صبحي شفيق الذي غادرنا

الأربعاء 2016/01/20

توفي مؤخرا عن 84 عاما، الناقد والمخرج السينمائي المصري صبحي شفيق، أحد رواد النقد السينمائي العربي من جيل العمالقة الذين أسسوا في الخمسينات والستينات مدرسة النقد السينمائي العلمي الذي يقوم على تحليل العناصر الفنية للفيلم والإلمام بتاريخ السينما.

كان الراحل الكبير ناقدا مثقفا كثير الاطلاع، وكان بحكم معرفته للغة الفرنسية، ودراسته في باريس ومعاصرته لحركة “الموجة الجديدة” في الخمسينات، قد أصبح في وقت ما من أوائل الستينات “نبي السينما الجديدة” في مصر.

كنا نستمع إليه عادة في “البرنامج الثاني”، وهي الإذاعة التي كانت مخصصة للثقافة في مصر، يصول ويجول، يحدثنا عن التيارات الجديدة في السينما العالمية، وعن العلاقة بين السينما والأدب الجديد الذي كان أحد رواده وقتها آلان روب غرييه.

وكان أيضا يكتب في الملحق الثقافي في الأهرام، وقت أن كان يكتب فيه عمالقة الكتاب في مصر مثل لويس عوض، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، حسين فوزي، زكي نجيب محمود، عائشة عبدالرحمن، يوسف إدريس وغيرهم.

وعندما أصدرت وزارة الثقافة المصرية مجلة “المسرح والسينما” عام 1968 كان صبحي شفيق أحد أعضاء هيئة تحرير قسم السينما فيها. وقد اطلعنا على كتاباته وترجماته، ومنها دراسة حول بدايات الموجة الجديدة وأصول نظرية “الكاميرا- قلم”، و“المخرج- المؤلف” لألكسندر أستروك المنظر والمخرج السينمائي الفرنسي الذي كتب عنه صبحي شفيق الكثير، وشرح نظريته بطريقة جذابة وممتعة، واعتبره الأب الروحي الحقيقي للموجة الجديدة الفرنسية.

وقد ترجم صبحي شفيق ونشر في هذه المجلة، سيناريو فيلم “عاشت حياتها” لغودار، وقدم له تقديما مثيرا للانتباه.

وقد أراد صبحي شفيق، الناقد، أن يحقق نظريته الخاصة في السينما، وأن يسير على درب مخرجي “الموجة الجديدة”، الذين تحولوا من النقد إلى ممارسة الإخراج السينمائي، فأخرج فيلمه الروائي الطويل الوحيد “التلاقي” عام 1973، وكان يدور حول فكرة التدهور الاجتماعي ويقدم إدانة سياسية لمجتمع الهزيمة، وقد منع من العرض وظل ممنوعا ربما حتى يومنا هذا، وكان -للمفارقة- من إنتاج مؤسسة السينما التابعة للدولة، أي أن الدولة أنتجت ثم منعت.

وقد أدّى شعور صبحي بالاضطهاد في مصر إلى أن غادر البلاد في منتصف الثمانينات إلى باريس، حيث قضى هناك نحو عشر سنوات، عمل خلالها في مجلة “جون أفريك”، وقدم بعض التجارب السينمائية القصيرة.

وعندما عاد إلى مصر، كانت الظروف قد تغيرت تماما، وأصبح صبحي خارج التركيبة بالكامل، إلاّ أنه التحق بتدريس التلفزيون، في إحدى الجامعات الإقليمية.

وقد تعاونت مع صبحي شفيق عندما أصدرنا من جمعية نقاد السينما التي رأست مجلس إدارتها في 2002 مجلة “السينما الجديدة”، ثم تعاونا معا في الكتاب الذي أعددته عن “كلاسيكيات السينما التسجيلية”، وكتب صبحي دراسة طويلة عن الفيلم التسجيلي الحديث في عصر الكاميرات الرقمية.

وكان شديد الاهتمام عموما بالتركيز على جماليات الصورة، وكثيرا ما كان يأتي إلى جمعية النقاد ويتحدث بحماسة شديدة، عن الصورة ومكوناتها، وينتقد شباب المخرجين الذين يتعاملون دون وعي كاف، مع الكاميرا، وكان له أيضا تشبيه طريف لمن يفرطون في تحريك الكاميرا باستخدام عدسة الزووم إلى الأمام وإلى الخلف، فكان يشبههم بالفلاح الذي يستخدم ما يسمى بـ“الطلمبة” اليدوية التي يحركها إلى أعلا وأسفل لاستخراج الماء من باطن الأرض.

كان صبحي خلال السنوات الأخيرة، يقضي الليل بأكمله يبحث، ويدرس وينقب عن المعلومات الجديدة في مجال السينما ووسائل الاتصال عموما.

ورغم أنه ينتمي إلى جيل قديم إلاّ أنه تمكن بفضل دأبه الشخصي، من تطوير قدراته وأدواته، وتعلم كيف يتعامل مع أجهزة الكومبيوتر وشبكة الإنترنت، كما درس الكاميرات الرقمية وإمكانيات عملها، وكان يستعين بإحدى هذه الكاميرات وهو يقوم بالتدريس لطلابه.

رحم الله صبحي شفيق الذي تعلمنا على يديه كيف نفكر سينمائيا.

ناقد سينمائي من مصر مقيم في لندن

16