صبحي موسى: الثقافة في مصر قِدر يغلي

الأحد 2014/06/22
صبحي موسى: الجائزة قد تصبح فضيحة بالنسبة إلى كاتب لا يستحقها

صبحي موسى شاعر وروائي مصري، بدأ حياته الشعرية بإصدار ديوانه الأول “يرفرف بجانبها وحده” في عام 1998، وثنّاه بديوانه “قصائد الغرفة المغلقة” ثم ديوان “لهذا أرحل” ليتجه بعد ذلك إلى كتابة الرواية فأصدر “صمت الكهنة” التي صدر منها مؤخرًا طبعة ثانية عن دار سما بالقاهرة، ورواية “حمامة بيضاء”، و” المؤلف”، و”أساطير رجل الثلاثاء”. عن مناخاته الشعرية والسردية، والوضع الثقافي في مصر، كان لنا معه هذا الحوار.

نالت بعض أعمال الشاعر والروائي المصري صبحي موسى جوائز وطنية هامّة، كما شارك في لجنة تحكيم جائزة ساويرس هذا العام فرع الرواية والقصة القصيرة للشباب، ويعكف الآن على كتابة عمل روائي جديد.


رواية المورسكيين


عن عمله الأدبي الجديد، قال صبحي موسى: “أعكف الآن على كتابة رواية تتناول حياة المورسكيين في الأندلس، حيث حصلت على منحة من الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق” للكتابة عن المورسكيين في الأندلس وما حدث لهم بعد طردهم حتى وقتنا الراهن، وهي واحدة من الأفكار التي كانت تراودني للكتابة عنها منذ سنوات”.

واستطرد قائلا: “أثناء الكتابة حاولت رصد المأساة على نحو يربط الماضي بالحاضر، فالصراع الديني كثيراً ما يأتي بكوارث على البشر باسم الله، كما حدث في أوروبا في القرون الوسطى، فالملكين الكاثوليكيين إيزابيلا وفرناندو فرضا المسيحية على الجميع وجعلوها أساس المواطنة الأسبانية، فحاول المسلمون واليهود الحفاظ على ثقافاتهم ودياناتهم، وكانت النتيجة أن محاكم التفتيش أعملت يدها في تعذيبهم، وكان رد فعلهم الطبيعي هو الثورة ثم الثورة، وكان العقاب هو التهجير الداخلي أولاً ثم الطرد الجماعي ثانياً، لكن قرار الطرد لم يحل المشكلة، فقد ظلت الثقافة المورسكية في أماكن المورسكيين، فقاموا بثورات وحركات تحرر عديدة من بينها ثورة طاهر الحر، وبعدها ثورة قادس ضد الفرنسيين الذين احتلوا أسبانيا، ووضعوا دستوراً على أساس كونفدرالي ينص على أن أهل مملكة غرناطة القديمة لهم خصوصية تاريخية، وظل نضالهم نحو دولة تخصهم إلى أن أقر ذلك الدستور الأسباني بعد رحيل فرانكو، وما أردت الوصول إليه أن الصراع الثقافي باسم الدين هو صراع فاسد وقديم، ولا يجلب سوى العنف والعنف المضاد، وفي النهاية المأساة التي لا ينساها الجميع.

ومن ثمة فقد حاولت ربط ما جرى في الأندلس بوقائع الثورة المصرية وما حدث فيها من تطوحات وأمواج، رابطاً بين مأساة الفلسطينيين اللاجئين والمورسكيين المشردين، وحق الجميع في العودة والاعتذار له، حاولت ذلك بما أثير عن مخطط تقسم المنطقة وعمل تهجير جماعي كحل للأزمتين القديمة والحديثة، وأدرت العمل إلى عدة خطوط تتشابك في مناقشة الأوضاع الراهنة على خلفية مورسكية، واخترت شخصية تعود إلى أسرة تاريخية وهي آل جهور الذين أسسوا أول مملكة في قرطبة بعد انتهاء أمر الخلافة بها لتكون الشخصية الرئيسية في العمل، ومن خلال ما كتبته هذه الشخصية جاءت يوميات ثورة البشرات وما حدث حتى الطرد، ومن خلال حكي الجدة جنى لحفيدها مراد في العصر الحديث جاء رصد متاهة المورسكيين من بعد الطرد حتى الثورة المصرية، حيث انتقلت الأسرة بعد تهجيرها إلى المغرب، ثم انتقال جانب منها إلى تونس، ثم جانب منهم من تونس إلى مصر، ووصلت نسبة الخيال حسب تقديري في الكتابة إلى نحو 60 بالمئة، بينما الوقائع والأحداث التاريخية احتلت المساحة الباقية”.

