صبحي فحماوي: إذا أردت أن تكون كاتبا عليك أن تكون مزارعا

كثيرة هي النقائص التي تشوب الساحة الأدبية العربية اليوم، هذه الساحة التي باتت تشكو بشكل مفزع من غياب النقد ومن ظاهرة الجوائز المفرغة من معناها، إضافة إلى غياب وعي حقيقي بالنشر والتوزيع وندرة القراء، وغيرها من الإشكالات التي تبدو مدعاة للتفكير والمتابعة الجادة. “العرب” التقت الروائي الأردني صبحي فحماوي وكان لنا معه هذا الحوار حول كتاباته والوضع الثقافي العربي عامة.
الاثنين 2015/06/08
على من يريد الكتابة، أن يلاحظ تصرفات الناس والكائنات الحية

صبحي فحماوي، كاتب روائي أردني، له ثلاثة وعشرون كتابا، تنوعت بين المسرح والقصة الروائية والقصة القصيرة والقصيرة جدا. هو عضو برابطة الكتاب الأردنيين، واتحاد كتاب مصر، ونادي القصة المصري، واتحاد الكتاب العرب في سوريا، وعضو القلم الأردني الدولي، ورئيس لجنة الثقافة والفنون في منتدى الرواد الكبار ومهندس حدائق، زرع أكثر من مليون شجرة في الأردن، كما أنه عضو بالجمعية الأميركية لمهندسي الحدائق.

العرب والنقد

عن بداياته يحدثنا صبحي فحماوي: بدأت مشواري الأدبي سنة 1987، حيث صدرت لي مجموعة قصص بعنوان “موسم الحصاد”، وعندما صدرت روايتي الأولى بعنوان “عذبة”، كانت غير منقحة، فأحسست بحرج كبير لما في تلك الرواية من أخطاء، لكن في سنة 2005 صدرت هذه الرواية في نسختها المنقحة من دار الفارابي، ثم توالى صدور الروايات، ففي كل سنة صارت تصدر لي رواية جديدة، واليوم صدرت لي روايتي التاسعة بعنوان “صديقتي اليهودية”. هذا وأعمل حاليا لإصدار ثلاثة كتب “قصص قصيرة جدا”، بعنوان “ألف أقصوصة وأقصوصة”. كل جزء يتكون من حوالي 334 أقصوصة تقريبا.

أعمال صبحي فحماوي توحي للقارئ بتمكنه من اللغة العربية ودرايته بتفاصيلها، لكننا فوجئنا عندما علمنا أنه مهندس حدائق ميداني، يعلق ضيفنا قائلا: هناك تصور لدى العامة أن كل من يكتب في الأدب، يجب أن يكون دارسا أكاديميا للأدب، وبالعكس أنا أرى أن العيش وسط الزرع والورود والأزهار هو أقرب للإيحاء بالكتابة والإبداع من غيره، فالكتاب القدامى مالوا إلى الإبداع لأنهم تأملوا الطبيعة واستنطقوها، إذ أن عالم الزراعة هو الأكثر انفتاحا، فكل من مهنة الطبيب، والمعلم، والحلاق والإسكافي تمارس بين أربعة جدران، إلا الزراعة فهي تتم في الهواء الطلق. ومن هنا فلا حدود لخيال الكاتب الذي يعيش وسط الطبيعة، فخياله حر، حرية سقفها السماء، ولهذا نجد الكثير من الفنانين مهندسين زراعيين، مثل عادل إمام وسمير غانم ومحمود عبدالعزيز.

ضيفنا زار عدة مدن عربية وغربية وساهم في فعاليات ثقافية مختلفة، في رأيه ماذا ينقص الثقافة العربية لكي تصبح في مصاف الدول الغربية، يعتقد الفحماوي أن هناك روايات عربية في مقام الروايات العالمية، ويؤكد: لا أبالغ إذا قلت، أفضل منها، ولكن العرب، رغم تحفظي في الحديث عن هذا الموضوع، محاصرون، لا تتوفر لهم فرص كبيرة للنشر والتوزيع، ولا توجد أمامهم فرص للفوز بجوائز عالمية، والسبب أن الصهيونية العالمية تسيطر على الكثير من منابر النشر، وهي من تتدخل في التوجيه لما يجب ترجمته وما لا يجب أن يحصل على جوائز، فالروائي غير العربي يأخذ حقه في الدعاية والترجمة والنشر والتوزيع، وترشح أعماله للحصول على جوائز في فترة وجيزة، ولكننا نحن العرب انتظرنا عقودا من الزمن ليأخذ نجيب محفوظ جائزة نوبل.

