صبا مبارك نجمة أردنية تبهر الشاشات العربية

مبارك ممثلة من طراز خاص لمع نجمها من ظهورها الأول فدخلت في عمق الدراما المحلية لكل بلد عربي متحدثة باللهجات المختلفة.
الخميس 2020/06/25
ممثلة ومنتجة جلبت شكسبير إلى الخيمة البدوية  

تكاد تكون الممثلة الأردنية الوحيدة التي ترحّلت بين مختلف الشاشات التلفزيوينة العربية. ذهبت أبعد من ذلك فدخلت في عمق الدراما المحلية لكل بلد عربي متحدثة باللهجات المختلفة. صبا مبارك التي ظن الكثيرون من الجمهور العربي أنها سورية بداية، ومصرية في ما بعد، وذلك بسبب أدوارها الكثيرة والمتنوعة في كل بلد، وهي التي رغم كل شهرتها العربية لم تخرج من جلدتها وبقيت تقدم عملا دراميا أردنيا بين الحين والآخر.

مبارك ليست من الفنانين الذين يصعدون شيئا فشيئا، وتتطور موهبتهم مع الأدوار المتتالية. بل هي ممثلة من طراز خاص، من أولئك الذين يلمع نجمهم من ظهورهم الأول، لذلك جذبت موهبتها كبار المخرجين السوريين، حين كانت الدراما السورية تعيش أيامها الذهبية.

الشريك شوقي الماجري

تشربت المهنة من صغرها، لأنها تكوّنت في بيت فني، فهي ابنة الفنانة والأديبة الراحلة حنان الآغا، وخالتها هي الممثلة القديرة هيفاء الآغا التي كانت عرابتها ومشجعتها الأولى. أخذت بيدها إلى فرصتها الأولى حتى قبل انتهاء دراستها الأكاديمية، فعام 1998 في المسلسل الأردني “قمر وسحر” الذي أخرجه حينها المخرج القدير محمد عزيزية، لكن العمل لم يعط مبارك الشهرة اللازمة، حيث أن المسلسلات الأردنية في ذلك الحين لم تكن منافسة عربيا، لذلك عملت الشابة الطموحة جاهدة للخروج من حدود وطنها الأردن واختارت البلد الأقرب، سوريا، ومنها بدأت بأدوار صغيرة هنا وهناك، مثل دورها في المسلسل الفنتازيا “الكواسر”، ودور آخر في المسلسل “شوق الرهف”.

لم تترك مبارك دراستها للمسرح في جامعة اليرموك في مدينة أربد الأردنية رغم خوضها العمل الدرامي التلفزيوني، وتخرجت عام 2001، لتنطلق رسميا في عالم الاحتراف وتؤدي أدوار البطولة المطلقة، إلى جانب كبار النجوم في الدراما السورية.

كانت البداية الحقيقية في المسلسل التاريخي الاجتماعي “الأرواح المهاجرة” تأليف قمر الزمان علوش، وإخراج المبدع الراحل التونسي شوقي الماجري الذي أصبح شريكا فنيا واجتماعيا لها في ما بعد، المسلسل نجح عربيا ولمع اسم مبارك جيدا، التي أثبتت للجميع أن هناك ممثلة شابة واعدة وبارعة وجدت مكانا لها في الصف الأمامي بالدراما السورية، شاركت كلا من عباس النوري والراحلة مي سكاف وجيانا عيد وغسان مسعود وغيرهم بطولة المسلسل المأخوذ فكرته من الأدب العالمي مثلما صرح صناع العمل.

الوردة الأخيرة

مبارك ليست من الفنانين الذين يصعدون شيئا فشيئا، وتتطور موهبتهم مع الأدوار المتتالية. ممثلة من طراز خاص، من أولئك الذين يلمع نجمهم في ظهورهم الأول، لذلك جذبت موهبتها كبار المخرجين السوريين.
مبارك ليست من الفنانين الذين يصعدون شيئا فشيئا، وتتطور موهبتهم مع الأدوار المتتالية. ممثلة من طراز خاص، من أولئك الذين يلمع نجمهم في ظهورهم الأول، لذلك جذبت موهبتها كبار المخرجين السوريين.

