صانعة القرار.. الممنوع وفق متلازمة التدين المغشوش

مقتضيات المجتمع الذكوري تعطي للذكور امتياز السلطة، فهي من حقهم وحدهم لأنهم الجنس المميّز. وتتواطؤ عدة مسببات مع ذلك لعل أبرزها التفسير الخاطئ للدين الذي أقنع الجميع، وحتى المرأة نفسها، بأنها “ناقصة عقل”.
السبت 2017/11/18
نواب في البرلمان الإيراني ينتظرون دورهم لالتقاط سيلفي مع مبعوثة الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني

تونس - عندما أراد مستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه لا يزال هناك أمل في إصلاح أحوال أفغانستان، أظهر صورة قديمة تعود إلى عام 1972 لفتيات أفغانيات يرتدين تنانير قصيرة في شوارع كابول.

لقد كانت صور النساء كفيلة بإقناع ترامب بأن هناك أملا في المجتمع الأفغاني الذي سبق أن “اعتنق قيم الحداثة”، وفق مقال على موقع مجلة “فورين بوليسي”، انطلاقا من صورة المرأة التي توصف بأنها نصف المجتمع ومربّية النصف الثاني.

ينسحب الأمر اليوم على المجتمعات العربية التي تعاني فيها المرأة الويلات. لكن قد يمكن اليوم الاستفادة من الحنين إلى الماضي، فحينما يتصفح الناس في باكستان أو مصر أو أفغانستان ألبومات صور آبائهم وأجدادهم سيتساءلون عما حدث لبلدانهم، وقد يدركون الحقيقة.

إنَّها حقيقة أن تكوني امرأة مقموعة في المجتمعات الإسلامية عامة والعربية خاصة. لقد سلّطت المجتمعات العربية على المرأة ظلما كبيرا، إذ تصطدم النساء بالعقلية الذكورية مسنودة بالدين التي تتوق إلى أن تراهنّ مرؤوسات لا رئيسات.

وضع كاريكاتيري ساخر

تقول الكاتبة البحرينية سميرة رجب إن مناهج التعليم وسياسات الإعلام العربي كان لها دور ممنهج وكان للجمعيات والمنظمات النسائية دور، غير متعمد في الغالب، في خلق تلك الصورة النمطية للمرأة العربية المضطهدة، ولم تتمكن تلك المؤسسات من أن تتناول قضايا المرأة بموضوعية وإنصاف مقارنة بقضاياها في المجتمعات الأخرى في نفس الفترة الزمنية، من جهة، كما لم تحاول تغيير أو تطوير مواقفها بالنسبة لتمكين المرأة العربية التي باتت متمكنة مع التطور الحضاري والتعليمي الذي دخلت فيه مجتمعاتنا العربية طوال القرن العشرين من جهة أخرى.

وتشرح رجب في تصريحات خاصة لـ”العرب” “أعطيت المرأة في المملكة المتحدة الحق السياسي في عام 1920، وفي ذات العام كانت المرأة البحرينية تمارس حقها بانتخاب المجالس البلدية في البحرين، الجزيرة الصغيرة الحالمة في أقصى شرق الوطن العربي..

سميرة رجب: حرمان المرأة البحرينية من حقها في الانتخابات التشريعية عام 1975، كان بسبب تعنت شيوخ الإسلام السياسي

أما ما حدث بعد ذلك العام من حرمان المرأة البحرينية على سبيل المثال من حقها السياسي في الانتخابات التشريعية عام 1975، فكان بسبب تعنّت شيوخ الإسلام السياسي في تفسير نص دستوري يعطي “المواطن البحريني حق الترشيح والانتخاب” ليقرأها أولئك الإسلاميون بأن المواطن (المذكور في الدستور) هو الرجل ولم يرد ذكر المواطنة (المرأة).. وهذا ما تم استدراكه في أول تعديل على الدستور البحريني عام 2002 عندما نص الدستور حرفيا على الحق السياسي لكل مواطن بحريني “الرجل والمرأة”.

كما تتسم المجتمعات العربية بتناقض ساخر، فهي تحتفل بتولي نساء مراكز قيادية في الخارج ممنوعة عنهن في بلدانهم الأصلية!

ولو تابعتِ تعليقات العرب على امرأة غربية تزور مسجدا مثلا وهي ترتدي منديلا صغيرا على رأسها مع فستان زاهي الألوان قصير، تجدهم شاكرين مهللين لحسن التزامها بأحكام الدين! ثم نفس البشر تقوم قيامتهم إذا رأوا سيدة سعودية مثلا لا يظهر منها شيء سوى وجهها على التلفزيون تقوم الدنيا ولا تقعد.

