلك الصالونات حولتها أحيانا إلى ما يشبه العيادات النفسية، حيث لا تسلم فيها الزبونة رأسها فقط لمصفف شعرها وإنما تأتمنه على ما في داخل رأسها من مشاكل وأسرار.

مصفف الشعر بدوره تجاوب مع زبونته بإخلاص واضح، فقام بتهدئة روعها، قبل أن يطرح عليها “نيو لوك” لتغيير شكلها، كما طلب منها الاهتمام بغذائها لأنها أصبحت نحيفة أكثر من اللزوم، قبل أن يختتم نصائحه لها بألا تستسلم لفكرة أن زوجها يعرف أخرى، فهي زوجته وبينهما قصة حب، وسوف تتمكن من إعادته إليها، إذا أجادت التصرف، “فمشاعر الرجل كالزرع تحتاج للري من حين لآخر كي لا تذبل وتموت”.

“قد أكون طبيبا نفسيا، لكنني أحب أن اعتبر نفسي أخا أو صديقا وأحيانا مستشارا أسريا لزبوناتي”، هكذا وصف ميخائيل ماهية علاقته بالسيدات المترددات على صالونه، مضيفا لـ”العرب” أنه بشكل عام لا يحب الحديث عن أسرار الزبائن، لكنه تحدث عن مشكلة الزبونة لأنها روت مشكلتها بصوت مرتفع سمعته مراسلة “العرب”، موضحا أن أزمتها تكمن في اعتبار زوجها ملكية خاصة لها، وأنه لا يمكن أن يتغير بعد الزواج، رغم إهمالها لمظهرها.

هبة أدهم إحدى المترددات على الصالون، شرحت لذات المصدر أن الكوافير ليس فقط مكانا لتصفيف الشعر وعمل الباديكير والمانيكير، بل أيضا مكانا للثرثرة والإفصاح عما يجيش بصدرها من هموم ومشاكل، مؤكدة أنها قد لا تبوح بأسرارها الشخصية لصديقاتها، بينما تقوم بذلك مع مصفف شعرها الذي تقضي عنده أربع ساعات أسبوعيا، ولم يستحوذ على ثقتها إلا بعد فترة طويلة من التعامل ارتاحت خلالها إليه نفسيا، وتأكدت أنه “شخص أمين لا يفشي أسرار الأخريات”.

الزواج والغيرة والحسد محاور أحاديث السيدات في صالونات الأحياء الشعبية بينما سيدات الطبقة المخملية يبحن بتفاصيل علاقتهن الخاصة مع أزواجهن

نهر حسين (محاسبة في بنك) لا تتفق مع هبة في الرأي، قالت لـ”العرب” إن الثقة بالنسبة لها أن تترك له التعامل مع شعرها ومظهرها، لكن كشف أسرار حياتها الشخصية، تصرف لا يصدر عن امرأة عاقلة، لأن البيوت لها حرماتها وأسرارها التي لا يجب أن يطلع عليها الغرباء.

هناء شعلان (باحثة اجتماعية)، كانت تعتقد أن الفتيات في سن المراهقة من يقدمن على ذلك، لكنها اكتشفت فيما بعد أن غالبية سيدات الصالونات يعشن فترة مراهقة، واصفة المرأة التي تقدم على ذلك بأنها تعاني من الفراغ العاطفي والصمت الزوجي، لذلك تجد ضالتها المفقودة في خبير التجميل.

الصالونات أنشأت خصيصا للأثرياء، كما يقول وائل (خبير تجميل) الذي فرضت عليه الظروف أن يتعامل مع سيدات أحد الأحياء الفقيرة عندما كان يمتلك صالونا فيه، ثم يتحول للتعامل مع سيدات الطبقة الراقية، بعد أن أكرمه الله وباع صالونه الفقير ليمتلك واحدا في حي راق.

رصد وائل، الفارق بين مشاكل السيدات في الأحياء الراقية والشعبية، فقال: الزواج والطلاق والغيرة والحسد كانت الأحاديث المتبادلة في الحي الشعبي، لكن سيدات الطبقة المخملية أكثر جرأة في الكلام، حتى أنه كان في البداية يشعر بالحرج عندما تشكو له إحدى زبوناته من فتور علاقتها الحميمة بزوجها، وتسأله عن إجابة لأسئلة تدور بعقلها، لكن خجله لم يمنعه من إبداء رأيه‏ وإسداء النصائح، وإظهار حرصه على متابعة التطورات.

