صانعو السياسات أمام تحدي تقليص الزراعة الأحادية في العالم

الاعتماد على محصول واحد يزيد من الضعف الاقتصادي ويهدد الأمن الغذائي للدول.
الأربعاء 2021/09/08
الإيرادات الزراعية تخضع لقيم السوق المتغيرة

يطالب علماء وباحثون في البيئة والمناخ في عدة دول، صانعي السياسات والمزارعين بمراعاة التنوع الزراعي عند اتخاذ القرارات حول ما يتعين زراعته وأين، لأن الزراعة الأحادية يمكن أن تؤدي إلى إلحاق أضرار فادحة بالمناخ والمرونة البيئية.

نيويورك - يحذر علماء البيئة والمناخ من الزراعة الأحادية وتحويل مساحات شاسعة من الأراضي إلى مزارع لنوع واحد من المحاصيل، وهو ما يجعل السياسات الزراعية الهادفة لمكافحة تغير المناخ وزيادة إنتاج الغذاء والوقود، أمام تحد كبير.

وتعتمد السياسات الزراعية في جميع أنحاء العالم على زراعة المزيد من الأشجار والمحاصيل لمكافحة تغير المناخ وزيادة إنتاج الغذاء والوقود.

وتعني الزراعة الأحادية زراعة محصول واحد وإنتاجه وتنميته في مساحة واسعة من الأرض، أو لسنوات متتالية.

وتم تحويل نحو 40 في المئة من سطح الأرض الخالي من الجليد إلى مساحات غابية وزراعية تعتمد في الغالب على عدد قليل من أنواع الأشجار والمحاصيل، بعد القضاء على التنوع البيولوجي الذي كان موجودا في تلك المناطق.

وأكد علماء في مقال نُشر على موقع “نيتشر جيو ساينس” وردت نتائجه في بيان جامعة ساسكاتشوان الكندية؛ الأهمية البالغة لتنوع النباتات في الحفاظ على دورة المياه الطبيعية التي تمكن أنظمة التربة والنباتات والمياه من التعافي بسرعة من الضغوط البيئية.

محاكاة الطبيعة

الزراعة التقليدية أقل عرضة للخطر
الزراعة التقليدية أقل عرضة للخطر

وحذر الباحثون من أن الزراعة الأحادية، يمكن أن تؤدي إلى إلحاق أضرار فادحة بهذه الدورة، مما يؤثر سلبا على العديد من العناصر البيئية، مثل رطوبة التربة وتآكلها وتدفق مجاري المياه، والتبخر ونوعية المياه الجوفية، ويحد بالتالي من المرونة البيئية.

وحثّ المؤلفون الذين ينتمون إلى جامعات ومؤسسات بحثية عالمية مرموقة في عدة دول، صانعي السياسات والمزارعين على مراعاة التفاعلات الحرجة بين المياه والنباتات عند اتخاذ القرارات حول ما يتعين زراعته وأين.

وقالت إيرينا كريد، عالمة الهيدرولوجيا بجامعة ساسكاتشوان الكندية التي شاركت في تأليف الورقة البحثية؛ إنه عند غرس الأشجار في منطقة معينة لمكافحة تغير المناخ “نحتاج إلى محاكاة ما كان طبيعيا، فعندما يقتصر التنوع البيولوجي على عدد قليل من المحاصيل المختارة، فإن ذلك يجعل النظام البيئي بأكمله عرضة للخطر”.

ويعود ذلك إلى أن كميات المياه المتبخرة في الجو في منطقة معينة تختلف باختلاف الأنواع النباتية هناك، وهذا الاختلاف يؤدي إلى وجود تنوع في معدل حركة المياه بين التربة والجذور، مما يؤدي إلى بناء نظام مائي أكثر تنوعا يمكنه تحمل ضغوط المياه مثل الجفاف والحرارة.

وفي الغابات التي تضم مجموعة متنوعة من أنواع الأشجار، تتفاوت الجذور في قدرتها على اختراق أعماق التربة، فترسل بعض الأنواع جذورا سطحية غير عميقة تحت السطح، بينما تمتد جذور أنواع أخرى إلى مستويات أكثر عمقا.

