صباح الحب يا تونس

لا عجب أن تكون ثورة الياسمين هي الثورة الوحيدة التي نجحت في ربيع عربي ابتدأ وانتهى عند ثورة الياسمين.. فهذا ما لا يمكن أن يحدث إلا في تونس!
الأربعاء 2018/04/18
تونس الحب والورد والعصافير

لأنني أحب السفر جدا ولأن كلمة سفر عندي بعينها كلمة سحرية فإنني نادرا ما أعتذر عن رحلة!.. ولأن سياحتي الحقيقية هي السياحة الثقافية والشعرية.. فإن المشاركة في مهرجان شعري أو مؤتمر ثقافي هي أهم عندي من كل ما عداها.. فهناك أستطيع أن أنهل مما أحب وأنا أشنف أسماعي لحروف القصيد.. وأشارك في الحلقات النقدية والمحاضرات الأدبية والفكرية.. فهي هوسي الحقيقي الذي لا غنى لي عنه ولا يشبهه أي هوس.. وهناك أستطيع أن أجد الأصدقاء الحقيقيين الذين تشبه لغتهم لغتي ومعهم تتناغم أفكارنا واهتماماتنا فتكون للسفر عندي عشرون فائدة ناهيك عن الاسترخاء وتغيير الأجواء وتنشق نسيمات الفرح..

جوع العين الذي تشبعه المشاهد الجديدة وجوع الفكر الذي تثريه الأفكار الجديدة والمعلومات الجديدة إنما تتجلى في ملتقيات من هذا النوع.. ولا أجمل وأروع من التجارب الحياتية الإنسانية التي تغنيها تلك الأيام القصار التي يتضمنها مؤتمر أو مهرجان أو ملتقى أو تظاهرة ثقافية.. فالإنسان هو العنصر الأهم والأغنى الذي لا يمكن أن يكون حاضرا في سفرة سياحية عابرة.. في حين تصبح لقاءات من ذلك النوع فرصة حقيقية للقاء بشر مميز بفكره وعلمه وإبداعه.. فتتنامى علاقات إنسانية حقيقية قد تدوم عمرا.. وقد تتكشف أقنعة لامعة عن وجوه سيئة.. تماما مثلما هي رحلة الحياة..

أفكر بكل هذه التفاصيل وأنا أهمّ بتهيئة حقيبتي الصغيرة التي تضم بعضا من كتبي وقصائدي وأشيائي الصغيرات من أجل المشاركة في ملتقى عليسة الدولي للمبدعات.. تلبية لدعوة جمعية تونس للإبداع والسياحة الثقافية بالتعاون مع بيت الشعر التونسي.. ولأنني أعشق تونس منذ نعومة روحي وحتى آخر الثورات.. فقد كنت أطير وأتقافز فرحا وانفعالا وأنا أستعد لرحلتي إليها بعد فراق سنين وكأنني ألتقي معشوقا طال إليه شغفي وتوقي..

كان الفضول يسبق خطوي وأنا أطأ أرض تونس بعد كل ذلك الغياب.. فكيف سأراها وكيف ستراني؟ هل كبرَتْ؟ وهل كبرْتُ؟.. هل مازالت عصافيرها وورودها وعبق الحب فيها نابضا كما ألفتـُهُ ذات لقاء؟.. كيف هم صديقاتي وأصدقائي وأهلي فيها؟.. هل أتعبتهم الثورة وأخذت من عافيتهم مثلما أخذت من أعمارنا الحروب؟

من لي أن أحدثكم عن الشوق حين يجتاح الروح والجسد ويرتوي بعد فراق!.. يا إلهي!.. الابتسامة تزهر في قلبي وترفرف في جوانحي العصافير وتغسل روحي رائحة البحر ممزوجة برائحة الفل البلدي.. لعل ملامحي تغيرت بعض الشيء.. ولكن ملامح تونس مازالت نضرة شابة مؤتلقة..

يأخذني انشغالي بتونس عن تونس.. وأنا أمر بالأيام القصار هناك.. لأجد ملتقى عليسة للمبدعات ينجح نجاحا باهرا.. ومعرض الكتاب يثلج صدري بحضوره وفعالياته وبشره الجميل.. وأجد أصدقائي الشعراء والفنانين بخير وأهلهم بخير وبلدهم بألف خير..

ولا عجب أن تكون ثورة الياسمين هي الثورة الوحيدة التي نجحت في ربيع عربي ابتدأ وانتهى عند ثورة الياسمين..

فهذا ما لا يمكن أن يحدث إلا في تونس!

أستعير حروف نزار قباني التي أحسها محفورة في داخلي مثل شعار أبدي أو مثل تميمة حظ مباركة أتمتم بها إذ ألج باب تونس وإذ أهم بمغادرتها على أمل عودة قريبة.. فأقول لنفسي “يا تونس الخضراء جئتكِ عاشقا.. وعلى جبيني وردة ٌوكتابُ”..

مبارك لك الأمل يا تونس الحب والورد والعصافير..

21