الصورة الكبيرة لوائل وزوجته في مدخل الصالون، أثارت تساؤلا أجاب عليه بابتسامة متذكرا الموقف العصيب الذي وقع فيه، بسبب ارتياح السيدات له، فقد كانت زوجته تجلس في الصالون لتصفيف شعرها، عندما بدأت زبونة في قص مشاكلها عليه، وسمعت زوجته ما روته الزبونة عن أدق التفاصيل بينها وزوجها وارتياحها للصالون وله، الأمر الذي أثار غيرتها وأدى إلى شجار كاد ينتهي بالطلاق، ومن يومها يضع تلك الصورة لكي تتعرف زبوناته على زوجته ويكن أكثر حذرا في الكلام أثناء وجودها.

من تختار جمع الشعر كله للخلف في شكل ذيل حصان تملك شخصية قوية لا تريد إخفاء شكلها وراء شعرها

النميمة في صالونات التجميل، ملخص لتجارب وخبرات نسائية من الممكن الاستفادة منها على المدى البعيد، كما قالت لـ”العرب” سماح (مهندسة كمبيوتر)، فدراستها الصعبة أبعدتها عما يدور بالحياة من مشاكل، لكنها وجدت ضالتها في الصالون الذي تتردد عليه، فالأسرار النسائية التي تخرج من الزبونة تحت يدي مصفف الشعر تكسبها أفكارا حياتية تأخرت في الحصول عليها.

جيهان (صاحبة مصنع) وزبونة دائمة لدى صالونات التجميل عاصرت معه مراحل مختلفة، ففي مرحلة ما قبل الزواج كانت تسأل مصفف شعرها عن كيفية اختيار شريك الحياة، وفي فترة الخطوبة كان يعلمها كيف تفك شفرة خطيبها، وبعد الزواج علمها كيف تحافظ على زوجها وجعل منها امرأة متجددة الشكل، أما الآن فهو يسعى لتزويج ابنتها لأحد أبناء زبوناته.

المرايا الملصقة بجوانب الصالون وسقفه هي لاكتشاف شخصية الزبونة كما يوضح ميلاد جرجس (مصفف شعر) الذي حولته سنواته العشر في المهنة إلى خبير بطبيعة شخصيات الزبائن، ويعرف بمجرد النظر إلى أي منهن، ما إذا كانت متحفظة من عدمه، وهل سيكون بينهما صداقة مستقبلية أم أن العلاقة لن تتعدى تصفيف الشعر؟

خبرة ميلاد جعلته يعرف أيضا شخصية الزبونة من تسريحة الشعر التي تطلبها، ويترتب عليه نوع النصيحة التي سيقدمها لها، فمن تختار جمع الشعر كله للخلف في شكل ذيل حصان تملك شخصية قوية لا تريد إخفاء شكلها وراء شعرها، ومن تفضل تصفيف شعرها طوال الوقت يعرف أنها شخصية قائدة لا تابعة، ومحبة للنظام، أما إذا طلبت الزبونة ترك شعرها على طبيعته فهو يتعامل معها كشخصية جريئة، أما من تفضل تسريحة “الكعكة” كما يقول ميلاد فهي امرأة محبة للظهور ولفت الأنظار من خلال إظهار رقبتها.

وأوضحت نادرة أسامة أستاذة الطب النفسي لـ”العرب” أن صالونات التجميل تحولت إلى نواد اجتماعية، ففيها تتعارف السيدات وتتبادل خبراتهن الحياتية، وهذا أحد أنواع العلاج في العيادات النفسية، لما تقدمه من دعم نفسي، إلى جانب المحاولات الجادة التي يبذلها مصفف الشعر أو المحيطين به لحل مشكلات الزبونات أو مؤازرتهن نفسيا، فحالة الاسترخاء التي تتملك المرأة عند تصفيف شعرها تجعلها تخرج مكنونات صدرها الموجودة في اللاشعور، لكنها ليست بديلة عن الجلسات النفسية، إنما تدعمها أو تكملها في بعض الأحيان.

21