بعد “الأرواح المهاجرة” أخذت تطل بدورين أو أكثر في العام الواحد، كيف ولا وهي الفترة التي ازدهرت فيها الدراما السورية وتفوقت فيها على الدراما المصرية. كان عدد المسلسلات المنتجة في العام الواحد فيها كبيرا جدا مقارنة مع الوقت الحالي، وكان من أدوار المهمة حينها، دورها في المسلسل التاريخي “الحجاج” بطولة النجم عابد فهد، وعدد من الممثلين من جنسيات عربية مختلفة، أما القاسم المشترك في ما بينهم آنذاك فكان إتقان اللغة العربية الفصحى ببراعة.

يرى الكثير من النقاد والجمهور العربي المتابع، أن مسلسل “الشمس تشرق من جديد” عام 2005 كان مرحلة مفصلية في حياة مبارك الفنية، كون قصته تدور حول حياة “مرام” وهي الشخصية التي لعبتها مبارك، وشكل العمل بصمة خاصة ولامعة في تاريخ الدراما الاجتماعية السورية، ويكفي أن نقول إنه من إخراج الكبير هيثم حقي الذي تخرج على يده مخرجين كثر، وقصة المسلسل التي نسجتها الكاتبة أمل حنا المرتكزة على الأحداث المحيطة بشخصية مبارك، وليست قصة متشعبة تتناول أكثر من فرد أوعائلة، لذلك كان التركيز على أداء صبا كبيرا، وخصوصا أنها مثلت فترات حياتية مختلفة من سن المراهقة إلى مرحلة الأمومة.

أصبحت الشابة الأردنية، بعد ذلك، من أهل الدار في الدراما السورية، تقريبا كانت تشارك في العام الواحد بثلاثة أعمال وأحيانا أكثر من ذلك، مثلما فعلت عندما لعبت بطولة خمسة أعمال هم “خالد بن الوليد”، “دعاة على أبواب جهنم”، “صدى الروح”، “أهل الغرام، و”الوردة الأخيرة”،  وجميعها مسلسلات حققت نجاحا عربيا، وهي مختلفة عن بعضها البعض منها التاريخي والتراجيدي والاجتماعي أيضا.

مسلسل “الاجتياح” يعد من المحطات المهمة جدا في مسيرة مبارك الفنية، وهو العمل العربي الوحيد الحائز على جائزة الإيمي العالمية.

كانت أمام مبارك مهمة صعبة تبتعد عنها الكثير من الفنانات، وهي دخول الدراما البدوية من أوسع أبوابها وبطولة مطلقة وهي التي كانت تقيم في دمشق، واعتادت على اللهجات السورية المختلفة، لكن جذورها الأردنية ساعدتها بالنجاح في المسلسل الشهير “نمر بن عدوان”، إلى جانب الفنان الراحل ياسر المصري، الذي حققت معه شراكة فنية متعددة، جعلتهم يعيدون الكرة في العام التالي بمسلسل “عيون عليا”، الذي هو الآخر لقي نجاحا بين محبي الدراما البدوية، التي تقول عنها صبا في أحد لقاءاتها التلفزيونية إن أي ممثل يقع في غرامها، لن يستطيع الخروج منها ويبقى متعطشا لتقديم العمل تلو الآخر.

نجاح مبارك بإتقان اللهجة البدوية وتألقها بأدوارها، جعلاها الخيار الأول للمخرج المتميز حاتم علي في مسلسله البدوي الملحمي “صراع على الرمال” الذي كتب فكرته الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأنجز السيناريو والحوار له الكاتب السوري هاني السعدي، وكان من بطولة كوكبة من أشهر النجوم العرب أمثال تيم حسن  ومنى واصف وباسل خياط ونضال نجم ونادية عودة وغيرهم، وهذا العمل بالتحديد يعد الأشهر في الدراما البدوية على مر التاريخ.

من المحطات المهمة جدا في مسيرة مبارك الفنية مسلسل “الاجتياح” العمل العربي الوحيد الحائز على جائزة الإيمي العالمية، وقصة العمل الذي صوّرت مشاهده في أحياء مدينة دمشق، هي حول الحقبة التي دارت خلال الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية من حصار الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله، وحصار كنيسة المهد في بيت لحم ومجزرة جنين، وهو من أهم إنتاجات الدراما العربية ككل رغم امتناع الكثير من القنوات العربية عن عرضه، لكن رغم كل ذلك استطاع تحقيق نجاح منقطع النظير، أنجز بإتقان شديد، بعيدا عن المبالغة واجترار العواطف، واشترك ببطولته عدد كبير من الممثلين من سوريا والأردن وفلسطين.

