صبح من مساءٍ طويل

الأربعاء 2014/07/23

أتهجاك.. فاُحسّ ُ شفتيّ تتلاشيان.. وتتنفسـّكَ مسامي فتستعيد ذاكرتي عنفوانها.. لماذا نقول “لا” إزاء لحظة حبّ تداهمنا؟ أيّ شرقٍ متراكمٍ يعرّشُ جدراناً تفصلنا عن ذواتنا وعن بعضنا؟.. كنتَ تمدّ أصابعكَ تمسحُ عن وجهي كلّ غبار المساحيق الممسرحة.. وتمدّ أهدابكَ تكنسُ قاعَ روحي من ركام الجليد.. وتمدّ قلبك تمسّـد أوجاعي وذاكرة حرجي لتمنحني السكينة والسلوان..

وكنتُ أشيح.. ببلاهة كنت أشيح!.. اُقرفصُ محتمية ً بأذرعي خوفَ ذراعيك.. ومختبئة ًخلفَ تقاويم أعرف بداية ونهاية ومتنَ تسلّطها.. وما أن تمرّ الزوبعة حتى أصحو: نادمة لأنني لم أغضب.. وغاضبة لأنني لن أندم.. متبجحة بكلّ الأسودِ والأبيضِ صنوين معبودين فيّ.. ولا اُسدلُ شباكَ تمنـّيكَ إلا لأشـدّ جناحيّ بوتدِ الأرضِ فلا يرمشان..

ولا يتبقى غير الحلم.. أستعيده فتعتريني تفاصيلك.. أستحضر الكلمات.. وأريد من الوقت أن يخرج من قمقمهِ المخنوق لأبقى لديك.

ما الذي يشدّني ويبعدني في آن؟ أنا الملتفتة الحمقاء دائماً؟ أيّ سحرٍ معتادٍ يشبه كل شيء ولا يشبهُ أيّ شيء؟ أي حكايا عابرات تزجّ بين شفتيك فأشتهيها؟ (العبارات لا الشفاه؟)

أشتاقكَ كلما كنت لديك.. وأتوق كلما أسرفتُ أكثر في ابتعادي.. كلما تقمصتُ مريمَ لا تشبهني.. وكلما ترهّبَتْ أصابعي أكثر.. كلما أوغلتُ في قطعِ لسانِ الكلماتِ إذ تبوحك.. وفي قطع دابر الأحلام إذ تتمنى هطولك.. وأشتاقك.. تماماً.. حينَ اُقشّـرُ نفسي فوق وسادة الحلمِ أسراباً من حرير..

كنتُ بمفردي إذ شممتك من بعيدٍ أول أمس.. داعبَ عطرُك حواجز روحي وأسرفَ في اختراقي.. ومازجَ الصمتَ بالصراخ عناقيدَ حيرةٍ من رغبة وعزوف.. ومن أحاج ٍ لا تعرف الحلول..

أيها الهامس الحليبي الصموت.. أسألك الابتعاد وأتوسل بقاءك.. أنا خمرة من حليب.. ونار من جليد.. وصبح من مساء طويل.. فهلا فهمت ما يعتريني؟

أنا أفهم ما يعتريك.. وأقدس نبلك.. ولكن من لي بأن أفهم نفسي؟ من لي بأن أقايض فرحي بتلفتي ونبلك؟ من لي أن أكون نفسي فلا أتذرع بالتعقل ولا أستعير فلسفات لا تخص مشاعري؟ من لي أن أكون نفسي بلا آخرين؟ أو من لي أن أكون سواك.. كي أحيا بمفردي دون سطوة أصابعك وأنفاسك ورعشة الكلمات حين تتقاطر من شفتيك؟

لا أحلى من أن نكون معاً.. فلماذا نستبقُ وطأة الوقت الذي قد يسبقنا إلى حزننا؟ لماذا لا نتنفس الفرح.. بحجة أننا سنبكي بعد حين؟ هذا هو العالم منذ أول خليقتنا وحتى آخر نشرات الأخبار.. فما الذي سيضير أيامنا لو أننا ابتسمنا فقط ولو لبعض الوقت؟ لو تناسينا شيئاً كوارثنا التي يبدو أنها لن تصل إلى فصل النهاية؟ وهل إننا – بحزننا – سنغير ما لا طاقة لقلوبنا به؟

ها نحن معاً رغم أنف خشيتنا.. ورغم أنف كوارثنا ونكباتنا.. ها نحن معاً في إطار من وقت وآخرين لا يشبهوننا.. فلماذا نصعّر قلوبنا عن حياة أجمل ولو بيني وبينك؟.. أو بيننا وبين أنفسنا؟ من لي ومن لك أن نكون أكثر حسماً.. إزاء عالم لن يرطب جفافه وتصحّره إلا المحبة؟

21