صباح التي رحلت، أغنيتها دعوة إلى الحياة

الخميس 2014/11/27

رحلت صباح الشحرورة اللبنانية العربية كغيرها، المطربة صباح رحلت تحت حمولة سبع وثمانين سنة، ذلك هو عمرها الزمني، سوى أن صباح الشحرورة مدت في عمرها الآخر، عمرها الفني الذي لا يقاس بالمفهوم الزمني، كما هو صوت الشحرورة وألفة الوادي ومكونات الوادي اللبناني وفي الجوار، أي حيث تحضر الطبيعة تنوعا وإبداع ألوان وأصوات.

كان الرحيل فجرا، وللشحرورة، الطائر المتأجج بالألوان الحارة والباردة، طقوس خاصة مأخوذة بنداوة الفجر وصحوة الشمس، والابتسامة التي لازمتها حتى اللحظة الأخيرة من حياتها، كما لو أنها الدمغة المنغمة والتي تخللت كلماتها ذات الطرب. رحلت كما رحل الكبار: ناظم الغزالي، أسمهان، أم كلثوم، عبدالحليم حافظ، محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش، دلال الشمالي، نصري شمس الدين ووديع الصافي، الخ.. ما الذي حفّزني على الكتابة عن الشحرورة صباح؟ إنه الصوت الشحروري بالذات، حيث يتردّد صدى أغاني “أكلك منين يا بطة، ويانا يانا، وعالضيعة، وسلمولي على مصر، الخ..”.

صباح كمطربة لافتة بصوتها الخاص، كانت أكبر من الميكروفون ومن الأجهزة التي يزعم عن أنها تتحكم في الصوت، كانت تقابل ذواقي صوتها من المعنيين بالفن الفعلي، من جمهورها مباشرة، خلاف ما هو جار اليوم بشكل كامل تقريبا، وما يعنيه هذا الصعود المعكوس في الهبوط بالفن كثيرا.

كانت صباح الشحرورة والمطربة حقا، وعلى مدى أكثر من ستين عاما تغني وتعيش ألق الصوت الخاص بها، ليكون الصوت الصباحي هو الصوت الذي يشير إلى صباح الاسم الفني “وليس جانيت، رغم أن جانيت تصلنا بالخفي، بالعميق معنى”، أنّى غنّت أو توجهت، وتلك علامة فارقة لا يمكنها أن تبلى مع الزمن.

في مكاشفة علاقة صباح الشحرورة بخاصية الصوت الطروب، ثمة المعايشة الروحية، حيث الصوت “المفلتر” بقياس صباحي، كما لو أن صباح تعيش ذاتها، وتتحرك مع الموسيقى صحبة الكلمات المنتقاة، وهي لا تنفك تعلمنا بخفة روحها وبعمقها وشفافيتها، وإمكان التعايش مع أيّة أغنية دون شعور بالندم أو خجل أو خوف من تعليق يتعلق بنوعية المغنّى بالتأكيد.

في صوت الشحرورة صباح ثمة عمر شاهد على أجيال وتحوّلات ومقامات، ثمة استقطاب أزمنة فعلية وفنية وانهمامات من المطربين والمطربات، وهي لا تنفك تبحث عن المزيد من دفق الصوت الينبوعي ونشوة البحة وتموجات اللحن وتوحّده مع صوتها، أو حين يكون صوتها المأهول بطرب واف.

ليس مبالغة، إمكان تعقب هذه المسيرة الأثيرة الصباحية على مدى عقود زمنية، وهي تعيش مع كلمات مؤلفين وموسيقى ملحنين كبار من العرب، ورؤية المفارقات في الواقع ومستجداته، وكيف أنها كانت تعيش عصرها المديد، لتعيش عمرا آخر، كما هو شأن الإبداع غالبا.

صباح الجامعة بين الشحرورة الطائر الشجري والأليف والمحلّق عاليا ودانيا، عاشت بروحها لبنانيتها البلد الطروب رغم فجائع عقوده الزمنية، عاشت محليتها الرحبة، وبالكاد خرجت من هذه الدائرة المفتوحة، ولديها إيمان مفتوح وهو أن الغوص في أوقيانوس المحلية انبناءٌ واعد باللاتناهي في الأصالة.

وذلك هو الفارق الكبير بين الباحث عن شهرة مزعومة من خلال التطفل على كلمات محنطة وموسيقى مرقعة، يغيب عنها الطرب، والذي يعيش حرارة المكان، وخاصية مسقط الرأس والبلد وشعب البلد والخميرة الإبداعية التي تتكفل بمنحه ما يؤهله لأن يكون اسما على مسمى.

صباح الشحرورة التي أسلمت القيادة لروحها اتفاقا ما، فجرا، وأقرب إلى الغفوة، كما هي هدأة طلة الصباح ورونقه اللبناني، رحلت ولم ترحل، وسوف يكون هناك من يعيشون روحها الطروب، رغم ألم المعيش، لكن صوتها يعد بالمواساة، ونشدان حياة لا تفوّت تاليا، مع صباح مستمر لا يغيّبه ليل.


كاتب من سوريا

16