صامويل بيكيت بلاغة الصمت وثراء البلاغة

السبت 2014/08/30
بيكيت.. غودو الذي ينتظره الجميع في أنحاء العالم ولا يأتي أبدا

مضى صامويل بيكيت في الصّمت مثلما كان حاله طوال حياته، وهدأت روحه وهو في حالة من الوهن تشبه تلك التي عليها شخصيّاته المحطّمة في مسرحيّاته، وفي رواياته. وعندما فاضت روحه، وكان ذلك في خريف عام 1989، فتح الألمان بوّابة "براندنبورغ"، وأسقطوا الجدار الفاصل بينهم منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، وأطاح الرومانيّون بنظام تشاوسيسكو، ورفعت جماهير براغ إلى كرسيّ السلطة الكاتب المنشق فاتسلاف هافيل الذي كان قد أهداه مسرحيّته "فواجع" عندما كان هذا الأخير في سجون النظام الشيوعي.


في انتظار غودو


وهكذا توارى صاحب "في انتظار غودو" عن الأنظار من دون ضجيج. غير أن تلك ألأحداث الكبيرة التي هزّت العالم عشيّة رحيله ما كانت لتبهره لو كان لا يزال على قيد الحياة. فقد أدرك بيكيت مبكرا، وتحديدا منذ أن ارتبط بعلاقة صداقة وثيقة بالإيرلنـدي الآخر جيمس جويس، أن الإنسانيّة محكـوم عليها بأن تمرّ من شقاء إلى شقاء، ومـن محنة إلى أخـرى. والثابت أن بيكيت وجويس هما من أكثر كتاب القـرن العشرين نفورا من الأيديولوجيات بجميع أصنافها، وأوهامها.

وعندما كان الفنانون الأوربيون يتدافعون بالمناكب للحصول على شهادات اعتراف من الأحزاب الشيوعية كان جويس منشغلا بإنهاء روايته الأخيرة "يقظة فينيغن" التي كان يسميها "كتاب الليل"، أما بيكيت فقد كان يجوب أوروبا بحثا عن معنى لوجوده.

وثمة جانب آخر يجمع بين الإيرلنديين الكبيرين فقد اختار كلّ واحد منهما العيش في المنفى، غير أن الابتعاد عن الوطن لم يكن هروبا، وانما رغبة في إقامة مسافة مع واقع كان يشغلهما طوال الوقت.

وقد كان جيمس جويس يقول: "شعرت منذ البداية أني إذا ما بقيت في إيرلندا، فإني سوف أتعفّن. لذا فضّلت أن أبتعد. فإذا ما تعفّنت، فليكن ذلك بحسب طريقتي الخاصة". أما بيكيت فقد كان يقول: "أنا لا أهرب وإنما أنفي نفسي".


من دبلن بدأت الرحلة


ولد صامويل بيكيت في الثالث عشر من شهر أبريل عام 1906 في "فوكس روك"، وهي الضاحية الجنوبية للعاصمة دبلن. وهو ينتمي إلى عائلة بروستانتينية مرفّهة. وعندما كان صبيّا كان والده ويليام يأخذه صحبة إخوته الآخرين في جولات على المرتفعات المطلة على دبلن.

وفي ما بعد سيصف ذلك قائلا: "هي بالأحرى هضاب، وهي ترتفع بهدوء، زرقاء خارج السهل الملتبس". هناك، في مكان ما، ولد في البيت الجميل من أب ومن أمّ طيبي القلب. هناك في الأعلى الخلنج، والرتم ذو الزهر الذهبي الحار، والذي نسميه أيضا الوزال".

وكان بيكيت متعلقا بوالدته، ومرتبطا بها ارتباطا وثيقا. وفي الآن نفسه كان يشعر تجاهها بنوع من الكراهية. والبعض من الذين كتبوا سيرته، ذكروا أنه -أي بيكيت- قرر الاستقرار في فرنسا، والكتابة بلغتها هروبا منها. وكانت هذه الأم شديدة التقوى. ولبيكيت وإخوته كانت تنشد الأناشيد الدينية أكثر من مرة في الأسبوع.