في روايتي "أساطير رجل الثلاثاء" تماهيت مع شخصية أسامة بن لادن حتى ظن الكثيرون إما أنني كنت واحداً من هذه الجماعات أو أنني كنت متعاطفاً معهم


منطق البشر


وعن الصعوبات التي واجهته في كتابة رواية تاريخية أشار موسى إلى أن الرواية التاريخية بها صعوبات جمة، أقلها كمّ المراجع التي تنبغي قراءتها، وكمّ المعلومات التي ينبغي تسريبها أو تضفيرها، ففي الرواية التاريخية ثمة أيقونات ثابتة لا يمكن إغفالها ولا مغالطتها، وتصبح قدرة الخيال موظفة بشكل رئيس على اللعب من خلال هذه الأيقونات. وقال: “طالما قلت إن الترميم أصعب دائماً من الإنشاء، فالإنشاء أو الخيال المحض سهل وبسيط لأنه ليس محكوما إلا بقانون الفن فقط، أما الكتابة التاريخية فإنها تحتاج إلى درجة أعلى من الاحتراف، لأنها لم تعد تعيد حكي الأحداث كما كان الأمر في مرحلة جورجي زيدان ومحمد فريد أبو حديد أو حتى جيل الستينات كأمين معلوف ورضوى عاشور، لكنها تسعى لتقديم ما يمكن تسميته بفلسفة التاريخ، محاولة الربط بين الماضي والحاضر عبر الوصول إلى القانون الإنساني الذي يحكم منطق البشر في الصراع، ومن ثمة فالروائي الذي يقدم على الكتابة التاريخية لابد أن تكون لديه معلومات واسعة عن موضوعه، وأن يكون قد ناقش الأمر مع نفسه عدة مرات كي يقدم حلولاً تجمع ما بين السرد والوقائع، وتطرح وجهة نظر أقرب للرؤية الفلسفية المتسقة مع قانون البشر في الصراع على الأرض، وإن لم تتحقق كل هذه المعطيات فإن القارئ سيفضّل ألا يتعامل مع نص لا يملك صاحبه القدرة على إدارة عوالمه بشكل جيد”.


إهانة الكاتب


وأوضح موسى أن الجوائز تمثل الكثير بالنسبة إلى أي كاتب على الصعيد الإعلامي، لأنها تنبه القارئ إلى أن ثمة عملا يجب أن يلقي عليه نظرة ويحكم على صاحبه بنفسه، ربما تقدم الجائزة العمل للقارئ بتوصية أنه عمل مهم، لكنها لن تغفر للكاتب إذا أجهد القارئ نفسه ووجده على نقيض ذلك، بالعكس ستصبح الجائزة بمثابة الفضيحة للكاتب لأنها عرّفته بالقارئ من خلال عمل ضعيف.

الحكم باسم الدين في التاريخ الإسلامي القديم والحديث

واستطرد قائلا: “لكنني بشكل عام لديّ مشكلة مع الجوائز، فأنا لا أستطيع التقدم بعمل لي لجائزة ما وكأنني أطلب منها اعترافاً بكوني كاتبا، قد يحدث هذا مع جائزة من شروطها التقدم بمخطوط ونشره حال الفوز، لكن أن ينشر الكاتب عمله ويذهب به إلى الجائزة فهذا أراه مهيناً للكاتب، وأرى أنه عمل غير مؤسسي، فمن وجهة نظري يجب أن يتقدم الناشر بالعمل، وهناك جوائز تعطى على مشاريع وليس على عمل، وهنا يجب أن يكون للجائزة هيئة خاصة تحرص على المتابعة طيلة العام، وتجلس في النهاية لتعلن نتيجة ما توصلت إليه، وكلما كانت هناك مصداقية في عملها كلما كانت قيمتها في الثقافة أعلى، ويجب أن تكون أسماء اللجنة معلنة للجميع، وأن تتحمل الاختلاف معها مع آرائها وما انتهت إليه”.

