صالونات المغرب الثقافية تقام في البيوت لاستذكار الفن وأهله

الصالونات الفنية والثقافية في المغرب كثيرة، وهي امتداد تاريخي وسلوكي لتراث قديم بدأ في الأندلس، ومنها انتقل إلى المغرب ثم انتشر في بقية دول العالم. ومن هذه الصالونات المغربية، صالون الفنون التشكيلية بفاس، صالون الشتاء بمراكش، صالون تطوان للنساء المبدعات، صالون أغادير للفن المعاصر، وصالون زهرة زيراوي بالدار البيضاء وغيرها.
الأربعاء 2015/09/02
الصالونات يتم فيها تبادل الخبرات والاستمتاع بالفنون

الصالونات المغربية في العادة أمكنة تقع ضمن السكن العائلي لفنان أو مفكر يجتمع فيه أصدقاؤه من الفنانين والأدباء والمفكرين، للحوار وللمتعة وتبادل المعارف والسجالات الأدبية والفنية والاستضافة. ولتمضية الوقت مع الفنون وأصحاب المواهب، ومن النشاطات الصالونية، ما قدمه صالون زهرة زيراوي، في أمسيته الفنية الواحدة والثمانين مؤخرا.

وكانت الأمسية مخصصة لاستذكار العراق وأهله، لضيوفه من بعض الأُسر العراقية المقيمة بالدار البيضاء والرباط والتي استضافها الصالون.

وأقام لها أمسية موسيقية وغنائية، استمع فيها الحاضرون لأرقى الأغنيات المشرقية، التراثية، والحديثة. وفي الأمسية الصيفية للصالون حضر العديد من الفنانين التشكيليين المغاربة والعرب، كالفنانة ربيعة الشاهد والفنان بنيونس عميروش والنحات الأميركي الجنسية سليمان بنغال، إضافة إلى عازفة القانون المعروفة سعاد شوقي، وعازف العود محمد شوقي.

الغزالي والملاية

“يقولون ليلى بالعراقِ مريضة/ فَما لك لا تضنى وأنت صديق/ سقى الله مرضى بالعراق فإنني/ على كل مرضى العراق شفيق”.

هكذا ردد الحاضرون كلمات قيس بن الملوح، الملقب بمجنون ليلى، في حب ليلى والعراق، وبدت الكلمات، وكأنما تقول أشياء عما يحدث اليوم في العراق من معاناة العراقيين في محاربة الإرهاب ومصاعب حياتهم في ظل الفساد الإداري، وما يواجهه العراقيون من تحديات لمحو وجودهم الإنساني والحضاري، وما حكي عن آلام من بعدت الشقة بينهم وبين وطنهم العراق، وصار لقاؤهم بالوطن والأحبة عبر كلمات الشعر، وأنغام العود الرقيقة.

ومن شدو أوتار آلة القانون، استمع الحاضرون إلى سعاد شوقي وما بثته على مسامعهم من نغمات حزينة، فصارت الحروف وأنغام الموسيقى كنبال السهام تغور بعيدا في كل مؤلم من البدن، خصوصا لدى من فارقوا أوطانهم وأهاليهم.

الألحان الشجية التي عزفتها الفنانة سعاد شوقي على آلة القانون بعثت الحنين للعراق في صدور الحاضرين

بعثت الألحان الشجية التي عزفتها الفنانة سعاد شوقي على آلة القانون الحنين للعراق في صدور الحاضرين، وأشجاهم عزف وصوت الفنان محمد شوقي على آلة العود، وهو يغني أغنيات ناظم الغزالي القديمة.

وساهم زميله المطرب عزيز الشاهد مردّدا بصوته العذب أغنيات عراقية تراثية لسليمة مراد، وصديقة الملاية وغيرهما.

كان لوقع الأنغام كالارتجالات الموسيقية، والسماعيات واللونغات من آلة القانون في نفوس الحاضرين وقع السحر، والفرقة الشوقية الثنائية أحيت هذه الحفلة بغياب رائدها أستاذ الموسيقى الكلاسيكية العربية أحمد سليمان شوقي، الذي وافاه الأجل في عام 2013 واشتهر بالعديد من الأغنيات، والألحان في الإذاعة المغربية.

من تلك الأغنيات “لا تسلني يا ابن أمي”، ومن الأغنيات الدينية “عدت يا رب”، و”ولد الحبـيب وخده متوردا”، و”أعطاك ربك كوثرا”.

أمسية مؤثرة

أخذ ولده محمد شوقي مكانه في إحياء الحفلات الثقافية والفنية، بمشاركة زوجة الفقيد سعاد شوقي التي تعزف على القانون بمهارة، فهي أستاذة لآلة القانون، وقد درست الترقيم الموسيقي على يد أساتذة من فرنسا، وتعلمت العزف على آلة القانون، على يد الأستاذين المرحوم المكي فريفرة والفنان المعروف بوبكر الطالبي، وتعتبر أول موسيقية مغربية في المغرب.

وردد المطرب محمد شوقي كوكتيلا جميلا من الغناء القديم والحديث في هذه الأمسية الصالونية من التراث الموسيقي العربي الكلاسيكي. قدم الثنائي شوقي معزوفات من الموسيقى العربية التراثية، وقد أطرب الحضور التخت العربي، ومعزوفات كبار الفنانين العرب كمحمد عبدالوهاب، بليغ حمدي، رياض السنباطي، فريد الأطرش، زكريا أحمد والقصبجي.

وكانت الأمسية الموسيقية التراثية مؤثرة في نفوس الحاضرين، وضيوف الصالون من العائلات العراقية، التي حضرت من مدينة الرباط، وأطراف مدينة الدار البيضاء.

وقد أضافت نسمات الرياح الباردة التي كانت تهب على مجلس الصالون، الذي يقع في الطابق الخامس من حي الورود في بوسيجور، من جهة المحيط الأطلسي، ما ذكر بعذوبة الأمسية الصيفية بالرغم من حرارة الطقس في صباح وظهيرة اليوم نفسه.

وتبقى للصالونات الفنية والثقافية في المغرب رسالة إنسانية في نشر الأخوة والمحبة والمتعة، وتقاسم الهموم بين الناس، وصهر الثقافات والمعارف وجعلها في متناول الجميع.

16