ولم تغر الأمثلة الناجحة لنساء قياديات في العالم المجتمع العربي ليساعد نساءه على ولوج هذا الدور، حيث وصلت المرأة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأفريقيا إلى أعلى المناصب وأكثرها حساسية من بينها وزيرة دفاع، ووزيرة الأمن الداخلي، ورئيسة حكومة، ورئيسة دولة.

وعلى سبيل المثال لم تفلح نساء قائدات في العالم على غرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي سبق أن وقفت طوابير من الرجال أمام سلم طائرتها في إقناع المجتمعات العربية بأن الحديث الضعيف الذي تتعلل به لقهر المرأة “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” لم يعد ذا قيمة أو فائدة.

وتقول الطبيبة المصرية-الهولندية علياء جاد إن من يريدون قهر المرأة لديهم بالتأكيد عقد نقص من ناحيتها، ولا يرغبون في ذكر فضلها عليهم لأنهم يشعرون بالدونية أمامها، أو لأنها تذكرهم بعُقد قديمة أو ميول جنسية مكبوتة. وتتساءل “هل يوجد شخص في هذه الحياة لم تعتنِ به امرأة”؟

تتبع المجتمعات العربية في أغلبها “تراثا إسلاميا” مستمدا من الثقافة البدوية الصحراوية، حيث كانت المرأة ولا زالت تعتبر من الممتلكات و”المتاع”.

وتشرح جاد ذلك بقولها “العرب يفرقون بين البدو والحضر في ما بينهم في أوجه عديدة، وقد يعترضون على كلامي هذا بذكر مثال السيدة خديجة مثلا كسيدة أعمال مستقلة وناجحة في عصرها، وهنا أرد عليهم بما يؤكد كلامي أكثر: في العصور السابقة لفرض الثقافة الذكورية المرتبطة بالنصوص الدينية، سادت عصور المرأة الأم/الإلهة/الملكة. لو عدنا بالزمن إلى الآلاف من السنين لوجدنا آلهة مثل إيزيس وأثينا وعشتار وتانيت، وحتى في شبه جزيرة العرب كانت الآلهة مؤنثة كاللات والعزى ومناة. وكانت الملكات كبلقيس وديهيا وحتشبسوت وكليوباترا من أعظم من حكمن الشرق. وعُرفت الآلهة الإناث كرموز للحب والجمال والجنس والتضحية والحياة”.

وتضيف في تصريحات لـ”العرب” “ثم بدأ التاريخ البشري يتحول إلى العصر الأبوي مع بدء الديانة اليهودية وما تلاها من ديانات إبراهيمية. هنا نلاحظ بدء نشر أفكار تحقير النساء وجعلهن أقل شأنا في الديانات. طبعا الفرق لم يكن واضحا كالليل والنهار كما قد يبدو من وصفي، لكن تلك الفروق الصغيرة في الأفكار تجمّعت لتصنع نهرا من الأيديولوجيات التي تضع المرأة في الصفوف الخلفية، حيث تراجعت الأفكار التي تمجد المرأة، وتضخمت تلك التي تقلل من شأنها. وهكذا انتهى بنا الحال للمناداة بحق المرأة في سنة 2017!”.

الوعي أصبح مقدسا

تعيش المراة العربية منذ بداية الألفية الجديدة، وما تميزت به هذه الألفية من دعوات “الدمقرطة” وانتشار الإصلاحات السياسية، على امتداد الوطن العربي، مجموعة من التناقضات بما فيها حالة الازدواج والتناقض بين الأعراف المجتمعية والممارسة في ما يتعلق بحقوق المرأة، ومدى قبول المجتمع بأحقية المرأة في ممارسة حقوقها، وبين النصوص الدستورية التي تفرض هذه الحقوق على المجتمع، وبين مظاهر الممارسة المجتمعية لهذه الحقوق، والخلفية الذهنية المتشككة في قدرات المرأة، الناعمة منها والصلبة.. وما بين المصداقية والزيف في مجمل الرؤية المجتمعية والإنسانية للمرأة.

وتشرح رجب “إذا عكسنا جميع المتناقضات التي تلف مجتمعاتنا في هذا الشأن نكتشف أيضا تفاوتا وتناقضات عديدة في مدى مساهمة أو خذلان المجتمع للمرأة في تبوّء المراكز القيادية”.

وتتفاوت المتناقضات في المجتمعات العربية مثلا ما بين رجل الإسلام السياسي الذي يدفع بالمرأة في التنظيم للقيادة في المظاهرات وفي مجالات تربية الصغار على التطرف والعنف، وما بين رفضه لها بأن تكون شخصية عامة ورقما قياديا صعبا في البرلمان، خوفا من أن يفقد هو الفرصة بهذا المنصب.