وعن جائزة البوكر أكد موسى أن جائزة البوكر منذ نشأتها وهي تمثل نوعاً من الارتباك في معايير الفوز بها، وربما الشيء الواضح الوحيد الثابت فيها هو التوزيع الجغرافي في الفوز النهائي، فمنذ أن فاز بها مصريان في الدورتين الأولى والثانية وهي تذهب كل عام إلى بلد مختلف، قائلًا “على أية حال فأنا لست ضد البوكر حتى بقانونها كيانصيب وما به من مفاجآت، فهي الآن الجائزة الأكبر إعلامياً، وقد أحدثت حراكاً في سوق الكتاب العربي، وخلقت منافسة بين دور النشر، وهي في العموم جائزة للناشر أكثر منها للمؤلف، ولو طلب مني ناشر أن يتقدم بعمل لي إليها فلن أمانع على الإطلاق، وكانت هيئة الكتاب قد تقدمت بعملي “أساطير رجل الثلاثاء” للجائزة هذا العام لكن تمّ رفضها”.


فضاء الذات


وفيما يتعلق بمدى حضور الكاتب في أعماله الأدبية قال موسى: “لا يمكن عزل الكاتب وواقعه وتاريخه الشخصي عن العمل الذي يكتبه، فهذا يتسرب رغماً عنه في السطور والمشاهد وربما الشخصيات، ففي “صمت الكهنة” كنت مسعد أبو النور، واستفدت من حكايات الريفيين في القرى كي أبني شخصيته هو وعائلته، وفي “حمامة بيضاء” ـ وهي رواية عن واقع المثقفين في ظل عصر مبارك ـ كنت مدير التحرير، وفي “المؤلف” كنت المؤلف، وهي رواية فلسفية عن مؤلف خلق عالماً مأساوياً ومعقداً ثم وقف موقف المتفرج عنه، عاجزاً عن تغيير ما كتبه على أي من شخوصه، وفي “أساطير رجل الثلاثاء” وهي رواية تاريخية عن جماعات العنف وطلب الحكم باسم الدين في التاريخ الإسلامي القديم والحديث تماهيت مع شخصية أسامة بن لادن إلى أقصى حد، حتى أن الكثيرين ظنوا إما أنني كنت واحداً من هذه الجماعات أو أنني كنت متعاطفاً معهم، رغم أنني لم أفعل سوى أن وضعت نفسي في مكان الشخصية التي تروي الأحداث من وجهة نظرها، ورأيت العالم بعينها، تاركاً الحكم للقارئ كي يصل بنفسه إلى قناعته هو دون جمل إدانة من النوع الإنشائي المعروف، وأعتقد أنني الآن متماه مع مراد يوسف رفيق سميح حبيب بن عطية الله بن رزق الله بن يونس بن محمد بن عبد الله بن جهور المورسكي، بكل ما لهذه الأسماء من ثقل على كتفه في الحكي والخوف من التعامل مع الحياة.

مطبخ عملاق


وعن رؤيته للمشهد الثقافي المصري الحالي قال موسى “كانت لي تجربة هذا العام في التحكيم لجائزة ساويرس تحت الأربعين عاماً بمجالي القصة والرواية، ويمكنني القول إن هذه التجربة أوضحت لي كم غني المشهد الثقافي المصري، وكم الكتابات المهمة التي يمكن الرهان عليها، والأسماء الواعدة التي ستحقق منجزاً يفوق من سبقوها، هكذا الثقافة في مصر، مطبخ عملاق جداً، وغليان بلا حد، ويمكنها أن تفاجئنا في أية لحظة بكتاب وأسماء ثقيلة، المشكلة أن الغنى المصري يذهب هدراً لأن الصراع شديد، صراع بين أجيال العجائز الذين يرون أنهم مازالوا في فترة الحصاد، وبين الشباب الذين يعيشون فترة إنجازهم واستحقاقهم الإعلامي والأدبي وربما المادي أيضاً، ولأن مصر دولة وليست دولة رفاهية فإن الكثيرين يظلمون دائماً، وقد يشكل هذا إحباطاً لكثيرين فيتوقفون عن الكتابة أو يبحثون عن أنفسهم في مجالات أخرى، ربما لو كنا دولة رفاهية ولو قليلاً لتمكن هؤلاء من حل أزماتهم سواء بالسفر إلى الخارج أو الكتابة بلغات أخرى أو حتى التواصل مع مراكز ودور نشر غربية لترجمة أعمالهم وتحقيق ما يحلمون به، كل هذا جعل يد الدولة قوية في مسألة الثقافة وربط الكثير من المثقفين بها، وصار ما يقدم للعالم عن مصر أقل عشرات المرات عما هو عليه الواقع بها من قوة وحضور ومنافسة وطروحات جديدة لا حدود لها في الخيال والفكر”.