وأوضح الباحث دلفيس ليفيا من جامعة ديلاوير الأميركية، أن رطوبة التربة متاحة لبعض أنواع الأشجار أكثر من غيرها. وفي حالة الزراعة الأحادية، فإن أعماق التجذير تكون أكثر اتساقا ولا تخترق التربة بدرجات متفاوتة مثل النباتات الطبيعية في الغابات؛ وبالتالي يمكن أن تكون أكثر عرضة للجفاف.

وتحذر الورقة العلمية من أن زيادة إنتاج المزارع الشجرية لتلبية الطلب على الأخشاب يمكن أن تقلل الرطوبة في مستويات معينة من التربة، بما قد يصل إلى الجفاف في بعض المناطق، كما أنها قد تؤدي إلى تملح التربة وتحمضها، فضلا عن زيادة التعرض للحرائق.

35 في المئة من إنتاج المحاصيل حول العالم يتأثر بالملقحات، مثل النحل والطيور والخفافيش

ولا يقف تأثير انتشار الزراعات الأحادية عند هذا الحد، فقد لاحظ الباحثون وجود علاقة بين اعتماد الزراعات الأحادية والزيادة في تواتر الفيضانات وفترات الجفاف وشدتها في المناطق ذات الاستغلال الزراعي المكثف، والتي حلت محل الأراضي الرطبة، إضافة إلى تدهور جودة المياه هناك.

ويقول المؤلفون إن هناك حاجة إلى المزيد من البحث لتحديد مسارات حركة المياه الأكثر عرضة للتأثر عند تحويل الغطاء النباتي الطبيعي إلى الزراعة الأحادية.

كما أن على الحكومات إعطاء الأولوية لإنجاز دراسات تضبط الحد الأدنى من التنوع الذي يكفي لاستمرار المرونة البيئية ويمكّن من تحمل الضغوط البيئية المختلفة.

ويرتبط التنوع الزراعي والبيئي مباشرة بالأمن الغذائي في دول العالم، وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة إلى أن هناك 815 مليون شخص حول العالم، يعانون من نقص التغذية، بما يعادل واحدًا من كل تسعة أشخاص، وأن الغالبية العظمى منهم يعيشون في بلدان نامية.

وتأتي منطقة أفريقيا جنوب الصحراء كأعلى المناطق من حيث معدلات انتشار الجوع، حيث ازدادت أعداد الذين يعانون من نقص التغذية من 195 مليونًا في 2014 إلى 237 مليونًا في 2017.

وتكشف التقديرات أن 66 مليون طفل من أطفال العالم النامي، ممن هم في المرحلة الابتدائية، يذهبون إلى مدارسهم يوميًّا وهم جَوعى، بينهم 23 مليون طفل في أفريقيا وحدها، بينما يصيب فقر التغذية أكثر من 3 ملايين طفل دون سن الخامسة سنويًّا، في حين يعاني 149 مليون طفل دون سن الخامسة من نقص التغذية المزمن.

وهذه البيانات الصادمة، يمكن أن تزداد سوءًا في حال استمر العالم في الاعتماد على “الزراعة الأحادية”، وفق دراسة نشرتها مجلة “غلوبال تشينغ بيولوجي”، بتمويل من “الصندوق الوطني للبحوث في الأرجنتين”.

وأظهرت نتائج الدراسة أن الزراعة الأحادية انتشرت على حساب الزراعة التقليدية، التي كانت تعتمد على زراعة أكثر من محصول في الأرض على مدار العام، ما أثر سلبًا على تنوُّع المحاصيل، الذي كان له دورٌ بارزٌ في توفير ملاجئ للملقحات مثل النحل، الأمر الذي يهدد التنوع البيولوجي في المحاصيل مستقبلًا. فعلى الرغم من تنوُّع الملقحات، واستجابتها للظروف المحيطة، إلا أنها تواجه تحديات رئيسية، مثل الزراعة المكثفة والمبيدات الحشرية وتَغيُّر المناخ.

وتؤثر الملقحات، مثل النحل والطيور والخفافيش، على 35 في المئة من إنتاج المحاصيل حول العالم، ويمكنها زيادة إنتاج 87 في المئة من المحاصيل الغذائية؛ إذ إن أكثر من 25 إلى 30 ألف نوع من النحل غشائية الأجنحة هي ملقحات فعالة، تشكل الغالبية العظمى من أنواع الملقحات، إضافةً إلى الفراشات والذباب والدبابير، والخنافس.

