صانع ألعاب الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط في طريقه إلى مصر

الأحد 2013/09/08
روبرت فورد.. الثعلب الأميركي

مشهدان سوريان

1. قَمَّرْت، الضاحية الشمالية تونس، سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، ينسحب من جلسات مؤتمر أصدقاء الشعب السوري المنعقد في 24 شباط – فبراير من العام 2012 احتجاجا على موقف الولايات المتحدة والغرب من عدم تسليح المعارضة السورية، وبعدما صرّحت هيلاري كيلنتون وزيرة الخارجية الأميركية بأنها ستقدّم مبلغ عشرة ملايين دولار للشعب السوري، قائلا: إنكم كمن يسمّن الضحية قبل تسليمها للأسد كي يذبحها!

2. تركيا، صباح إسطنبول الأقرب في برودة هوائه الصيفي إلى صباحات دمشق، يونيو – حزيران 2012 في الأيام التالية لخروجه من سوريا، بعد تهديد حياته من مخابرات وشبيحة الأسد، يقف إلى جواري في مصعد الفندق، شخص يبتسم بودّ، وقد عرفت من هو، ولكن فضلتُ الصمت، لحظات وإذا به يبادر إلى التعارف: (مرحبا، أنا روبرت فورد، يمكنك أن تناديني روبرت) دعوته إلى مشاركتي الإفطار، وجلسنا وحيدين على طاولة كبيرة، اخترتها بعناية، تحسّبا للقادمين الذين قدّرت أنهم سيكونون كثرا بعد قليل.

لم ألتق السفير الأميركي لدى سوريا، روبرت فورد، في دمشق، وكانت لتجربتي مع سابقيه من صنّاع العلاقات السورية الأميركية، مسيرة مضطربة، بعضها كان إيجابيا وجلّها كان حذرا مواربا، بدأها إصرار محموم من ستيف سيش الرجل الخطر الذي شغل منصب الملحق الثقافي في سفارة الولايات المتحدة في دمشق، قبل مجيء فورد بسنوات، على الحصول على معلومات تتعلق بفيلمي الوثائقي الذي أنجزته مع المخرج السوري القدير نبيل المالح (أسامة بن لادن في سوريا)، في العام 2001 بعد استهداف الأبراج الأميركية في نيويورك بأسابيع قليلة، والذي صورناه في بيت من بيوت أسامة بن لادن في اللاذقية، وكشفت وقتها ولأول مرة الأصل السوري لوالدته علياء غانم وزوجته الأولى نجوى غانم (أم عبدالله) من بنات قرية جبريون في ريف القرداحة، وتحدثت فيه عن العشرين عاما الأولى من حياته التي قضاها أسامة في اللاذقية، وتأثّره الكبير بالمناخ المحيط، وحاولت فيه وقتها إثبات علاقة ما تحت السطح، ما بين نشأة ابن لادن في الكنف الساحلي السوري، في نهاية الستينات وحتى أواسط السبعينات، وتحوّلاته الفكرية المتطرفة، ومن ثم الحبل المتين الخفي الذي يربط نظام بشار الأسد بالقاعدة في العراق وفي كل مكان، وقد صودر الفيلم ومنع من العرض، بإرادة مخابراتية مشتركة سورية أميركية، ولكننا سربنا مقاطع منه وأخبارا ومعلومات إلى وكالة الصحافة الفرنسية ومدير مكتبها في دمشق الصحفي الشجاع ماهر شميطلي الذي تعرّض للتضييق والطرد من دمشق بعد ذلك بفترة وجيزة.

