صبري سيلفاني و"مريم امرأة من زمن آخر"

الأحد 2014/03/16
تشكيل كردي عرض مؤخرا في معرض فني بأربيل-العراق

يصوِّر الكاتب العراقي الكردي صبري سيلفاني في رواية «مريم امرأة من زمن آخر» الصّادرة عن سلسلة آفاق عربيّة التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، بترجمة سامي الحاج، مكابدات امرأة وسط مجتمع ذكوري متعدّد الأيديولوجيات، صدمها منذ أن كانت طفلة في المدرسة الابتدائية ورأت أستاذ التربيّة الدينيّة متفاخرًا بما يُعزِّز ذكوريته مِن الشَّريعة بقوله إنَّه «مِن حقّ الرجل أن يتزوج حتى أربعة نساء»، إلى أن أجهز عليها في صورة رجال أردوا أن يستغلوا جسدها وفقًا لمبررات خاصة بدءًا من محمد مَيْري الذي اغتصبها بحجة تطبيبها مُسَخِّرًا الشعوذة والسِّحر لترويضها، انتهاءً بمَن قَهَرَ جسدها الظامئ لمن يرويه فكان أعجز عن أن يُلبّي نداءاته.

يأخذنا الكاتب في لوحةٍ سرديةٍ تميل إلى الشجن إلى بؤرة مكانية مجهولة المعالم بالنسبة إلى قُرَّاء العربيَّة، إلى إقليم كردستان العراق، إبان فترة الثمانينات في ذروة الحرب المشتعلة التي كان يقودها الرئيس العراقي هناك، وما كان يموج فيها مِن صِراعٍ سياسي وصل إلى الإبادة الجماعية، ساعيًا لتسليط الضوء على خبايا هذا المجتمع بتقاليده التي غابت تفاصيل كثيرة عنه في السَّرد، وإن كانت ظهرت في أسماء الشَّخصيات وبعض الأفكار التي لا تختلف عن مثيلتها في مجتمع شرقي سمته الذكورية، فلا تختلف «دهوك» المدينة التي دارت فيها الأحداث عن أيّة مدينةٍ أخرى مِن حيث انتشار الذئاب البشريِّة، وأحابيل النساء وما تعانيه من ركود اقتصادي وبطالة، يدفعان إلى امتهان حِرف غير متناسبة مع طبيعتهم من أجل المال، أو في انتشار القبضة الأمنيّة حيث المخابرات والأمن متغلغلان في كلِّ مكانٍ حتى صارَ الجميعُ أصدقاء لهما، في إشارة لهينمة أجهزة السُّلطة الأيديولوجيَّة واستبداديتها، وأيضًا بعادات نسائها الاجتماعية في العزاء والنميمة والوحم، واللجوء إلى الخرافة (مزار الشيخ سعدي البالوقسي)، والطب الشعبي، وأيضًا في تراتبية السُّلم الاجتماعي. كما تعدُّ المدينة في أحدِ وجوهها تمثيلاً حيًّا للمدن الكوزمبولتية التي تجمعُ أطيافًا أيديولوجية مختلفة تواجدت في المكان باعتبارات عديدة، بعضها دينيّ وآخر سياسيّ وثالث ثوريّ.


