صبحي موسى: الواقع العربي طافح بالأساطير

نسمع دائما بمبدع أو كاتب يتنبأ بما سيحدث، مثلا شاع كثيرا بعد ثورات الربيع العربي أن كتابا تنبأوا بهذه الثورات وكتبوا عنها قبل حدوثها، ليس في الأمر قوى ماورائية أو غيرها، بل هي قدرة الكاتب على قراءة الواقع واستشراف مآله، وهذا تماما ما كان في رواية “حمامة بيضاء” للروائي المصري صبحي موسى. “العرب” التقت الكاتب للحديث حول روايته وعوالمه الكتابية.
الخميس 2016/09/29
"حمامة بيضاء" كانت مشروع سيرة للناقد عبدالمنعم تليمة

كان مقدرا لرواية الشاعر والكاتب صبحي موسى “حمامة بيضاء” أن تكون سيرة ذاتية للناقد عبدالمنعم تليمة، لكن الواقع المعيش للكاتب في تلك الفترة التي سيطرت فيها لغة “الحظيرة” على الثقافة والمثقفين المصريين بفضل تدجين وزير الثقافة وقتئذ فاروق حسني لهما، خرج بنسيجها عن السياق، لتشكل إدانة كاملة لنظام كامل عانت فيه الثقافة والمثقفون من التدليس والتزييف والإحباط.

“حمامة بيضاء” لم تحظ بالاهتمام الكافي، الذي حظيت به روايات صبحي موسى الصادرة بعدها كـ”أساطير رجل الثلاثاء”، و”الموريسكي الأخير”، لذا فإن صدور طبعتها الثانية أخيرا كان فرصة لإجراء هذا الحوار مع الكاتب والتعرف على تفاصيل هذا العمل المهم الذي يفضح ممارسات النظام ضد المثقفين كما يفضح ممارسات المثقفين ضدّ بعضهم البعض من أجل إغراءات سلطة النظام.

سيرة ذاتية

يقول صبحي موسى “حين كتبت حمامة بيضاء في عام 2004 كنت أفكر في علاقة السلطة بالمثقف، تلك العلاقة التي جمعت نقيضين لا يجتمعان إلا في ظروف نادرة، كانت بلادنا تمرّ بواحدة من هذه الظروف، حيث استطاعت الدولة عبر أجهزتها وأموالها ومِنحها أن تدجن المثقف، وتمنعه من لُعبه البسيطة لتأخذ منه صمته وقتما تريد، ولسانه وقتما تريد أيضا، هذه العلاقة بين هذين القطبين كانت واحدة من الموتيفات المهمة التي شُغلت بها في هذا النص، فأخذت في رصد تطور هذه العلاقة، وكيف تحوّلت من شريك في صناعة القرار إلى تابع، ثمّ إلى موظف يؤدي دورا يطلب منه في وقت معين، وكيف استطاع المثقف أن يهذب أحلامه وطموحاته ويصبح على قدر ومقاس السلطة وطلبها، وكيف لملم هزائمه ووزع خطاباته، فلعب دورا مزدوجا، إذ قدّم خطابا يصلح للاستهلاك الداخلي، حيث المريدون والطلاب وغيرهم، كما قدم خطابا في الغرف الخاصة والمحافل الدولية حافظ به ومن خلاله على مصالحه الخاصة”.

ويتابع موسى حديثه “هكذا كانت العلاقة بين المثقف والسلطة؛ علاقة لا يمكن القول فيها بندية ولا حتى بتقدير يذكر، ومن ثمّ حدثت الكارثة حين قرر عبدالقادر الأطرش أن يخرج عن النص وأن يعترض على ما يجري، فما كان من السلطة إلا أن سجنت ابنه، وفاوضته عليه، وفي الأخير تركته يموت مُهانا في بيته ضمن مسرحية هزلية عنوانها الاعتصام والإضراب. في هذه الرواية إدانة واضحة للمثقف في تخاذله وتواطؤه وانتهازيته وخيانته لنفسه ومجتمعه وجماعته، وفضح لقانون اللعبة بين الدولة والمثقف المتخاذل وغيره من الراغبين في الدخول بمحض إرادتهم في هذا القانون غير الإنساني”.

صبحي موسى لا يبحث في التاريخ بوصفه حكاية ولكنه يبحث عن فلسفة التاريخ، عن القوانين الحاكمة في أدائه وعمله

