صباح الخير حرام

الأحد 2015/04/26

في صغرنا تعلمنا أشياء كثيرة تآكلت بمرور السنوات.. فضائلنا أصبحت رذائل.. إيجابياتنا تحولت إلى سلبيات..

فقدنا ثقافة الاعتذار وحلت مكانها مفردات البلطجة والصوت العالي.. كراسات المدارس في الستينات تميزت بتعليمات وإرشادات نشأنا عليها مثل “العمل عبادة” و”النظافة من الإيمان” و”لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد”.. تبخرت الحسنات واكتسبنا السيئات.. الغريب أن ما تعودنا عليه من كلمات الاحترام للكبير والرأفة بالصغير والابتسامة في وجه الناس كلها خرجت على المعاش..

كنا نقول “آسف” إذا أخطأنا.. والآن استبدلناها بـ”فتّح عينك يا حمار”.. حكاية أن العمل شرف وعبادة تحولت هي الأخرى إلى مصطلحات غريبة تعكس حياة المصريين الذين أصبحوا يميلون إلى المكسب السهل..

وهكذا ظهرت تعبيرات “خد الفلوس واجري” أو “سنلعب قرشين حلوين” أو “عندي سبوبة سريعة”.. حتى الفنانين استحدثوا كلمة عن اشتراكهم في أعمال صغيرة أو مسلسلات درجة ثانية فيقولون لك عندي “نحتة ” و”النحتة” تعني آلاف الجنيهات. أما “الوجبة” فتعني الملايين..

لم تكن هذه كلمات الممثلين العظماء حسين رياض ومحمود المليجي وزكي رستم وفريد شوقي الذين عاشوا وماتوا يتقاضون ملاليم بالنسبة إلى ما يتقاضاه عادل إمام الآن مثلا “40 مليون جنيه عن المسلسل القادم في رمضان”.

كان الجسد المصري بخير، سليما من كل الفيروسات الفكرية والبكتيريا العصرية التي لم نكتشف لها علاجا بعد..

ولعل أطرف ما في القاموس المصري من تغييرات ما طرأ على ألفاظ التحية التي اعتدناها ونحن صغار مثل “صباح الخير” أو “نهارك فل” أو “مساء الأنوار”.. هذه الألفاظ اللطيفة اختفت بعد وصول الإخوان المسلمين للحكم وحل محلها “السلام عليكم”.. فنحن دولة مسلمة ولا ينبغي أن نردد أيّ شيء آخر..

الأسبوع الماضي ذهبت لقضاء أمر ما في إحدى المصالح الحكومية.. الموظف المفروض أن ينهي الإجراءات معي. عصبي وكان عائدا من صلاة الظهر.. بادرته قائلا “صباح الخير”.. رماني بنظرة شزرا وقال “قصر.. عايز إيه” وهو تعبير ينم عن أنه ليس لديه وقت ليسمع منك.. ثم فجأة قال لي “أنتم في إجازة اليوم لأنه عيدكم لماذا حضرت”.. وقد تخيل أنني من الإخوة الأقباط الذين كانوا يحتفلون بعيدهم يومها..

أجبته يا سيدي أنا مسلم مثلك تماما فقال لماذا لا تقول السلام عليكم إذن.. أنت متعلم في الخارج أو ابن ذوات؟ أدركت ساعتها أن صباح الخير حرام أو مكروه.. خلاص بلاش منها!

24