ثعابين عمياء


الرواية في بنيتها العامة بمثابة تصوير نفسي لمكابدات امرأة كردية، وسط مجتمع ذكوري متعدّد الأيديولوجيات، فقد ارتبطت البطلة وفق ظروف خاصة بعلاقات مع خمسة أشخاص، أضحى لكلِّ شخصية دورها في استلابها كُلّ على طريقته. أوَّل مَن التقاها كان محمد مَيْري الرَّجل المشهور بالتقوّى عند أهل الحي، فعرَّته مِن غُلالة الكذبِ التي يرتديها أمام الآخرين، فهو لم يكن أكثر من مجرد ذئب وزير نساء يتاجر بالدين، اقتحمَ حياتها اقتحامًا، وسلبها عفتها دون أنْ يُبقي لها «أيّ شيءٍ جميل؛ الأحلام، الرَّغبات، الاسم، التاريخ الصورة الجميلة للمجتمع، دمرها كلها مرّة واحدة»، فأدخلها في عالم ضبابي هربتْ منه إلى علم الموتى (عالم أخويها كوفان وكازين)، وهو ما انعكس على لوحاتها التي حفلتْ بشروخٍ لا تندملُ وثعابين عمياء، ومسكونة ببشرٍ متربصين بها وبأنوثتها، وشواهد قبور وأدخنة قطارات تعكس عالمها الذي غابت فيه الألوان المبهجة، وإنْ اختلطتْ بلون الدمِ. ثمَّ جاء الثاني هَزار البيشمركة (أي الفدائي) وقد خُدعت به حيث لم يكن فدائيًا بل صاَر مِن أثرياء الحرب وانفصلت عنه، لتجد نفسها تُكرِّر مأساتها مع إسلام الشُّيوعي الذي فشلَ في أنْ يتواءم مع ما يُنادي به، وفي شدِّة احتياج جسدها إليه تساقطت شعارته وهو يعلن لها في الهاتف: «أنتِ تريدين أن أطأكِ من أمام؛ كي أتورط فيكِ، وفي النهاية تبقين لي»، فتركته إلى “هاوار” الإسلامي، الذي فشل في ترويضها بأن ترتدي الحجاب وتصوم وتصلّي، وقبل أن يتركها كان قد جرَّدها مِن كلِّ أموالها التي اشتركت بها معه في تجارة عن طريق أخته شيماء، وعندما يَمنُّ الله عليها بمن يحبها “كرمانج ” المصوّر تكون الصّدمة في كونه أحد ضحايا الحرب، بالعجر.

رواية تكشف زيف الأيديولوجيا وشخصيات كردية ممزقة بين الرغبة في التحرر والاستسلام للاغتراب

ورغم التباين في الأيديولوجية التي تلخِصها الصّفة الخاصّة بكل واحد فيهم إلا أن أربعتهم وحَّدتهم مريم بالتعلُّق بها ثمَّ بفشل العلاقة معها إضافة إلى تشابه تركيباتهم الداخليِّة. وهو ما يكشفُ عن زيفِ هذه الأيديولوجيات التي ما عرفت أن تفارق الصفحات التي حُبِّرت بها، إلى حيز الواقع.


المريمات الحائرات


لم تكن مريم هي الشخصية الوحيدة التي عانت من سطوة الأيديولوجيا وتناقضاتها، فشيماء الفتاة الثرية التي تعرفت عليها ودخلا معًا في شراكة وعن طريقها تعرفت على أخيها الحاج هاوار، كانت تعاني أيضًا قيودًا فرضتها أيديولوجية مُتَزمِتَة في البيت حيث فُرض عليها الحِجاب كما فرض عليها الحج دون رغبة منها، فكانت في صراع داخلي ورغبة في خلع الحجاب ليس كراهية فيه بقدر ما هو إعلان لتمردها على الأوامر التي فُرضت عليها، وبالمثل كانت ذات كرمانج التي أجهضتها أيديولوجيا السُّلطة مرتين مرَّة بالمطاردة والمرَّة الثانية بالعجز.

ومن ثمّة كان الاغتراب هو الرابط المشترك بين شخصيات الرواية لا فرق بين ذات أنثوية أو ذكورية، أو حتى عاشت في وطنها (مريم، وشيماء) أو اغتربتْ عنه فعليًا (نارين وكرمانج) بفعل المطاردة فيتوطأ الاغتراب الداخلية والغربة عليهما، لذا بدت جميع الشَّخصيات ممزّقة بين الرغبة في الانعتاق من القيود والاستسلام للاغتراب الداخلي وإنْ تخلَّص البعض مِن الغربة الحقيقية بالعودة إلى الوطن (نارين وكرنامج) وفي المقابل سعت إليه أخرى (مريم)، وكأنَّها تمتثل لسؤالها «كيف لا نغترب ونحن محرومون من الكثير من الأشياء».