ضمان التنوع البيولوجي

Thumbnail

وتشير الدراسة إلى أن الحشرات تعتبر سمادًا ممتازًا للنباتات والمحاصيل، بالإضافة إلى دورها المهم في التلقيح، ما يستوجب العمل على توفير موائل لضمان التنوع البيولوجي.

وقال روبرت باكستون عالِم الأحياء في جامعة “هالة-فيتنبرغ” الألمانية، والمشارك في الدراسة – في تصريحات لدورية ساينس “استغرقت الدراسة ستة أشهر من العمل المكثف، وهي دراسة غير ميدانية؛ إذ لم ينزل الباحثون إلى الميدان لجمع البيانات، بل اعتمدوا على بيانات منظمة الأغذية والزراعة ‘الفاو’ في المدة من 1961 إلى 2016، وشملت جميع البلدان المدرجة في قائمة ‘الفاو’، متضمنةً الدول العربية وشرق الأوسطية”.

وفحص الباحثون بيانات 114 محصولًا، منها محاصيل أحادية تُزرع على مساحات هائلة من الأراضي في دول بعينها، كالدول الناشئة والنامية في أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، والتي تُعَد الأكثر تضررًا.

وأوضحت نتائج الدراسة أن الاعتماد على محصول واحد يزيد من الضعف الاقتصادي ويهدد الأمن الغذائي للبلد؛ لأن الإيرادات الزراعية تخضع أكثر لقيم السوق المتغيرة من ناحية وتتأثر بالتقلبات المناخية من ناحية أخرى، مشددةً على “ضرورة تنويع الزراعة في جميع أنحاء العالم وزراعة الزهور وتوفير موائل للحشرات؛ لضمان الزراعة المستدامة والإنتاجية”.وحذرت الدراسة من أن التوسُّع في الزراعة الأحادية على حساب التنوع يهدد عدة دول، في أفريقيا ووبلدان أميركا الجنوبية، والبلدان الآسيوية حيث فاق التوسع الزراعي فيها التنوع الزراعي.

وعلق باكستون “أن الدول التي تعتمد على محاصيل أحادية، وخاصة في دول أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، هي الأكثر تضررًا؛ لعدم وجود تنوع زراعي، على عكس الزراعة التقليدية التي تُعد أقل عرضةً للخطر”.

وأضاف أن هناك دولًا حافظت على تنوع زراعي معقول، مثل مصر وتركيا؛ فعلى الرغم من كونهما أكثر اعتمادًا على الملقحات، وكلتاهما تصدر محاصيل كبيرة، لكن حالتهما جيدة إلى حدٍّ ما؛ بسبب حرصهما على التنوع في إنتاج المحاصيل.

على الحكومات إعطاء الأولوية لإنجاز دراسات تضبط الحد الأدنى من التنوع الذي يكفي لاستمرار المرونة البيئية ويمكّن من تحمل الضغوط البيئية المختلفة

ويتفق فاروق عبدالسلام العايدي، الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة كفر الشيخ في مصر مع فكرة أن تلقيح النباتات يجب أن يتناسب مع التنوع في المحاصيل، مضيفًا أن “التلقيح يؤدي إلى زيادة العائد من المحاصيل بمقدار الربع”.

وأضاف العايدي في تصريحات لـ”ساينس” أن “مصر تنفذ تجربة الزراعة المحمية، ما يتطلب إعادة النظر في دخول النحل الطنان إلى مصر؛ لأنه الأكثر ملاءمةً لهذه الزراعات التي تتم في أماكن مغلقة وتحتاج إلى التلقيح، عكس نحل العسل الذي لا يعمل إلا في وجود الشمس وفي درجة حرارة معينة”.

وتعني “الزراعة المحمية” إنتاج الخضار أو نباتات الزينة في منشآت خاصة تسمى الصوبات أو البيوت المحمية؛ لحمايتها من الظروف الجوية غير المناسبة، ولإمكانية إنتاجها في غير مواسمها، بحيث تتوافر للخضراوات الظروف البيئية التي تلائم نموها الخضري والثمري من حيث درجات الحرارة وشدة الإضاءة، ويتم بداخل الصوبة التحكم في جميع العوامل البيئية وتعديلها بما يتلاءم مع النمو النباتي، وذلك للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المحصول.

