صامويل ويست يغامر بـ "متحف الفشل" ويراهن على التعلم منه

السبت 2017/06/17
عالم نفس يقلب تراب حقول الابتكار

ستوكهولم - قد يبدو العنوان صادماً وغريباً، فلطالما اعتدنا على أن تكون المتاحف مكاناً هادئاً لعرض تاريخ ومنجزات الحضارات البشرية، لكن في مدينة هلسنبورغ في جنوب السويد كانت الفكرة غريبة والمتحف مختلفاً باسمه ومحتوياته.

فن السعادة

“متحف الفشل” المغامرة الجديدة لصامويل ويست المتخصص بعلم النفس السريري والتنظيمي. لكن التعمق في هذه التجربة يبدّد الغموض ويبرز جوانب إيجابية ومفيدة في فشل كبرى الشركات العالمية، لذا فإن شعار المتحف هو “لنتعلم من الفشل”.

ويست طبيب في علم النفس إضافة لحصوله على دكتوراه في علم النفس التنظيمي حيث كانت أطروحته في هذا المجال عام 2015 عن كيفية تعزيز المحاولة والاستكشاف والتجريب، ودور التنظيم في تسهيل العملية الإبداعية.

رجل ثلاثيني من كاليفورنيا يعيش في جنوب السويد وله في الأسواق أربعة كتب مؤلفة “الأداء المكتبي” الذي يتحدث فيه عن فلسفة العلامة التجارية الجديدة للحصول على التصميم الأمثل للأماكن. وله كذلك كتاب “البحث الإبداعي” وهو كتيب بحثي متعدد التخصصات. وأصدر أيضاً “فن السعادة في العمل” عن دور الحالة النفسية وانعكاساتها على الإنتاج والإبداع، وأخيراً “الإبداع-النظرية والتطبيق” وهو كتاب معتمد ويدرّس في الجامعات السويدية.

يحوي متحف ويست، اليوم، مجموعة من الابتكارات والاختراعات المثيرة للاهتمام لكنها لم تحقق النجاح المطلوب بل كان الفشل من نصيبها، ويقوم المتحف بعرض هذه الإخفاقات في إطار تجربة تعليمية مفيدة ورائعة لزوار المتحف.

تتكوّن المجموعة المعروضة أكثر من سبعين منتجا أو خدمة فاشلة من جميع أنحاء العالم. وفي هذا الإطار تتوفّر نظرة فريدة من نوعها عن الابتكارات المحفوفة بالمخاطر. ففي المتحف دروس تحض على مزيد من الحكمة للاستفادة من أخطاء الآخرين، لذا فإن هدف المتحف ليس للتشهير والإساءة بل لتحسين القدرة لدى الناس للتعلّم من الفشل، وكيفية تمكّن فرق العمل من بناء مناخ للسلامة النفسية التي لا غنى عنها للابتكار. والمعرض متاح الآن بثلاث لغات هي السويدية والإنكليزية والأيسلندية، وقريباً ستضاف إليها اللغة الألمانية.

من كرواتيا جاءت الفكرة

من النادر أن يتمكّن رجل أعمال من تحقيق النجاح من خلال فكرته الأولى، بل هناك نكسات وخيبات صادفت الكثير من المشاهير في بداياتهم أمثال مارك زوكربيرغ وبيل غيتس وستيف جوبز، لكن هذه النكسات كانت بداية لتجاوز الإخفاق والاقتراب من الإبداع والابتكار والنجاح.

يوضّح ويست قائلا “ركزت في أبحاثي على كيفية تعزيز بيئة عمل مرحة، أنا أعلم أن جزءا من التجريب والفشل يكمن في المرح” ويضيف “هناك الكثير من الأمثلة على الفشل في كل مكان لكنهم غالباً ما يخفونها رغم أن فيها الكثير من الدروس والعبر”.

لكن فكرة “متحف الفشل” لها حكاية مع ويست يكشفها بقوله “زرت متحف العلاقات المكسورة في زغرب وتتمحور موضوعاته عن فيزياء الحب المفقود. فأعجبتني هذه الأفكار، وأيقنت أننا يمكن أن نقدم شيئاً مماثلاً، فنحوّل المفهوم المجرد لشكل ملموس، فكل الابتكارات الناجحة ناجحة على حدّ سواء لكن تفاصيل الفشل تحمل الاختلاف، ولأنني أحب تولستوي فقد سرقت منه قوله إن العائلات السعيدة تتشابه في سعادتها، أما العائلات التعيسة فلكل منها سبب مختلف

قناع الوجه الكهربائي كان الهدف منه تدليك الوجه وإضفاء نضارة أكثر على الملامح. لكن المستخدمين شعروا أن نملا كثيفا وغاضبا يعض وجوههم، وكان عليهم استخدامه يومياً لمدة ثلاثة شهور قبل الحصول على نتائج، فأحجموا عن شرائه وكان نصيبه الفشل الذريع.

للتعاسة”.

ويست يربط بشكل واضح ما بين تبنّي الفشل وقيادة الابتكار فيقول “إنهما وجهان لعملة واحدة، لا يمكن أن يكون لديك ابتكار بمعدلات إيجابية دون وجود جوانب سلبية، عندما تنفق أموالاً على منتجات ولا تجد من يشتريها يبرز جانب الفشل والسلبية”.

على سبيل المثال يقول جيف بيزوس الرئيس التنفيذي لشركة أمازون الإلكترونية الشهيرة إن “شركتنا هي المكان الأفضل للفشل في العالم. لذلك فإننا في كل رسالة نرسلها للمساهمين نؤكد دائماً على مدى أهمية الفشل” وبيزوس هو من المديرين التنفيذيين القلائل الذين يتلفظون بكلمة الفشل، فالآخرون يتحدثون بلغة مختلفة مغلّفة بالوهم.