من البيئة الشامية إلى مصر

مسلسل “بلقيس” الذي يتناول سيرة الأميرة الحميرية، أبدعت مبارك في بطولته المطلقة، واستطاعت تصوير ذكاء بلقيس وحكمتها ونجاحها في توحيد اليمن.
مسلسل “بلقيس” الذي يتناول سيرة الأميرة الحميرية، أبدعت مبارك في بطولته المطلقة، واستطاعت تصوير ذكاء بلقيس وحكمتها ونجاحها في توحيد اليمن.

صوتها الخاص، وإجادتها للغة العربية الفصحى ساعداها على أن تبدع في الكثير من الأعمال الدرامية التاريخية، مثل “عمر الخيام”، “آخر أيام اليمامة”، كما قدمت شخصية تاريخية بمسلسل تاريخي سيرة ذاتية من بطولتها المطلقة وهو “بلقيس”، الذي يتناول سيرة الأميرة الحميرية وملكة سبأ بلقيس ونشأتها والفترات التي عايشتها وخصوصا تلك التي شهدت توترات عسكرية وحروبا قبلية، وكيف استطاعت بلقيس بذكائها وحكمتها، أن تنتصر فيها، وتوحد البلاد تحت قيادتها حتى عرف اليمن في عهدها باسم اليمن السعيد.

المفاجأة التي قدمتها لجمهورها في العام 2011 كانت دخولها إلى عالم دراما البيئة الشامية، والتحدث باللهجة الدمشقية الصعبة نوعا ما، وهي من الفنانين القلائل غير السوريين الذين يخوضون هذه التجربة. قدمت دور بطولة في مسلسل “الزعيم” تحت إدارة المخرج المتخصص بهذا النوع الدرامي مؤمن الملا، لكن العمل لم يحقق النجاح الجماهيري الكافي، ومنه انتقلت مبارك إلى “أم الدنيا” مصر.

يقال إن الممثل العربي إذا نجح بدخول مصر فلن يخرج منها بسهولة، وهذا ما حصل مع الكثير من الممثلين العرب، ومنهم مبارك التي ذهبت إلى مصر وهي مثقلة بالخبرة المهنية التي اكتسبتها بتعاملها مع أشهر المخرجين العرب، ولا ينقصها شيء سوى إتقان اللهجة المصرية فقط.

المنتجة المغامرة

اختارت البداية الأصعب حين اتجهت إلى السينما المصرية وأخذت دور البطولة في فيلم “بنتين من مصر” إلى جانب الفنانة المصرية زينة، وفيه تدور الأحداث حول قصة كفاح فتاتين تواجهان صعابا عدة في إطار مشوق، مع مناقشة عميقة لقضايا نسائية فكرية وعاطفية واجتماعية وخصوصا فكرة العنوسة، وكيف تصارع النساء المجتمع بمسألة تأخرهن في الزواج، الفيلم من كتابة وإخراج محمد أمين، ونال إعجاب الكثير من النقاد، كما حقق نجاحا جماهيريا لافتا، إلا أنه لم يكن التجربة السينمائية الأولى لمبارك، فظهورها الأول كان في السينما السورية قبل سنوات، من خلال الفيلم القصير “سفر الأجنحة” من إخراج ثائر موسى، ومن ثم نالت دور بطولة الفيلم الروائي الطويل “خارج التغطية” تحت إدارة عبداللطيف عبدالحميد ، بمشاركة كل من النجوم السوريين فايز قزق، ويارا صبري والراحلين عمر حجو وفدوى سليمان ونضال سيجري.

أسست مبارك شركة إنتاج خاصة بها، وكان أول عمل تقوم بإنتاجه في بلدها الأردن، حاولت من خلاله تقديم الدراما الأردنية للمشاهد العربي ونجحت بذلك في مسلسل “زين” الدرامي الكوميدي، الذي بثته قنوات تلفزيونية كثيرة منها تلفزيون أبوظبي وقناة ‘أم.بي.سي’. وكان الملفت في هذا العمل هو تقديم العاصمة عمان بطريقة جمالية رائعة لأول مرة بصريا، وأشركت مبارك طاقما فنيا أردنيا شابا مميزا من ممثلين وفنيين، وهو من إخراج الشاب محمد حشكي، وتأليف ثريا حمدة، وبطولة مجموعة من الممثلين الأردنيين الكبار والشباب منهم أمل دباس وخالد الطريفي وركين سعد ورامي دلشاد وعماد محتسب وتيما الشوملي وغيرهم، أما الدور الرئيسي فكان من نصيب النجم السوري قيس الشيخ نجيب.

