"صانع الحلقة" فيلم يبحر في الزمن السابق واللاحق

الاثنين 2015/02/16
الزمن يمثل في الفيلم إشكالية كبرى وتحديا موضوعيا للشخصيات

تدور أحداث فيلم “صانع الحلقة” للمخرج رايان جونسن، الذي يبحر بأبطال فيلمه بعيدا، في ذلك الفضاء المعقد والغريب الذي تتناهبه الأقدار المجهولة من جهة، وقوى الإجرام ونزعة الإنسان للقتل من جهة أخرى، فالعالم المستقبلي لن تنتهي فيه الجريمة المنظمة، بل ستتمظهر في مظاهر أخرى.

نحن في العام 2044، وثمة إنسان يشبه أيّ إنسان آخر هو “آبي” (الممثل جيف دانييلز)، قادم من المستقبل، وهو الذي يترأس منظمة كبيرة مجهولة تستخدم عنصر الزمن في التعامل مع ضحاياها، فالإنسان يكون قد توصّل إلى الحلقات التي توصله إلى الزمن الماضي، كما المستقبل.

ولهذا يتمّ التخلص من جثث الضحايا الذين تتمّ تصفيتهم بتحويلهم إلى ماضيهم، بوساطة من يطلق عليهم بصانعي الحلق، وسيكون “جو” (الممثل جوزيف جوردون ليفيت) هو أحد صناع الحلقة، فهو ينفذ عمليات قتل لأناس لا يعرفهم؛ يتمّ تحديد الزمان والمكان ويجد الضحية أمامه مكتوف اليدين ومغطى الوجه، فيجهز عليه برصاصة واحدة، وبعد قتله مباشرة يتمّ إرساله إلى الماضي من قبل صانع الحلقة نفسه، وذلك مقابل حصوله على سبيكة من الفضة، كأجر لعملية الاغتيال المنظمة.

ويسير عمل تلك المنظمة بدقة، إلى درجة أن أيّ إخلال في تنفيذ عملية الاغتيال سيتسبب في خلل جسيم في النظام، ويدفع المتسبب في الخطإ ثمنه باهظا، بأن يعذب ثمّ يقتل فورا، وهو ما يقع فعلا حين يتردّد صديق “جو” الحميم في تنفيذ إحدى العمليات، ليقوم بإخفائه، ولكن في النهاية يجـبر على تسليمه ليتـمّ القصـاص منه فورا.

الفيلم يقدم انتقالات رائعة في الأحداث والسرد الفيلمي والمونتاج والموسيقى وأداء الشخصيات التي أتت مشوقة

وبعد مدّة يقرر “جو” التقاعد من العمل ويعيش في شنغهاي، لينتهي به المطاف مفلسا ومدمنا على المخدرات فتنفد أمواله، ولكنه لن يكون في مأمن من المجموعة المشرفة على صانعي الحلقة الخمسة الرئيسيين، ولهذا يلاحقونه، ولكنهم لا يفلحون في الإمساك به منذ الوهلة الأولى.

يقتلون المرأة التي أحبها، ثم يقبض عليه مجددا ويرسل إلى القتل، ولكن من سيقتله سيكون هو نفسه في نسخته شابا، وما إن يهمّ “جو” الشاب بإطلاق الرصاصة، حتى يتمكن “جو” الكهل (الممثل بروس وليس) من الهرب، لتبدأ سلسلة من التداعيات السردية في الزمن والانتقالات الرائعة -في الأحداث والسرد الفيلمي والمونتاج والموسيقى وأداء الشخصيات- التي كانت متقنة وعلى درجة عالية من البراعة والتشويق.

تحوم في الأجواء خلال ذلك مقولة “صانع المطر”، الذي يجري الحذر منه والبحث عنه، فهو إذا ظهر فإنه سيقضي على صانعي الحلقة الخمسة، وينهي هذه الدورة الزمنية التي كانت تفتك بالناس، ولهذا يتحسب صانعو الحلقة من الأمر وهم ينشرون كاميرات المراقبة والرصد في كل مكان، فكل شيء كان تحت تصرفهم من خلال “آبي” القادم من المستقبل بأدائه الرائع والعفوي وغير المتكلف.

يبحث “جو” الشاب عن نفسه، وهو مسن في حقول الذرة الشاسعة، ليلتقي هناك بـ”سارا” (الممثلة إيميلي بلونت) المرأة التي تعيش في منزل منعزل وسط أرض زراعية شاسعة، صحبة طفلها ذي التسعة أعوام، وتكتشف مباشرة أن “جو” ما هو إلاّ صانع حلقة، ويضطرّ هو إلى الإفصاح عن حقيقة أنه هنا بانتظار قدوم خصمه، وهو نفسه، وهو مسن، فضلا عن ملاحقة “آبي” وجماعته له.

وبالفعل يحضر هؤلاء، ولكن ما لم يكن في الحسبان، هو ظهور تلك القدرة الخارقة للطفل في تحريك الأشياء، وفي رجل العصابة الباحث عن “جو” من إلحاق أيّ أذى به، ويتأكد ساعتها أن هذا الطفل إن هو إلاّ “صانع المطر” المدعوم بقوة خارقة قادرة على تحطيم السلسلة.

لكي يوقف "جو" النظام كله، وفي لحظة المواجهة الحاسمة مع نفسه كهلا، فإنه بدل أن يقتل شخصية المسن، فإنه يقتل نفسه شابا من أجل إنهاء المأساة

تتحقق المواجهة الأخيرة عبر مزارع الذرة الشاسعة، وبعد أن يطلب “جو” من “سارا” أن ترحل بعيدا عن المكان صحبة طفلها، لأن الكارثة قادمة لا محالة، وهي في طريقها للهرب يقف أمامها “جو” المسن الذي يبادرها بـإطلاق الرصاص، ولكن الطفل يغيّر كل شيء.

تنقلب السيارة المسرعة، وينجو هو وأمه ويهربان إلى حقول الذرة، لتقع مواجهة أخرى بين الثلاثة؛ “جو” شابا ومسنا من جهة، و”كيد بلو” أحد أخلص أتباع “آبي”، لتنتهي بمقتل هذا الأخير.

ولكي يوقف “جو” النظام كله، وفي لحظة المواجهة الحاسمة مع نفسه كهلا، فإنه بدل أن يقتل شخصية المسن، فإنه يقتل نفسه شابا من أجل إنهاء المأساة في سيطرة صانعي الحلقة على النظام الكوني من جهة، ومن أجل الحفاظ على “رجل المطر” وحبا في “سارة” التي فدت ابنها بنفسها من جهة أخرى، ليعبر هو عن تلك اللحظات الحاسمة في الحياة، وهو يفارقها ويشهد معنى بقاء تلك العاطفة العجيبة، أن تفدي الأم نفسها من أجل أن يحيا طفلها بسلام.

16