صبر الصبّار.. توثيق بصري لحياة عربية موجعة

نبتة شرق أوسطية تحيلها الأعمال الفنية إلى رمز للثبات والصمود.
الأربعاء 2021/07/28
أحمد ياسين يرسم مآسي الشعب الفلسطيني مباشرة على الصبّار

تنبت نبتة الصبّار بكثرة في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن. وليست كثرة وجودها هي السبب في ارتقائها إلى مكانة الرمز تارة وإلى ظاهرة مرادفة للمكان والزمان والإنسان في الفنون التشكيلية تارة أخرى. فلقد ساهمت أعمال الكثير من الفنانين في الشرق الأوسط في تكريس مكانة هذه النبتة، فلا فناؤها يعتبر هيّنا ولا حياتها رهينة حياة الآخرين.

أذكر أنني في أوائل الثمانينات من القرن الماضي زرت بمعية أهلي أحد أصدقائنا في منطقة الأشرفية في بيروت. جلسنا يومها في باحة البيت الكائن في الطابق الأول، حيث أرجوحة واسعة انتقلت إليها من الكرسي المجاور لهم لأتأرجح في غمرة طقس صيفي حار لا يحمل أية نسمة تلطّف حدّته.

خلال تأرجحي رأيت مساحة غريبة جدا (على الأقل بالنسبة إلي حينها) تكلّلها نبتات متوسطة الطول وأخرى عالية وعريضة. وقتها لم أكن قد رأيت الصبّار سابقا إلاّ في أوعية صغيرة جدا، وغالبا ما كانت تُوضع فيها أزهار اصطناعية من قشّ ناعم وملوّن.

عمل تجهيزي لرنا بشارة قوامه قطع من الصبّار المُخلّل في وعاء شفاف، تدعو عبره الفلسطيني إلى الصبر والثبات
عمل تجهيزي لرنا بشارة قوامه قطع من الصبّار المُخلّل في وعاء شفاف، تدعو عبره الفلسطيني إلى الصبر والثبات

إعجاب وتعجّب

توجّهت إلى والدي وسألته “ما هذا الذي هناك، على بعد عدة أمتار منا؟”، نظر إلى بعيد، وأجابني “ولوّ؟ هذا نوع من نبات الصبّار”. فسألته “هل أستطيع أن أذهب إلى هناك؟”، أجاب “نعم، ولكن لا تبتعدي كثيرا”.

ما إن وصلت إلى قلب المكان حتى وجدت نفسي أسير ببطء وكأني لا أريد إزعاجها، ليس خوفا عليها بل خوفا منها. خوف يشوبه إعجاب كبير، إعجاب أمام ضخامتها ورؤوسها الشائكة وجذوعها القوية وبعض فروعها الملتوية غير المنتظمة. بعضها كان ينمو مباشرة من الأرض وكأنه من دون جذوع، وكأنه بالونات أو مناطيد لا تُجهض أشواكها انطلاقتها وحيويتها بل على العكس.

بعضها كان يحمل أزهارا بلون أصفر متفجّر. أزهار واضحة جدا ومُطلة عليّ وأنا أسير متيقظة إلى حدود المسافة التي لا يجب عليّ أن أتخطّاها. كان الصمت عميقا جدا في هذا الحقل الذي يربط بشكل غرائبي شارعا بآخر مأهول بالسكان وبالمنازل التي لا يتعدّى علوّها الأربعة طوابق.

وهذا الصمت ليس انعداما للصوت بقدر ما هو اللغة التي تتكلّم بها هذه النباتات مع بعضها البعض. ووجدتني أنقل نظري من نبتة “عملاقة” إلى أخرى في محاولة لفكّ شيفرة ما يقولون عني وعن حضوري على غفلة.

عندما عدت إلى أهلي أخبرت والدتي بالأمر. يومها ضحكت وقالت لي “بيروت كانت كلها مليئة بنبتات الصبّار والتراب الأحمر. غدا نذهب إلى التلة (وهي تلة خضراء قرب بيتنا) وأريك نبات الصبّار المحيط ببيت الفنان عمر أنسي”.

هكذا تعرّفت على هذه النبتة الغريبة جدا وما زلت أتعرّف عليها وأتأمّل خصائصها الجليّة في لوحات فنانين تشكيليين.

البعض من هؤلاء الفنانين تعود أعمالهم إلى منتصف القرن التاسع عشر وبعضهم الآخر تعود أعمالهم إلى “الآن”، إذا صحّ التعبير، وشارك بصورها الفنانون حديثا على صفحاتهم الفيسبوكية.