مسلسل “الاجتياح” يعد من المحطات المهمة جدا في مسيرة مبارك الفنية، وهو العمل العربي الوحيد الحائز على جائزة الإيمي العالمية
مسلسل “الاجتياح” يعد من المحطات المهمة جدا في مسيرة مبارك الفنية، وهو العمل العربي الوحيد الحائز على جائزة الإيمي العالمية

نجاح مسلسل “زين” إنتاجيا وجماهريا، دفع مبارك إلى الخوض بمشروع درامي ثان، وبقيت في بيئتها الأردنية من خلال إنتاج سلسلة درامية تاريخية بدوية مستوحاة من مسرحية “هاملت” لوليم شكسبير، وأدت دور البطولة إلى جانب منذر رياحنة والنجم السوري سامر إسماعيل، وخالتها هيفاء الآغا وأحمد سرور ورشيد ملحس وغيرهم من النجوم الشباب الذين أتاحت صبا الفرصة أمامهم للظهور إلى الجمهور العربي عن طريق شاشة مهمة مثل أبوظبي.

أما في الدراما التلفزيونية المصرية فكانت في دورين تركا بصمة خاصة، الأول لم يكن رئيسيا ولكنه ذو قيمة معنوية كبيرة لدى مبارك، كونها وقفت أمام النجمة يسرا في مسلسل “شربات لوز”، أما الدور الثاني فكان من بطولتها في مسلسل “حكايات بنات” الذي حقق نجاحا جماهيريا باهرا شجع صناع العمل على الاستمرار في إنتاج أجزاء أخرى له في ما بعد، كل ذلك جعل من مبارك اسما لامعا في الدراما المصرية ونتائجه كانت فورية من خلال مشاركتها في العام التالي بثلاثة مسلسلات هامة هي “خلف الله” مع الراحل نور الشريف، و”موجة حارة” مع ابن بلدها إياد نصار، أما العمل الثالث فكان “آسيا” مع النجمة منى زكي.

تكررت مشاركات مبارك في الدراما المصرية عاما تلو الآخر، من دور ريا في المسلسل الفانتازي “العهد: الكلام المباح” رفقة كندة علوش وشيرين رضا، إلى دورها في مسلسل “حق ميت” مع النجم حسن الرداد. ومن أدوارها التي لا تنسى شخصية “درية” في المسلسل الرائع “أفراح القبة” المأخوذ عن رواية الراحل نجيب محفوظ، ومن إخراج المبدع محمد ياسين، بمشاركة عدد من النجوم منهم جمال سليمان وصابرين، وآخر ظهور للنجمة مبارك كان خلال شهر رمضان 2018 في مسلسل “طايع” حيث أدت دور المرأة الصعيدية “مهجة”، إلى جانب النجم عمرو يوسف،  واستطاعت مبارك فيه اجتياز امتحان اللهجة الصعيدية بنجاح، وهو ما يراه بعض النقاد المصريين معيارا لبراعة أي ممثل إن كان مصريا أو عربيا.

شهد موسم رمضان الدرامي الأخير، هذا العام، عودة مبارك إلى الدراما البدوية من خلال بطولتها في مسلسل “حارس الجبل” الذي نال استحسان الجمهور العربي وخصوصا من يحبذ مثل هذا النوع من الدراما العربية، دورها كان شخصية “رمال”، الفارسة المغوارة التي تنتمي إلى إحدى القبائل، وتدور الأحداث في عام سُمي بعام الموت، شهدت فيه المنطقة جوعا وجفافا تسببا بحروب وغزوات بين القبائل من أجل البقاء.

ترفض صبا مبارك مقارنة الدراما البدوية بنسب مشاهدة الدراما المصرية، وغيرها من الدرامات عربية، وتوضح أنه لا جدال حول أن المسلسلات المصرية تحظى بأكبر نسب مشاهدة في العالم العربي، لكنها ترى أنه يقع على عاتقها هي وزملاؤها وخصوصا الأردنيين منهم، الاستمرار بإرضاء جمهور الأعمال البدوية.

12