بعد ذلك بعشر سنين هي عمر حكم بشار الأسد المستقر بقبضة الفولاذ والنار على هدي سلفه حافظ الأسد، وبعد تفجّر الثورة السورية في معظم المدن والأرياف، كان المشهد الدرامي الكبير الذي رافق قراره بالذهاب إلى حماة لمعاينة المظاهرات بنفسه، والتأكد إن كانت مسلّحة أم لا، ودخول روبرت فورد بسيارته بين مئات آلاف السوريين من السلميين، الذي لم يتركوا في محلات الورد وردة تشترى، كي يبعثوا برسالة إلى العالم، (نحن سلميون، ثرنا ضد الأسد ونريد الحرية فقط)، ثم زيارته لمنطقة جسر الشغور التي نظمها له نظام بشار الأسد ليثبت أن جنوده قد راحوا ضحية هجوم مسلّح وليس سلميا من المعارضة، ثم زياراته للسياسيين السوريين المعارضين، ومكاتب الأحزاب التقليدية، وبيوت الناشطين، وتحدّيه للقبضة الأمنية بعيادة الرسام السوري علي فرزات في بيته بعد تعرّضه للضرب وتكسير الأصابع ومحاولة القتل على يد أشباح بشار… وبعد أن اعتقد هو.. والعالم أن هذا الرجل الشجاع، كما قالت لي هيلاري كيلتنون وزيرة الخارجية الأميركية، وكما كرّر جيفري فيلتمان ذاته في أحاديث رسمية وجانبية على هامش مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في تونس، رجل يستحق التقدير لشجاعته في تحدّي بشار الأسد.

في إسطنبول، حيث كانت تستعد المعارضة السورية لعقد مؤتمر كبير في القاهرة يضم جميع أطيافها في مساعيها لتوحيد صفوفها، بدأ توافد بعض المعارضين السوريين، المولّهين بصورة فورد الشجاع، (مرحبا سعادة السفير…أنا فلان) (مستر أمباسادور…أنا رئيس المنظمة الـ …) (سيد فورد يشرّفنا الجلوس معكم إن كان لديكم وقت…) قليلون منهم فضّلوا أن تكون علاقتهم مع الرجل القوي أكثر توازنا، وكان منهم رجال استمرّت علاقتهم متوترة مع فورد بسبب اختيارهم حفظ تاريخهم ومكانتهم، وبدأت الحوارات على الطاولة، على الإفطار ثم الغداء.. ثم في الأروقة، ثم في الغرف وأجنحة الفندق، وكان فورد مستمتعا، مندفعا هو الآخر إلى الدور الذي رسمه لنفسه ورسمته له دوائر القرار الأميركي في واشنطن، لاعبا بين اللاعبين، ومشرفا على اللعبة، ولم يكن غريبا وقتها سؤال فورد في إحدى الجلسات السريّة: إذا أعطيناكم السلاح ومضادات الدروع والطائرات، هل ستضمنون عدم وصوله إلى الأيدي الخطأ؟! تعلمون أن هناك مسارات لطائرات مدنية فوق الأجواء السورية من كل دول العالم، وهناك إسرائيل، والعراق والأردن… ولبنان بوضعه الحسّاس… ثم السؤال: هل توافقون على أن نرسل خبراء أجانب على الأرض يشغّلون هذا السلاح لنضمن عدم تسرّبه؟ كان فورد يدرس المشهد في الخارج بعد أن درسه في الداخل، ويتعرّف أكثر بدوره على حجوم ومستويات المعارضين السوريين، بعضهم عرفه من سوريا، ونشأت بينه وبينهم علاقات مرتبكة، فاتهمه البعض بأنه كان وراء اعتقاله على يد المخابرات السورية بعد زيارة فورد لمخبئه في دمشق، وبعضهم اتهمه بالميل إلى عقلية تفكير هيئة التنسيق الوطنية، بسبب تفاهماته مع حسن عبدالعظيم وزيارته له في مكتبه خلف القصر العدلي في دمشق، بعضهم كان مطمئنا إلى صلته بسفير الدولة الأقوى في المنطقة، ومتيقنا من أنه صاحب الحصّة الأكبر في المكسب السياسي بفضل هذا، ولكن فورد كان يقارب ويباعد العلاقات حسب رؤيته، ورؤيته تلك بناها بالتأكيد على خلفية كبيرة من خبراته في المنطقة.

سفير في دمشق رغم أنف الكونغرس

ولد روبرت ستيفن فورد (Robert S. Ford) في العام 1958، في دنفر ونشأ في ميريلاند. وحصل على ماجستير في الآداب في العام 1983 من كلية بول نيتزه للدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز. و دخل (الخدمة) في العام 1985، مباشرا عمله الدبلوماسي الأول في أزمير ثم في القاهرة والجزائر العاصمة والبحرين في الفترة من 2001 حتى 2004، ثم اختير كمستشار سياسي للسفارة الأميركية في بغداد بعد احتلال العراق من 2004 حتى 2006، وأصبح فورد سريعا كبير مستشاري سلطة التحالف المؤقتة في العراق، وهو يتقن إلى جانب الانجليزية لغته الأم، العربية والألمانية والتركية والفرنسية كتابة وقراءة وتحدّثا.