أول قداس وآخره


كان بيكيت يسير في شوارع باريس فهاجمه شحاذ مستجديا صدقة فرفض إعطاءه فطعنه الشحاذ بسكين وكاد يموت ولكنه نجا وفي التحقيق لم يتهم بيكيت الشحاذ بأي شيء وكان قد سأله عن سبب محاولته تلك فقال الشحاذ: "لا أعرف يا سيدي". هذه الجملة التي استخدمها بيكيت كثيراً في مسرحياته خاصة "في انتظار غودو"

متذكرا ذلك كتب بيكيت يقول: "ليس لديّ شعور دينيّ. فقط ذات مرة غمرني إحساس ديني. وكان ذلك خلال أول قداس حضرته. فقط لا غير. وكانت والدتي شديدة التديّن. أما والدي فلم يكن متديّنا على الإطلاق. وكانت عائلتي بروستانتينية. أما بالنسبة إليّ أنا فلم يكن ذلك غير الضجر والسأم. لذا ابتعدت عنه نهائيا".

ومنذ البداية ،أظهر بيكيت الذي كان تلميذا مجدّا ميلا خاصّا إلى اللغة الفرنسيّة. كما كان يمارس بحماس فيّاض الألعاب الرياضيّة. وعندما التحق بـ”ترينيتي كوليدج”، وهو نفس المعهد الذي درَسَ فيه جويس، ازداد غراما باللغة الفرنسية، وبها قرأ مارسيل بروست وأندريه جيد وفاليري لاربو. كما اطلع بعمق على آثار الكلاسيكيين الكبار من أمثال راسين وموليير ودانتي وشوبنهاور الذي سيتأثر به في رؤيته الفلسفية. وخلال العطل الصيفية، كان بيكيت يقوم بجولات في فرنسا وألمانيا وإيطاليا. وخلالها كان يزور المتاحف الفنية.

وقد عاش أول علاقة حب مع ابنة عمه "بيجي سنكلير" التي ماتت شابة بمرض السلّ. أما علاقة الحب الثانية فقد عاشها مع فتاة تدعى آنّا ماكرتي التي كان قد التقى بها في “ترينيتي كوليدج”. وقد ظلّ متعلقا بها سنوات طويلة. بل إنه كان دائم الحديث عنها وعن جمالها حتى في سنوات شيخوخته.


أجراس اللغات


خلال الفترة التي كان فيها يسافر عبر أوروبا متشمّما روائح المدن، ومنصتا إلى أجراس اللغات واللهجات عاش بيكيت تجارب مريرة ومرّ بأزمات نفسيّة حادّة وعرف الخصاصة والجوع والتشرد. والذين كانوا على علاقة به كانوا يعلمون أنه موهوب، بل عبقري. غير أنه كان من الصعب عليهم أن يستشفّوا الطريفة التي سوف يبرز بها موهبته وعبقريته. ثم جاء ذاك العام، عام "الضّيق الشديد والانهيار الروحي" وكان بيكيت الذي كان قد قرر الاستقرار في فرنسا، قد عاد إلى دبلن لزيارة أمه المريضة لما حدثت "الرؤيا".

وكان ذلك في ليلة لا تنسى من ليالي مارس. فقد خرج بيكيت يتجوّل على الشاطئ وكانت العاصفة شديدة والأمواج عاتية والبروق تخترق السماء بين لحظة وأخرى. وفي لحظة ما، ومضت شرارة تلك العبقريّة الفذّة التي كانت نائمة تحت ركام الأزمات النفسية والأوجاع الروحيّة. وعندئذ فقط أدرك بيكيت لأول مرة في حياته المعنى الجوهري للكتابة، وتيقن أن تلك العتمة التي كانت تفزعه عند اشتداد الأزمات هي في الحقيقة “الحليف الأكثر قوة وجدارة بالتقدير”.


بيكيت والشحاذ


أدرك بيكيت فجأة المعنى الجوهري للكتابة وتيقن أن تلك العتمة التي كانت تفزعه عند اشتداد الأزمات هي في الحقيقة الحليف الأكثر قوة وجدارة بالتقدير

في باريس عمل أستاذاً للغة الإنكليزية بإحدى المدارس، وفي العام 1930 كتب بيكيت دراسة عن الروائي الفرنسي مارسيل بروست ثم عاد إلى إيرلندا ليقوم بتدريس الفرنسية بكلية ترينيتى لكنه لم يفضل العمل الأكاديمي وسرعان ما قدّم استقالته، في العام 1933 توفي أبوه وترك له ميراثاً صغيراً، وفي العام 1935 كتب روايته الأولى "مورفى" وبطلها شخصية مضطربة وحائرة بين الشهوة والوصول إلى العدم العقلي بعيداً عن الواقع، وذات مرة حينما كان يسير في شوارع باريس توجه إلى بيكيت شحاذ مستجدياً صدقة فرفض، فطعنه الشحاذ بسكين وكاد بيكيت يموت، ونجا من الموت ويقال أن جيمس جويس كان يعتني به في المستشفى بنفسه، وفي التحقيق لم يتهم بيكيت الشحاذ بأي شيء وكان قد سأله عن سبب محاولته تلك فقال الشحاذ: “لا أعرف يا سيدي”. هذه الجملة التي استخدمها بيكيت كثيراً في مسرحياته خاصة “في انتظار غودو”.