رمزية موحشة

صعوبة المشي في طريق الحرية (عمل تجهيزي لمحمد الحواجري)
صعوبة المشي في طريق الحرية (عمل تجهيزي لمحمد الحواجري)

من الفنانين الرواد أذكر الفنان اللبناني عمر أنسي الذي عرّفتني على أعماله والدتي، والذي أكسب “صبّاره” شفافيّة حاذقة استطاع الفنان أن ينجزها بألوانه المائية.

يُذكر أن منزله في تلة الخياط هُدّم بدلا من أن يتحوّل إلى متحف، كما سويت التلة بالأرض ما عدا بعض الهضاب التي تقف على أطلال بعضها البعض في بلد ينتزع أزهاره بيده وكأنها أشواك.

وأذكر من الفنانين المعاصرين متعددي الوسائط الفنية الفنان الفلسطيني المخضرم نبيل عناني الذي يعد سفيرا من سفراء فلسطين في العالم، والفنان الفلسطيني محمد الحواجري، والفنانة الأردنية نوال عبدالرحيم التي استطاعت أن تنفذ إلى ملامح الصبّار الداخلية، والفنان اللبناني راشد بحصلي الذي أكسب صبّاره “سحنة” فضية، رغم أنه لم يستعمل بشكل مباشر هذا اللون في لوحاته المائية.

كما أذكر هنا الفنان جميل ملاعب الذي له علاقة حميمة بالأرض، والتشكيلية الأردنية جمان النمري ولوحاتها ذات الأجواء الصيفية وإن كانت أرادت من بعضها أن تعبّر عن فكرة كئيبة، والفنان الفلسطيني أحمد محمد كامل ياسين الذي رسم وجوهَ ومآسي الشعب الفلسطيني مباشرة على نبات الصبّار. ولعل عدم استخدامه أي لون فوق لون الصبّار الطبيعي أهم ما يميّز أعماله.

فقد اتّحدت شخوصه ومشاهده مع الصبّار واستطاع أن يوظّف المواضع اليابسة من نبات الصبّار أو التي لونها غامق جدا ليظلّل شخوصه ومشاهده باثا فيها الحياة.

وأذكر أيضا التشكيلية المصرية سعاد عبدالرسول التي تبدو ألوان النسوة في لوحاتها، ولاسيما سحنتهنّ، مائلة إلى الأخضر الغامق المُطعم باللون الأصفر وبذلك صارت شبيهة بنبات الصبّار حتى في اللوحات، حيث لا تحضر فيها نبتة الصبّار مباشرة. وغير هؤلاء الفنانين الكثير، وذلك بغض النظر عن اختلاف قيمة أعمالهم الفنية.

Thumbnail

هؤلاء لم يحشدوا في أعمالهم المتعدّدة الوسائط والأساليب الصبّار كنبات تزييني، حتى أن الفنان محمد أبوالسل الذي تفنّن في نقل ألوان وأشكال الصبّار فعل ذلك احتفالا به وبما يعنيه لشعب فلسطين خاصة.

وحتى بعض الفنانين الذين جسّدوا الصبّار في لوحاتهم بالحد الأدنى من الرمزية، مثل الفنان راشد بحصلي والفنان جميل ملاعب، ظهر في لوحاتهم الصبّار كدهشة وسط مشهد رتيب.

معظم الأعمال الأخرى مُحمّلة بأفكار وأجواء تحيل المُشاهد إلى فحوى العيش في بلدان عرفت ولا تزال تعرف أهوالا متعاقبة. غير أن الفنان الفلسطيني ونظيره الأردني هما الأكثر تعبيرا وإعلاء لشأن الصبّار بأشواكه وأزهاره وقدرته على تحمل العطش والظروف البيئية الصعبة والإهمال.

وجاءت الأعمال عبر السنين من التشكيل المباشر إلى الأعمال النحتية والسريالية والتجهيزية. ونذكر من الأعمال المعاصرة جدا والتجهيزية ما قدّمه الفنان الفلسطيني محمد الحواجري عبر عمله الذي جسّد فيه قدميْن تنتعلان خفا من الصبّار للإشارة إلى مشقة السير قدما وليس إلى انعدامه بسبب المشقّة.

ونذكر أيضا الفنانة رنا بشارة التي قدّمت عملا تجهيزيا قوامه قطع من الصبّار المُخلل في وعاء شفاف في إطار دعوة الفلسطيني إلى الثبات والصبر المُضاعف.

اليوم أكثر من أي وقت مضى عثرت حقا في أعمال فنانين شرق أوسطيين كُثر على نباتات الصبار البيروتي الذي استقبلني وأنا صغيرة بغرابة صمته الناطق بلغة خاصة، وبغموضه المُقلق، وبأزهاره المفجرّة لونيا من بين الأشواك، وبضخامته الملتوية صعودا نحو السماء وبمخزونه الجوفيّ في غمرة طقس صيفي حار لا يحمل أية نسمة تلطّف من حدته.

Thumbnail
16