وقد رشّحه الرئيس الجمهوري المحافظ جورج بوش الابن في 13 أبريل-نيسان 2006 ليكون سفيرا أميركيا في الجزائر، وفي العام 2010 رشحه الرئيس الديمقراطي أوباما كأول سفير للولايات المتحدة لدى سوريا بعد خمس سنوات من قطع العلاقات. وكان أوباما يعلم أن الكونجرس الأميركي لن يوافق على ترشيحه للذهاب إلى دمشق. وبعد مداولات فاشلة، استخدم الرئيس أوباما سلطاته في تعيين فورد مستغلا عطلة الكونغرس ليرغم الأعضاء على القرار. وبعد انطلاق الثورة السورية، وتصرفات فورد (المميزة) أكد مجلس الشيوخ تعيين فورد بالإجماع في 3 أكتوبر-تشرين الأول 2011، وتحرّر فورد بذلك من قرار أوباما الذي اتخّذ في العطلة، وبات يشغل منصب السفير الأميركي في سوريا حتى قرار رئاسي أميركي جديد.

نهوض سنّي

نظر فورد إلى المشهد السوري، متأثرا بما رآه في العراق والجزائر، متصوّرا أن ثورة السوريين، هي نهوض (سنّي) يطابق التناقض العراقي، محمولا بالضرورة على جسور من الإسلام السياسي كما حصل في الجزائر، وأنه يجب العمل على ضبط هذا النهوض المذهبي وسبكه، كي لا يتمرّد ويتحوّل إلى صراعات بدائية كما حصل في حركة المقاومة العراقية التي بدأها المدنيون من بقايا البعثيين، ثم وصلت إلى ما وصلت إليه تحت قيادة أبي مصعب الزرقاوي وخلفائه.

روبرت فورد
* شغل منصب نائب سفير في البحرين ما بين عامي 2001 و2004

*عمل سفيرا بالجزائر ما بين عامي 2006 و2008

* كان أحد المستشارين السياسيين بالسفارة الأميركية في العاصمة العراقية بغداد ما بين عامي 2004 و2006.

* اختاره أوباما سفيرا للولايات المتحدة لدى سوريا عام 2010.

* عمل في بداياته بالبعثات الدبلوماسية بالقاهرة وتركيا والجزائر والكاميرون .

* يتحدث خلافا للإنجليزية لغته الأم، الألمانية والفرنسية والعربية والتركية بطلاقة.

* قام بزيارة مدينة حماة المعقل الرئيسي للإخوان المسلمين بسوريا في يوليو 2011 دون رغبة الحكومة السورية إبان التمرد الجاري في سوريا والتقى ببعض قادة الميلشيات الإسلامية.

* يقول مراقبون إن خبراته في التعامل مع تيارات الإسلام السياسي في الجزائر والعراق وسوريا كانت العامل الأول لاختياره للعمل في مصر بعد فشل السفيرة الأميركية آن باترسون.