العرب محاصرون لا تتوفر لهم فرص كبيرة للنشر والتوزيع، ولا توجد أمامهم فرص للفوز بجوائز عالمية

المرأة والأساطير

وعمّا إن كانت الجائزة هي معيار جودة العمل الروائي، يجيب صبحي الفحماوي: الجائزة لا تعتبر معيارا للحكم على جودة عمل الأديب أو الروائي، ففي تلك السنة، قال أحد النقاد إنهم ذاهبون لمنح جائزة هذه الدورة إلى فلان، هم سيذهبون لمنح الجائزة قبل قراءة النصوص، وقد يكون هناك أشخاص خلف الكواليس لديهم حق “الفيتو”، وهم الذين يقررون مسبقا دون الاطلاع على الأعمال لمن ستؤول الجائزة، وهذا مؤسف حقا، فالعديد من المبدعين الرائعين لم يحصلوا على جوائز.. صحيح أن هناك تهافتا من قبل معظم الكتاب للحصول على جوائز مالية، ولكن الأهم من قيمة الجوائز المالية في نظري هو الحصول على مزيد من القراء، لجعل أعين النقاد تتجه صوب أعمالهم، حتى تنال قسطا هائلا من الشهرة، ويزداد الاهتمام بها، بسبب حصولها على الجائزة.. وهذا يدل على الركود الذي يغرق مجال النقد، فبعض النقاد حاليا ليس لهم الوقت، ولا القدرة على النبش والبحث عن الأعمال الجيدة الجديدة، ودراستها، ولهذا فهم ينتظرون نتيجة جائزة، ليتهافتوا على نقد العمل الفائز بها.. وهنا تميز الروائي غسان كنفاني في كتاباته، بتعريفنا بكتاب مغمورين جدد في الأرض المحتلة، لم نكن لنعرفهم إلا من خلال كتاباته الفاتحة.

الشباب أصبحوا عازفين عن الإبداع والقراءة، وسبب ذلك في رأيه، يقول فحماوي: الشباب لم يقلعوا عن الكتابة والإبداع والقراءة، ولكن ظروف المكان والزمان هي التي تغيرت، فالشباب توجهوا إلى القراءة الإلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والشبكة العنكبوتية خلقت قراء كثيرين، فهناك أسلوب جديد للقراءة. ولكي يبدع الشباب، عليهم القراءة المتواصلة، فالقراءة متعة ولذة، وهي التي تعلمك أسلوب الكتابة وتجعلك على الدوام تعيش هموم الناس.

الجوائز الحقيقية هي الحصول على مزيد من القراء
ويجب على من يريد الكتابة، أن يلاحظ تصرفات الناس والكائنات الحية، وأن يدقق في جزئيات حياتهم في البيوت وفي المقاهي وصالات الرقص، وساحات المعارك، وعلى شواطئ البحار، وفي سراديب السجون، وأمام أعواد المشانق، ولا ننسى أن السفر إلى أماكن مختلفة يعطي للمبدع رصيدا معرفيا إضافيا، ويولد أفكارا جديدة.

عن تصويره للمرأة في رواياته يشير فحماوي إلى أنه لا يحمل في ذهنه صورة نمطية محددة للمرأة، يقول: هناك المرأة ذات الشخصية الإيجابية، وهناك السلبية في تصرفاتها. ففي روايتي “حرمتان ومحرم” نجد نشاط المرأة -التي يقولون عنها “حرمة”- حسب فاعليته في المجتمع، يعادل نشاط اثني عشر رجلا.. بينما في روايتي “الأرملة السوداء” إن النقاش الذي يدور بين الرجال حول المرأة يقابله رد المرأة عليهم بوجهة نظر تفحمهم، المرأة تتطفل على الرجل في كثير من مناحي الحياة، فالرجل يحب أن يثبت نفسه بما يُنتج، في حين تحب المرأة أن تثبت نفسها باعتمادها على الرجل.

تتجلى الأسطورة بوضوح في روايته “قصة عشق كنعانية”، فإلى أيّ مدى تسكنه الأساطير والتاريخ في الكتابة؟ يجيب الكاتب: قصة عشق كنعانية رواية تحفر لإبراز تاريخ كنعاني جميل، معزز بقصص الحب والغرام، وبالزراعة والصناعة والتجارة، وبالأفكار والمعتقدات وبالآثار الماثلة حتى يومنا هذا.. وأما عن الأساطير، فإن أفكارنا نفسها تهيم في عالم الأساطير؛ الأشباح، والأرواح، والعفاريت، وأمنا الغولة، تسكننا، وذلك مهما كان مستوى ثقافتنا وتفكيرنا.

ويختم: حيواتنا الحالية محكومة بالأساطير، كتب الأبراج، والحظ، والبخت، وقارئة الفنجان، والخرافات، والمعتقدات حول المقامات والأضرحة، وهي المسيطرة على معاشنا الثقافي أكثر من الواقع، أنت لا تستمتع اليوم بجلوسك على عتبة البيت وباستخدام المصعد، بقدر استمتاعك بحكايات جدتك عن عتبة بيتها القديم، وأدراجه القديمة المؤدية إلى السطوح.. نحن لا تشغلنا تفجيرات الإرهابيين التي تقتلنا في كل بقاع الوطن العربي، بقدر ما تشغلنا أسطورة سفينة نوح، أو أهل الكهف.

15