النهج المتهور للشركات الأميركية، حسب ويست، لا يلقى ترحيباً أو إعجاباً لدى الثقافات الأخرى، لذا نرى أن البريطانيين لهم طابع محافظ وحذر أكثر، بينما في الثقافة الآسيوية هناك تسلسل هرمي وضغط للنفقات لذا نجد أن الصراحة مفقودة عند الفشل. يوضح ويست “في أحد تحليلات أسباب فشل شركة نوكيا يبرز جانب مهم وهو النظام الإداري القائم على الأخبار الجيدة فقط، فتغيب أو تغيّب التقارير السلبية فتغرق الإدارة في وهم التقارير الوردية الإيجابية، ومن هنا نجد أن النجاحات كبيرة لدى الشركات الأميركية لأنها تتميز بخبرات كبيرة وبيقظة كبيرة لما قد يحدث بشكل مفاجئ”.

نماذج الفشل المشوقة

يعتقد ويست أنه بالإمكان تعلم الكثير من خلال تسليط الضوء على أسباب الفشل. فبدأ بجمع عدد قليل من الابتكارات الفاشلة وشيئاً فشيئاً تحول الأمر إلى هاجس لديه كما يقول. فتابع عملية جمع الإخفاقات حتى تبلورت فكرة المتحف وأصبحت واقعاً في السابع من يونيو الجاري.

في المتحف نجد جهاز “تويتر بيك” من العام 2009 الذي كان بحجم الجيب وكان مخصصا للتنبيه فقط. يقول عنه ويست “كان الجهاز فاشلاً فمهمّته الوحيدة بالتغريد بحدود 140 حرفا لم يكن يظهر منها على الشاشة الصغيرة سوى 25 حرفا فكان مصيره الفشل”.

وتوجد أيضاً أقلام “بيك الزهرية اللون” التي أنتجت للإناث فقط تحت شعار “قلم لها” عام 2012. نال هذا القلم الكثير من السخرية والاستهزاء، بعد أن بيع في الأسواق بسعر أعلى من الأقلام العادية وسط مقاطعة شبه كاملة من الرجال.

ماركة الدراجات النارية الشهيرة هارلي دافيدسون أراد منتجوها زيادة أرباحهم في التسعينات من القرن العشرين فاقتحموا سوق العطور بعطر اسمه “هوت رودز″، واعتقد المنتجون أن مجرد وضع علامة “هارلي دافيدسون” التجارية على العطر ستضمن بيعه، ولكن العطر لم يكن أخاذاً وشبه البعض رائحته برائحة عوادم السيارات وفشل أيضا.

الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب الذي حقق نجاحات كبيرة في مجال العقارات وتلفزيون الواقع، تجده متربعا في متحف الفشل، فاللعبة الترفيهية التي أطلقها عام 1989 نالت الفشل مرتين في نسختها الأولى، وفي نسختها المحدثة عام 2015.

“كوكا كولا بلاك” مشروب الطاقة الذي أطلقته كوكا كولا وهو مزيج من فحم الكوك والقهوة كان مذاقه سيئاً وكمية الكافيين فيه قليلة جداً فلم يستمر في الأسواق سوى سنتين من عام 2006 لعام 2008.

الرئيس الاميركي الحالي “دونالد ترامب” الذي حقق نجاحات كبيرة في مجال العقارات وتلفزيون الواقع، لكن اللعبة الترفيهية التي اطلقها عام 1989 نالت الفشل مرتين في نسختها الاولى، وفي نسختها المحدثة عام 2015.

أول كاميرا رقمية أصدرتها كوداك توجد في متحف الفشل أيضاً. مع أن هذا المنتج لم يكن فاشلاً لكنه واجه الفشل في جانب آخر أكثر أهمية، إذ فشلت كوداك ذاتها في التكيف مع متغيرات العصر الرقمي فأشهرت إفلاسها عام 2012، وهذا الفشل والإفلاس لدى كوداك أديا إلى فقدان 160 ألف شخص لوظائفهم.

شركة سوني ابتكرت نظام البيتا ماكس في أجهزة الفيديو، هذا الجهاز نجح في البداية وأقلق شركات السينما الأميركية التي رفعت دعوى على سوني، ولكن الفشل جاء من الشركة اليابانية المنافسة “جي في سي” التي فرملت نجاح سوني بإصدار شريط “في إتش إس″ الذي كان يتمتع بميزة طول المدة الزمنية للعرض بستين دقيقة أكثر من إنتاج سوني، فتكدست مخازن سوني بالبضاعة واستسلمت لمنافستها.

قناع الوجه الكهربائي كان الهدف منه تدليك الوجه وإضفاء نضارة أكثر على الملامح لكن المستخدمين شعروا أن نملا كثيفا وغاضبا يعض وجوههم، وكان عليهم استخدامه يومياً لمدة ثلاثة شهور قبل الحصول على نتائج، فأحجم الناس عن شرائه وكان نصيبه الفشل الذريع.

الأمثلة كثيرة في المتحف يلخصها ويست بقوله “الفشل ضروري للابتكار. دعونا نقبل الفشل كجزء هام من تطوير منتج جديد مبتكر، فحتى أكبر الشركات تواجه الفشل، لكن السر يكمن في خلق ثقافة تنظيمية وإدارية تقبل الفشل في حيز صغير لتفادي الفشل الكبير والكارثي”.

14