لكن البيئة السورية، مختلفة ومعقّدة، ورغم ذلك فلم يكن من السهل إقناع فورد باختلاف المعطيات، فالخطر الذي يريد سفير الدولة العظمى حماية الشعب السوري منه هو (اضطهاد الأقليات) وهو مسكون بهذا الهاجس، إلى حدّ بعيد، إلى درجة أنه صنع لنفسه مشهده الخاص، وركّبه بعناية فائقة، كي يطابق ما في ذهنه عن سوريا. فقد كان من البداية ضد عمل المجلس الوطني السوري، وقد خرج من سوريا حاملا معه حساسية كبيرة تجاه المجلس. ورأى أنه غير مفيد للسوريين، وأن على السوريين تغييره أو التخلّص منه والانتقال فورا إلى ما تم الاتفاق عليه في (جنيف1). ولم يُخفِ شيئا من هذا، فقد قاله من على منبر مؤتمر المعارضة السورية الموسّع والوحيد حتى الآن في القاهرة في تموز 2012. وكان أول المطالبين بتشكيل حكومة وحدة وطنية مشكلة من المعارضة والنظام. ولكنه كان مخلصا في التزامه برؤيته، فهو مصرّ على حقن دماء السوريين، ولكن على طريقته هو، التي ترى في المعارضة السورية طيفا من المتطرفين، يهدّدون المستقبل الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، وبالتالي فعلى الولايات المتحدة العمل على تكريس مشروع توحيد المعارضة كلّ لحظة. وكان قد همس في إسطنبول قبل السفر إلى القاهرة، بأنه من الأفضل الوصول إلى جسم سياسي ينبثق عن مؤتمر المعارضة يمكن أن يحلّ محل المجلس الوطني السوري. وأوصى الوفود الذاهبة إلى القاهرة بأن تطرح هذا المشروع، وهو ما كان، فقد تمت التوصية بإنشاء لجنة متابعة منبثقة عن المؤتمر، مشكّلة من كل أطياف المعارضة، يكون على عاتقها تنفيذ مقررات المؤتمر التي مثلتها وثيقتا العهد الوطني والمرحلة الانتقالية، وهما حتى اللحظة أفضل ما توصّلت إليه المعارضة السورية، من توافق يرسم المستقبل بمساهمة جميع الممثلين وتوقيعهم. ولكن فكرة فورد وُوجهت برفض المجلس الوطني، وصارت تحت ضغطه مطلبا عاما، بحيث بتّ تسمع مفردة (لجنة) في كل حوار يدور بين أي اثنين في أروقة الفندق القاهري، في التجمّع الخامس، حتى أن نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية قال في اجتماع خاص ضمّه مع مجموعة من رجال الأعمال السوريين، وكنت أنا من اتفق معه عليه، لتكريس الحضور السوري ورفده بثقل اقتصادي يعطي صورة خاصة بلغة يفهمها الدبلوماسيون (لابدّ من تشكيل لجنة منبثقة عن المؤتمر….الله…! أمّال مين اللي هيحاور النظام؟!). وكانت حرفية نبيل العربي المنفلتة، وتوقيتها في أواسط العام 2012 في ذروة تقدّم الثورة، هي جرس الإنذار الذي جعلنا ننزل أدراج مكتبه لتحذير قيادات التيارات والأحزاب بأن المشروع ذاهب إلى عكس ما ورد في وثائقكم من رفض للتواصل مع بشار الأسد ونظامه الأمني، وأن هناك فكرة بتكليف اللجنة بـ (محاورة النظام).

مؤتمر القاهرة

أصرّ فورد على مشروعه (توحيد المعارضة السورية بتفكيكها). واعتمد الصبر لتطبيقه وتحمّل الضغط والعناد الرافض لأي جسم سياسي جديد، في الوقت الذي سلّم بنفسه الوفد الكردي أربع نقاط مكتوبة، تقول إنه عليهم ألا يحلموا بتطبيق ما فعله السيد البارزاني في كردستان العراق، وأن عليهم أن يكسبوا من الطرف العربي ما يمكّن الهوية الكردية، وأن الحصول على إدارة محلية في المناطق الكردية أمر ممتاز في المناخ السوري الحالي. وظهرت مشكلة التحفّظ الخطّي الذي أبداه ممثّل الهيئة العامة للثورة السورية وممثل تيار التغيير حول مفردة (شعب) و(قومية) في وثائق القاهرة، والتي أدّت إلى انسحاب المجلس الوطني الكردي من المؤتمر قبل اختتامه بدقائق. وجرت محاولات في غرفة مغلقة لإقناع الأكراد بالعودة، وطبعا كان فورد حاضرا دونا عن بقية السفراء الأجانب، ولكن المحاولات فشلت، رغم ضغط فورد على الجميع، واختتم المؤتمر بلا الكرد السوريين.

وخرج فورد جريحا من مؤتمر القاهرة، ولكنه لم يستسلم، فقد أوكل إلى معهد بروكينغز في الدوحة، بعقد ورشة عمل في القاهرة، تضم مختلف تيارات المعارضة لمناقشة (توحيد المعارضة) وقد عقدت برعاية الجامعة العربية واللجنة الوزارية العربية المكلفة بمتابعة الشأن السوري، وحصل فورد من تلك الورشة على ما يريد، بـتأسيس نواة للجنة سياسية، من ممثلين عن الأحزاب السورية والمجلس الوطني السوري والمنبر الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي والجيش الحر والحراك الثوري والمنظمة التركمانية السورية وحتى هيئة التنسيق.