وشددت الدراسة على أن التوسع الزراعي يجب أن يكون مصحوبًا بالتنويع؛ فمن دون ذلك، سيزداد خطر نقص التلقيح في المستقبل، وتنخفض بالتالي إنتاجية المحاصيل التي تعتمد على الملقحات لتصبح أكثر تقلبًا وتناقصًا عندما تنخفض الأعداد المتوافرة والمتنوعة من النحل البري.

وقال نصر بسيوني الباحث بقسم بحوث النحل في معهد وقاية النباتات بمركز البحوث الزراعية، ومؤسس رابطة النحالين المصريين، أن “النحل بشكل عام – ومنه نحل العسل – معرض للخطر نتيجة مسبِّبات الأمراض والمبيدات، كما أن أعداد النحل البري تتراجع في جميع أنحاء العالم. وهو مؤشر خطر، خاصةً إذا علمنا أن النحل مسؤول عن تلقيح أنواع مختلفة من المحاصيل، مثل زراعات الموز وأغلب أنواع الفاكهة”.

Thumbnail

وأضاف بسيوني، “أن النحل تعرَّض هذا العام لمشكلات عديدة؛ ففي أميركا واجه المزارعون في موسم تزهير ‘اللوز’ مشكلة كبيرة؛ إذ لم يجدوا النحل بالعدد المطلوب لهذه الزراعات، وهو الوضع ذاته الذي تكرر في إيطاليا والجزائر، حيث واجهوا خسائر كبيرة”.

وتشير الأرقام إلى أن الولايات المتحدة الأميركية فقدت 28.1 في المئة من مستعمرات النحل في شتاء 2015 – 2016، أما أوروبا ففقدت 11.9 في المئة من مستعمرات النحل في فصل الشتاء خلال الفترة ذاتها، وأما كندا ففقدت 16.8 في المئة من مستعمرات النحل خلال الفترة نفسها.

ويرى بسيوني أنه إذا تعرَّض النحل لمشكلات تهدد وجوده، فإن ذلك يكون مؤشرَ خطر؛ لأنه سيؤثر على محاصيل الغذاء وسيعرض 75 في المئة من المحاصيل للانخفاض؛ إذ إن النحل هو الحشرة الوحيدة المخصصة للتلقيح.

واقترحت الدراسة تنويع المحاصيل الزراعية، مشددةً على أن “ذلك سيكون له تأثير في توفير المزيد من الموائل للحشرات مع ضرورة تقليل استخدام المبيدات، وتقديم المشورة للحكومات للعمل على تعزيز أنظمة زراعة متنوعة، وليس زراعات أحادية تعتمد على محصول واحد.

وأوضح بسيوني أن التنوع يفيد التلقيح والحشرات والمحاصيل، مضيفًا “في مصر، على سبيل المثال، كانت الدورة الزراعية مقسمة إلى ثلاثة أقسام، وعندما اختلفت تأثرت الإنتاجية بسبب التلقيح، وبعد تشديد الرقابة على زراعة الأرز خلال العامين الماضيين، عاد النحل إلى الازدهار والتكاثر، بعد أن كان قد تأثر بسبب زراعة المزارعين للأرز بديلًا لمحاصيل أخرى”.

بدوره، علق باكستون أن هناك دورًا يجب أن تقوم به الدول الغنية في مساعدة البلدان الأكثر فقرًا على زراعة محاصيل متنوعة، تساعد على زيادة نمو الأغذية وتوفير لقاح أفضل للمحاصيل، مع دفع سعر أكثر عدلًا لمحاصيل البذور الزيتية.

وأضاف “يمكن للدول الغنية أن تداوم على شراء محاصيل ‘منتجة بشكل مستدام’، وبذلك تحافظ على تنوع بيولوجي مرتفع في بلد المصدر، وهذه قضية يحتاج السياسيون في الدول الغنية إلى معالجتها. ففي الوقت الحالي نجد أن السوق العالمي يفيد الدول الغنية على حساب البلدان الأكثر فقرًا التي يتدهور تنوُّعها البيولوجي بسبب تحويل غاباتها الطبيعية إلى حقول لإنتاج محاصيل أحادية وبيعها بثمن بخس، فضلًا عن معاناة تلك البلدان من فقدان الموائل بسبب الزراعة المكثفة، التي يُعَد الاستخدام الكبير للمبيدات الحشرية أحد مكوناتها”.

12