وحول مدى صحة ما أشير إليه من أن الرواية سيرة ذاتية للناقد والمفكر عبدالمنعم تليمة، يوضح موسى “أتيح لي أن أتعرف عن قرب على شخصية من الشخصيات الثقافية الثرية والمهمة في حياتنا السياسية والثقافية، متمثلة في الناقد المهم عبدالمنعم تليمة، فتحدثنا حول جانب من سيرته يصلح لأن يكون عملا روائيا، في البدء توقع الرجل أن العمل سيكون سيرة ذاتية، لكنه بعد قراءة النصف الأول من الرواية وجدني ابتعدت تماما عن هذا المنحى، وأخبرته أنني لا أكتب سيرة ذاتية بقدر ما أستفيد من جوانب الثراء الفكري والثقافي والاجتماعي لديه في عمل روائي، ومن ثمّ لست ملتزما برصد كل شيء، أبدى الرجل بروح الأستاذ التفهم الواسع للفكرة، وأبدى مباركته من جديد، وسألني عن سبب تسمية الشخصية البطل بعبدالقادر الأطرش، فأوضحت له أنه شخصية ذات أبعاد صوفية، وأنه ابن لأب وجدّ متصوفين، وولد وفقا لحلم رأته فيه أمه على هيئة حمامة بيضاء، وأنه دعوة تشبه دعوات الأنبياء على غرار زكرياء وإبراهيم، ومن ثمّ فالبطل رغم كونه مثقفا ومتعلما إلا أن أعماقه الصوفية هي التي تحكمه، ولهذا فهو في مواقف كثيرة لا يسمع من يحادثه، بقدر ما يسمع من بداخله، فلقبه الناس بالأطرش، وكأنه هذا حاله الصوفي، رغم أنه في واقع الأمر على اتصال برب الحال”.

ثلاثة محاور

ويؤكد صبحي موسى أن الرواية احتفت بالعديد من الموتيفات التي توقف أمامها الشأن السياسي، حيث كانت القاهرة حبلى بالثورة، وكان عليه كدارس لعلم الاجتماع أن يرصد ذلك في “حمامة بيضاء”.

ويهتم صبحي موسى سواء في رواية “حمامة بيضاء” أو “الموريسكي الأخير” أو “رجل الثلاثاء” اهتماما واضحا بالصوفية والتاريخ وصناعة الأسطورة، ويشير إلى أنه ثمة دائما محاور أساسية في أي عمل لديه، محاور يرتكز عليها في إنتاج نصه الأدبي سواء الروائي أو الشعري، وهي هذه المحاور الثلاثة التي ذكرها، فالصوفية بالنسبة إليه هي التفسير الباطني للكون، وهي العلاقة السرية بين كل ما يجري في العلن، حيث الطاقات البشرية الكبرى القادرة على تغيير ما يحدث سواء بالإصرار أو الروح وطاقتها أو العزيمة والجهد والإيمان، فالصوفية عالم واسع ومتسع ومن يؤمن به يجد فيه تفسيرا لكل ما يؤرقه، لكنه تفسير روحاني غيبي، قد لا يتفق كثيرا مع الواقع وما فيه من معطيات منطقية خاضعة لحسابات العقل.

فضح اللعبة

أما التاريخ سواء السياسي أو الاجتماعي، وسواء القديم أو الحديث، فيراه موسى جانبا مهما وأصيلا من بنية الفكر لدى أيّ كاتب، يقول “الكاتب الذي لا يبحث عن منطق التاريخ من خلال كتاباته فإنه كاتب ضعيف، ومن ثم فأنا لا أبحث في التاريخ بوصفه حكاية، فالحكايات على قارعة الطريق، ولكني أبحث عن فلسفة التاريخ، عن القوانين الحاكمة في أدائه وعمله”.

ويتابع موسى حديثه عن المحور الثالث “صناعة الأسطورة هي اللعبة الأثيرة لديّ، فبحكم تكويني كدارس لعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا أعشق الأسطورة، وأسعى إلى خلقها دائما، والأسطورة ليست تلك الحكايات الخرافية التي تقدمها كتب المستشرقين، لكنها الحياة التي تتجاوز منطق وحسابات العقل الظاهرة، فأن يتحوّل شخص معدم إلى قمة السلطة بجهد شخصي فهذا أسطورة، أن تعيش أمة على حدّ الكفاف لعدّة قرون دون أن تدخل في احتراب داخلي أو تفتت جغرافي أو مجاعة تقضي على الجميع، وأن تنتصر على كل ما ينصب لها من تآمر وخطط تدبّر بليل، فهذه أسطورة كبرى، هكذا أؤمن بالأسطورة، حيث يمكن صناعتها، وأعتقد أن الواقع مليء بالأساطير”.

ولأن صبحي موسى بدأ شاعرا وأصدر العديد من الدواوين المتميزة، كان لا بدّ من التعرف على علاقته بالشعر الآن بعد أن أخذته الرواية، يقول “لا أعتقد، لكن فكرة تكريس وجودي في الوسط الثقافي كشاعر لم تعد موجودة، ومنذ زمن وأنا أسعى إلى تكريس وجودي كمثقف ومبدع بشكل عام، ولا أسعى إلى الارتباط برفّ أو تصنيف معين، فهذه التصنيفات لم يعد لها وجود، وكوني شاعرا أو روائيا أو ناقدا أو صحافيا هي كلها تجليات لوجودي كمثقف مصري في هذه الآونة، أما إنتاج الشعر أو إصدار دواوين أو المشاركة في أمسيات ومؤتمرات وغير ذلك، فهو أمر لم أعد راغبا فيه”.

15