تابع فورد عناده في إدارة شؤون اللجنة، وقد رفضت الجامعة العربية رعاية أعمالها، بناء على عدم ترحيب اللجنة الوزارية العربية، التي فهمت الهدف البعيد الذي يرسمه فورد وينوي الوصول تدريجيا إليه، وقد تمّت رعايتها ماليا وإداريا من قبل تيار بناة المستقبل المؤسسة الأهلية السورية غير السياسية، وافتتح مكتبها في القاهرة وزاره دبلوماسيون أوروبيون لمتابعة كيفية عمل لجنة المعارضة السورية وما الذي تناقشه وما هي المشاريع المطروحة، ورفضت أطراف كثيرة في اللجنة تدخلات فورد، وتوجيهه لها، وكان ذلك الرفض موثقا خطّيا، فلا يعقل أن (يدير موظّف في الخارجية الأميركية مستقبل سوريا!).

وربما تكشف الأيام تلك التفاصيل في الوقت المناسب، لأن التناقضات التي شابت عمل اللجنة قدّمت لفورد ما أراد، فكانت الماكيت المطلوب تماما، توحيد قسريّ لأطياف متناقضة، ومراقبة كيف ستنهار جميع الاتفاقات وسط تنافر الأطراف العربية والإقليمية والدولية الداعمة لكل طرف منها، فسارع فورد بحمل المشروع ونتائجه إلى إدارته في واشنطن، التي تلقفت المشروع وأمرت بتحويله إلى صورته الموسّعة عبر ما أطلق عليه (مبادرة رياض سيف) حيث أقدمت عواصم المنطقة على التهليل والترحيب بها، باعتبارها الوصفة السحرية لمعضلة توحيد أطراف المعارضة السورية، وكانت المعلومات التي وزّعت سرّا على قيادات المعارضة السورية هي التالية: (سيعقد اجتماع في العاصمة القطرية الدوحة، تجرى فيه انتخابات المجلس الوطني السوري، لانتخاب قيادة جديدة، ثم يجري تشييع المجلس الوطني والاجتماع في اليوم التالي لإعلان تبني مبادرة رياض سيف وإعلان حكومة!).

وفي الدوحة، كان على روبرت فورد أن يزهو بمنجزه، فقد تمكّن من جمع أطراف المعارضة السورية على الطريقة التي يراها هو بها، فكان بين الحاضرين شيوخ ورجال دين، قدّم إليهم الدعوة فورد بنفسه، رغم تحفظاته المستمرة عل الطابع الإسلامي للمجلس الوطني السوري، وعدد من الممثلين الذين قيل عنهم إنهم رؤساء المجالس المحلية في المناطق السورية، ولم يكن صعبا أن يسرّ لك أحد السفراء الأوروبيين من غير الراضين عن أداء فورد وهيمنته على الملف السوري، بأن هؤلاء تم جمعهم بزيارات مكوكية على طول الحدود السورية التركية والمناطق المحررة السورية، كلّف بها فورد السفير الفرنسي إيريك شوفالييه، بالإضافة إلى عدد من الناشطين، والشخصيات (الوطنية) المستقلة.

مبادرة رياض سيف

قاوم المجلس الوطني السوري، مبادرة رياض سيف، وأصرّ على وضع نقاط هامة وحساسة في المفاوضات في وثائقها، أهمها رفض الحوار مع النظام بكل أجهزته، وتثبيت وثائق القاهرة المتفق عليها أصلا، وعلى أن يكون المآل النهائي هو انتصار الثورة وليس (حلا) سياسيا ما! فقد طرح فورد معادلة (النصر أو الحل) أمام المعضلة السورية في مناقشات تأسيس الائتلاف، الذي ضم ممثلي المجلس وبقية الأطياف.