وفي الجانب الآخر لطالما كان هناك ليبراليون في مجتمعاتنا يحاربون المرأة التي تنافسهم بقدراتها القيادية وكفاءتها العلمية، من خلال استغلال نوع الجنس، أي بالطعن في قدراتها كامرأة، أو بممارسة دور التشويه في السمعة، وهي الأكثر حساسية في مجتمعاتنا.

وإلى جانب هذا هناك فئات من الرجال المؤمنين بالمرأة وقدراتها القيادية ويساهمون بمصداقية وبفكر ووعي حضاري راق في دعمها عندما توجد أمامهم المرأة المتميزة بهذه القدرات دون زيف أو مظاهر خادعة.

جندي مجهول وإعلام بديل

كما تحاول بعض الحكومات العربية اليوم دفع المرأة للقيادة، تارة بفعل الضغط الدولي بدعاوى الدمقرطة، وتارة أخرى بقناعة تامة تجاه الشخصية القيادية التي تبرهن على قدراتها.

وتؤكد جاد في سياق آخر أنه عبر الإعلام البديل نستطيع تغيير الكثير، فهو فرصة لم تحدث من قبل في التاريخ أن تجتمع الشعوب المكبوتة والمقهورة لتعبّر عن أفكارها دون خوف. الأفكار تصبح كلمات ثم أفعالا تغيّر التاريخ.

لا عمر محدد للتغيير

وقد تكون بعض المجتمعات العربية أقل تشددا من أخرى في مسألة تقبل المرأة في المجال السياسي، ومع أنه ليس نادرا اليوم مشاهدة نساء يقارعن السياسة في عدد من الدول العربية، إلا أنهن في الكثير من الأحيان لسن سوى ديكور مكمل لمسرحية “تبني الديمقراطية” وتبقى مسألة جلوسهن على كرسي صناعة القرار بعيدة المنال في هذه المجتمعات. وبحسب ناشطة على تويتر “فإن استمرار المرأة بالمحاولة وحده لا يكفي بل يجب أن يكون المجتمع متقبلا للفكرة.. عندها يبدأ التغيير”.

وفي تونس، أقرّت لبنى الجريبي، أستاذة الهندسة بجامعة السوربون وعضو المجلس التأسيسي سابقا بأن ضمان التمثيل المتكافئ بين الرجل والمرأة في قضية لم تكن تخطر على بالها حتى اختيرت عضوا بالمجلس الوطني التأسيسي عام 2011. وتابعت “كنت أعتقد دائما أن الأمر قضية تخص المرأة. ولكننا كنا نجد صعوبة في العثور على نساء للمشاركة في العملية السياسية. وإذا لم نبدأ نحن في تغييرها فلن تتغير”.

ومن جانبها تصف جاد المسيرة النسوية في مصر بالبائسة. وتؤكد “مصر مصابة بالفساد والانفجار السكاني والتلوث ومع هذه المشكلات أصبح أكبر همّ النساء يتلخص في أن يمر يومهن بسلام دون تحرش وأذى”.

وتؤكد أن مشاركة المرأة سياسيا في مجتمعاتنا تحتاج تضحيات هائلة من وقت وجهد وسمعة، ثم إن النساء – للأسف الشديد- لا يشجعن النساء ولا يصوتن لهن في الانتخابات. يقولون إن “أعدى أعداء المرأة هي امرأة أخرى”.

ورغم ذلك تؤكد جاد أن النساء في المجتمعات العربية يحكمن كثيرا من وراء ستار قاصدة زوجات الحكام. لكن وصول النساء إلى مناصب عليا صعب طبعا في ظل ثقافة “المرأة ناقصة عقل ودين”.

وفي سياق آخر تعتبر جاد أن الارتقاء بمستوى مشاركة المرأة في المجتمع مرتبط أساسا بالإرادتين السياسة والمجتمعية لأن كليهما مهم ومؤثر في الآخر، ولكن التغيير القوي يبدأ دائما من القيادة.

من جانبه، يقول المفكر التونسي عبدالحليم المسعودي إن “المرأة هي الوحيدة في المجتمعات العربية القادرة على تغيير واقعها وترميم الفوضى. فالسقف الفولاذي الذي تمَسْمَر لن يُزاح إلا بضغوط النساء وبوعيٍ اجتماعي ينقل المرأة من رتبة الجندي المجهول الذي يحارب في صمت، إلى تبوّء مراكز القرار الرفيعة. إنه عالم غير مثالي أليس كذلك؟”.

صحافية من تونس

13