وكان بيكيت في إيرلندا حينما اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية فعاد إلى فرنسا واشترك في صفوف المقاومة هناك (كمراسل ومترجم) لكن بعد تقدم الألمان واكتشافهم للخلية التي يعمل بها هرب بيكيت وسوزان إلى جنوب فرنسا إلى بلدة روسيليان وعمل بيكيت مزارعا،ً وفي هذا الوقت كتب روايته “وات” التي تدور حول البطل وات الذي يقوم برحلة إلى بيت السيد نوت ويعمل عنده ويقضي أيامه في محاولة التعرف على عالم السيد نوت اللغز وشخصية السيد نوت المعقدة، وبعد هزيمة الألمان في العام 1945 عاد بيكيت وسوزان واستقرا في باريس.

في العام 1946 كتب روايته “ميرسيه وكاميه” وتدور حول عجوزين يتواعدان للقيام برحلة إلى الريف وما إن يصلا هناك حتى يشعران بالحنين إلى المدينة ويستمر هذا الارتحال المتواصل. ثم بعد ذلك كتب بيكيت ثلاثيته الروائية الشهيرة “مولوي” و”مالوني يموت” و”اللاّمسمى”، وكتب الروايات باللغة الفرنسية ثم ترجمها إلى الإنكليزية.


لن يأتي أبدا


كان بيكيت في أيرلندا حينما اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية فعاد إلى فرنسا واشترك في صفوف المقاومة هناك كمراسل ومترجم لكن بعد تقدم الألمان واكتشافهم للخلية التي يعمل فيها هرب بيكيت وسوزان إلى جنوب فرنسا إلى بلدة روسيليان ليعمل فيها مزارعا

في العام 1947 كتب بيكيت مسرحيته الشهيرة "في انتظار غودو" والمسرحية تدور حول شخصيات معدمة مهمشة ومنعزلة تنتظر شخصا يدعى "غودو" ليغير حياتهم نحو الأفضل وبعد فصلين من اللغو والأداء الحركي والحوار غير المتواصل لا يأتي غودو أبداً، والمسرحية تعبر عن حال إنسان ما بعد الحرب العالمية الثانية والخواء الذي يعاني منه العالم.

عقب تلك "الرؤيا" القديمة على الشاطئ، شرع بيكيت في كتابة أعماله الكبيرة التي حققت له شهرة عالمية واسعة. وبعد المنفى الاختياري، قرّر بيكيت أن يتخلص أيضا من الإرث اللغوي، ومن تراث الأجداد.

وهكذا شرع يكتب بالفرنسية "بحثا عن المزيد من الفقر في مجال اللغة" بحسب تعبيره مبتعدا عن التزويق البلاغي. ويبدو ذلك واضحا في جلّ أعماله مثل "مالون يموت"، و"مولوا". وفي الروايتين المذكورتين تبدو الشخصيات وكأنها تذبل وتتعفن داخل واقع متعفن بدوره.

"يقظتي كانت نوعا من النوم" يقول مولوا، ويقول مالون: "عشت كما لو أنني في غيبوبة"، وفي رواية "المقزّز" تقول الشخصية الرئيسيّة فيها: “لنكمل كما لو أنني الوحيد في العالم في حين أني الوحيد الغائب”. وفـي أعمال أخرى نحـن نجد أنفسنا أمام عالم مقفـر تمـاما.

عالم فيه ينصت الصمت إلى الصمت. وعكس الكتاب الآخرين الذين يحاولون “ملء الفراغ وتدميره”، دأب بيكيت حتى النهاية على تفريغ الواقع وإبرازه مقفرا تماما. وربما لهذا السبب ظلت أعماله تتضاءل شيئا فشيئا لتصبح في السنوات الأخيرة من حياته لا تتجاوز بضع صفحات من الحجم المتوسط.

وفي النهاية تحوّل كلّ شيء إلى غمغمة يائسة في فراغ الوجود، ولم يعد للكلام معنى في عالم يتميّز بالصخب والعنف. وهكذا كان بيكيت الكاتب الوحيد في القرن العشرين الذي كان بليغا في صمته، وثريّا في عزلته.

14