وكان فرح فورد كبيرا حين تم انتخاب إمام مسجد وشيخ إسلامي رئيسا للائتلاف! فها قد بدأت رؤيته الأولى لتطابق الحالات السورية العراقية الجزائرية بالتحقق، في الوقت الذي ضرب السفير شوفالييه على رأسه مندهشا: كيف يكون إسلامي زعيما للمعارضة السورية! بعد كل ما حاولناه من مقاومة الوجه الإسلامي للمجلس الوطني؟ ويتابع فورد جهوده في تغيير ملامح الصراع من أجل الحرية في سوريا، عبر فلسفة ثابتة تقول إن الإسلاميين باتوا على الأبواب، بينما لا يستذكر سفير الولايات المتحدة، أن دعم الثورة المدنية السورية كان مطلبا سوريا في البداية، قبل وصول الإسلاميين والجهاديين، وأن من عرقله ومنع وصوله بكل وسائل وأشكال الضغط على طول المنطقة، تركيا والسعودية والخليج، لم يكن سوى فورد ذاته ومن خلفه إدارته التي تستقبل تقاريره باحترام شديد. بينما كان نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية يتحدّث على هامش المؤتمر في جلسة خاصة عن أنه لا بد من (Table) (طاولة) وأن كل نزاع في الأرض يجب أن ينتقل إلى طاولة المفاوضات وفي النهاية لابد لكم من محاورة النظام، وحين سألته: اليوم استطعتم أن تجبروا المعارضة السورية على القدوم إلى الدوحة وتوقيع اتفاق تأسيس الائتلاف…فكيف ستقنعون بشار الأسد بالقدوم إلى "التايبل" التي تتحدث عنها؟! قال واثقا: لست أنا من سيأتي به، بل لافروف!

مصالح الولايات المتّحدة

حصل فورد على جوائز دولة عديدة تقديرا لدوره في مناصبه التي شغلها من قبل، في العام 2005 تم منحه جائزة جيمس كليمنت دان للأعمال المتميزة في الخدمة الخارجية وثلاث جوائز شرف عليا وجائزتين منجوائز الشرف الاستحقاق. وفي العام 2012 رأينا فورد يقلّد جائزة الشجاعة لعمله كسفير الولايات المتحدة في سوريا وسط (التهديدات المتكررة لحياته) حيث كان يقوم بما وصفها بأنها رحلات متعددة إلى جميع أنحاء العالم وسوريا لتشجيع المتظاهرين السلميين المستهدفين من قبل حملة الأسد الوحشية ودعمهم. رغم استجواب الكونغرس الأميركي له عن جدوى دوره في الملف السوري، والمشادة الكلامية التي وقعت بينه وبين السيناتور جون ماكين، الذي قال له أمام الملأ: (ما الفائدة من تعيينك في هذا الملف؟) فأجاب بأنه (ليس عسكريا بل اقتصادي)، فقال ماكين: (إذا على الخارجية الأميركية البحث عن وظيفة مناسبة لك في مجال الاقتصاد). ويمثّل فورد اتجاها خطرا وقويا في الإدارة الأميركية (عابر للحزبية ومتجاوز لتناقضات الديمقراطيين والجمهوريين) يعتدّ بالاستقرار الذي تحقّق في عهد الأسدين الأب والابن، بعد مصادقة الولايات المتحدة على حكمهما، الأول عبر تاريخ طويل من اللقاءات والزيارات والتفويض في ملفات مختلفة مثل الملف اللبناني وملف منظمة التحرير وتفكيكها، والثاني (بشار) عبر تتويجه العلني في زيارة خاطفة قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، واجتماع مغلق استمر نصف ساعة مع بشار الأسد في جنازة والده حافظ الأسد. ويرى هذا التيار المرتبط مباشرة مع مصالح حساسة في المنطقة، أن التغيير في سوريا، اضطراري، وليس خيارا أميركيا، وأنه لو كتب على الولايات المتحدة أن تتجرّع كأس تنحي بشار، فليكن بعد أن ترتّب حكما سوريّا جديدا لا يقصّر في أداء الدور الوظيفي السابق الذي دأب عليه نظام البعث والأسدين.

في آب – أغسطس، من هذا العام 2013، سرّبت صحيفة نيويورك تايمز أن وزير الخارجية جون كيري أوصى بتعيين روبرت فورد سفيرا للولايات المتحدة الأميركية في مصر، خلفا لـ (آن باترسون( ، حيث ستنتقل الرؤية (الفذّة) لفورد إلى المشهد المصري بعد نجاحه في خلقها في سوريا، واليوم ينتظر الرئيس أوباما نهاية عطلة الكونغرس ليقرر في شأن توجيه ضربة لنظام بشار الأسد الذي قصف الشعب بالكيميائي، معتمدا على وجهة نظر سفير عيّنه رغما عن الكونغرس الأميركي ذاته مستغلا عطلته قبل سنوات.

6