البوكر أحدثت حراكاً في سوق الكتاب العربي، وخلقت منافسة بين دور النشر، وهي في العموم جائزة للناشر أكثر منها للمؤلف


جثة بدأت تتحرك


أضاف موسى “زرت المغرب مؤخراً، والتقيت بعدد من المثقفين هناك، التقيت ببعض العاملين في السياسية فضلاً عن الشارع العادي، الجميع كان قلقاً على مصر، كنت أضحك قائلاً: نعم مصر الآن في غرفة الإنعاش، لكنها من قبل كانت في ثلاجة الموتى، الأمر يستحق القلق لكنها أفضل مئات المرات مما كانت عليه في السابق، يكفي أن المصريين الآن معنيون بأمرهم في الدرجة الأولى، يكفي أن الجثة بدأت في الحركة، وكل هذا الغليان لن يؤدي إلى شيء سوى أن يخرج المريض من المستشفى ليمارس عمله لأن أولاده كثيرون والديانة أكثر، هكذا كنت أضرب المثل شارحاً الأمر، بأنه لا خوف على مصر لأن لها ميراثا ثقافيا كبيرا قام بحمايتها من الانزلاق نحو الحرب الأهلية، في مصر مؤسسات وبيروقراطية عريقة عطلت حياتنا كثيراً لكنها حمتنا من الفوضى، مصر بلد معقد وكبير ومهم، ومثلما لحضورها الثقافي والتاريخي الطويل من فضل في كراهية أبنائها للدم فإن حضورها الجغرافي أيضاً سيجبر الجميع على التعامل معها وعدم السماح لها بالدخول في عالم الغيب”.


سنوات التأمل


وشدد موسى على أن استيعاب ما جري الآن سواء في مصر أو غيرها من ثورات الربيع العربي سوف يحتاج إلى سنوات من التأمل، لأنه لا يمكننا الحكم على تجربة قبل أن نعرف نتائجها، لا يمكننا أن نتكهن تماماً بما يمكن أن ينتهي إليه الغليان في المختبر، لكننا جميعاً نحلم ونتمنى أن تأتي النتائج وفقاً لمجموعة المواد التي أدخلناها في التجربة، لذا نحلم بدولة مدنية فتية قادرة على تحقيق أحلام مواطنيها في الاستقرار وأكل العيش بكرامة وحرية وأمان، قائلًا “حتى الآن أعتقد أن الأمور تسير في نطاقها الصحيح رغم ما يشوبها من تعثرات، لكن لا يجب أن يتوقع أحد أن يخرج الكهنة أو العسكر بسهولة من منظومة الحكم المصرية، لأنهما جزء أصيل في منظمة الحكم المصرية منذ الفراعنة وحتى الآن، أي أنهما جزء من ثقافة المصريين في فكرة السلطة والحكم، أما ثورات الربيع العربي فهي أكبر عملية تحول يشهدها التاريخ الإنساني الآن، فثمة صعود وانهيار امبراطوريات، ثم خروج من التاريخ ودخول جديد إليه، لذا ينبغي التعجل في الوصول إلى نتائج أو أحكام سريعة، لأن ما يحدث أمر كبير بكثير مما نراه على السطح ونتائجه ستكون مؤثرة على العالم أجمع".

15