القرار والجواب

يميل السّرد إلى استنباط ذات الراوية الواقعة تحت فعليْ التذكّر والبوح


يأتي السّرد مِن منظور راوٍ (أنا) عليم، مُتحكم في الرواية وفي بؤرة السّرد، مُحَاصِرًا لأفعال وأقوال شخصياته حتى بدت الرِّواية وكأنَّها مسرودةٌ مِن وجهة نظر أحادية (أنثوية) دون دفاعٍ مِن الشَّخصيات الذكورية التي وقفت جميعها في خانة الاتهام، كما يميل السّرد إلى استنباط ذات الراوية الواقعة تحت فعليْ التذكّر والبوح كنوعٍ مِن تخفيف المأساة، بإعادة سرد المأساة من جديد بعد انتهاء زمنها الأصليّ، فجاء السَّرد أشبه بمونولوج طويل بلسان مريم الفنّانة التشكيليَّة، والتي تبلغُ السَّادسة والثلاثين مِن عمرها، وتقاسي عَسف المحيطين بها، بعد أن فقدت أمها وهي طفلةٌ، وزواج والدها بامرأة لعوب «منجول» تتشعب علاقتها داخل الحي الذي تعيش فيه، ومِن ثمّة تُمارس إكراهات نفسيّة واجتماعيّة على مريم، خاصة بعد تلويح مريم بإشارة أنها تعرف علاقتها بالرَّجل (محمد مَيْري)، ثمَّ حكايتها مع أربعة رجالٍ آخرين تقاسموا في تغريب ذاتها حسبما أملت عليهم قناعاتهم، يتقاطع مع المونولوج، ديالوج مفتوح بين الراوية الأنا / مريم وبين المروي عليه / صديقتها نارين التي كانت تعيشُ في أوروبا.

فتتداخل ذات مريم مع ذات نارين، لتقول لنا في عِبَارة مُلَخَصَة أنَّه لا فرق بين مريم الكردستانية أو مريمات أخرى يتوزّعنّ في مناطق مختلفة وهن يعانين. الفرق أن مريم الكردستانية استطاعت أن تجرِّد البطريركية وتكشفَ زيف شعاراتها عبر الورق وعبر الرسومات التي استطاعت أن تُضفي عليها رموزًا مُلَخِّصَة لما عانته وتجرعته. وقد اعتمدَ الكاتبُ في إبرازِ التداخل على صوتين؛ هما صوت مريم ونارين، وكان الصوتان بمثابة القرار والجواب، فمريم الحقيقة التي تروي الواقع دون رتوش أو تجميل ونارين تلك الحكمة والفلسفة التي تتجاوز بالحكاية واقعها المرجعي (دهوك كردستان) إلى واقعٍ مُعاصرٍ ومتجاوز للحدود الجغرافية، حيث نفس آليات القهر وضحايا البطريركية. كما أتاح صوت نارين وما يحمله مِن نظرة فلسفية عميقة معالجة قضايا الواقع من منظور فلسفي من خلال الحوارات المقتضبة التي تصل في أجزائها إلى حوارات فلسفية كما هو وارد في مناقشاتهما عن القدر والاغتراب، وخواء الإنسان وثبات الرجال عن التغيير في فكرهم نحو المرأة حتى أن نارين تتنبأ بما سيكونون عليه «..يومًا بعد بوم يصبحون أكثر عريًا وخواءً ….. يجعلون تاريخًا حيًا كتب بالدم، قربانًا لأفعالهم وتصرفاتهم الصبيانية».


خطاب مضاد


ومِن ثمّة تبدو الرواية أشبه بخطابٍ مضادٍ لكلِّ ما هو ذكوري وإن جاءتْ بصوت رجل، قدّم فيها مرافعة عن المرأة، مُفَنِدًا لتلك الآراء التي تروِّج لصورٍ متدنيةٍ «كمطيِّة سيّئهم يمتطيها والشَّريف منهم يُحمِّلها متاعه ويسوقها أمامه، أما أصحاب الأعراف منهم لا يريدون سوى أن يلجموا فمها»، وكذلك تُنَدِّد بالفكر الذكوري الذي يربط المرأة بعقال العِفَة، وهم أنفسهم مَن يفضونه، في مفارقة تبعثُ للدهشة مِن زاويتها، فتعمل على تفكيك المقولات التي تُرسِّخ لذكورية الرَّجُل، بالسُّخرية منها في كثير من الأحيان. كما تكشف الرواية عن مظاهر التدين الزَّائف عند بعض الإسلاميين، وسعى البعض للاتّجار بالدين واستغلال البُسطاء بعد تشهير العذاب في وجوهم.

13