صبر المحبطين في تونس بدأ ينفد والشريك الأوروبي في بؤرة الضوء

الأحد 2017/10/15

كان يفترض أن تكون تونس أسعد الأوطان بعد ربيع عربي وتوافق وطني أنقذ البلاد من خراب محقق وحرب أهلية كانت وشيكة. ربما تدين تونس في ذلك إلى تاريخها العريق في قيادة الثورات واختراق السائد وإدارة الأزمات في المنطقة العربية. وربما أيضا ساهم هذا في تجنيب البلد حتى الآن السقوط في متاهات الرعب والدمار الذي يحيط بأغلب دول الربيع العربي.

قوارب تحمل أحلام الكثيرين

صحيح أن تونس لم تنزلق إلى سيناريو الفوضى وحافظت بكل ما تبقى من البناء المؤسساتي الذي راكمته منذ دولة الاستقلال على كيان الدولة، لكنها تبرز خلال هذه الفترة كدولة متداعية وقابلة للسقوط في أي لحظة.

اليوم تعيش الديمقراطية الناشئة شكلا آخر من التعبيرات اليومية لحالة السخط والإحباط إزاء واقع يراوح مكانه ولا يقدم مؤشرات عن تغيير محتمل في سياسات التنمية وسوق الشغل، بل على العكس من ذلك تبدو الدولة وهي تمضي قدما نحو التفريط في المزيد من مسؤولياتها الاجتماعية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم العموميين.

في المقابل تخفي شواطئ الرمال الذهبية على السواحل التونسية حيث يتمدد السياح للاستجمام، مشاهد درامية يومية من حالات الهروب الجماعية للشباب. والأمر المختلف في هذه المشاهد المألوفة عادة على سواحل جنوب المتوسط، أنها باتت ترتقي فعليا إلى انتفاضة قوارب في البحر بكل ما تنطوي عليه من مخاطر ومآسٍ.

فالقوارب تغرق بشكل يومي ويدفن معها الشباب الهاربون آخر أحلامهم في قاع البحر، بعد أن تحدوا السلطات والجيش والحواجز الأوروبية.

والأمر الآخر الأخطر في هذه الانتفاضة أن العاطلين لم يعودوا وحدهم فوق تلك القوارب، فهم يمسكون اليوم يدا بيد مع باقي الشرائح من بين الكوادر من خريجي الجامعات من أطباء ومهندسين، في اتباع سياسة الهروب والنجاة بمستقبلهم من بلد طالما حلموا بأن يتغير إلى الأفضل إلى بلد آخر يخفي المجهول.

وفي الواقع لا يبدو كل ذلك بعيدا عن مسؤولية الاتحاد الأوروبي والسياسات المنفردة للدول الأعضاء في التعاطي مع الديمقراطية الناشئة في ملف إدارة أزمة الهجرة. بل إن الشكوك اليوم تزداد تركيزا من حول الشركاء الدوليين وحقيقة نواياهم غير المعلنة في تونس.

لقد أصبح حضور البواخر الحربية الأوروبية إلى تونس وبعنوان التعاون أكثر من ذي قبل، ويؤشر ذلك على أننا بصدد العودة إلى المربع الأول لأزمة الهجرة في المتوسط عبر المقاربات الأمنية بعد أن أفلست كل السياسات الأوروبية السابقة طيلة سبع سنوات، في تعزيز عناصر الاستقطاب للشباب في دولهم الأصلية.

كما تنذر السياسات الأوروبية المقيدة للهجرة النظامية أكثر من أي وقت مضى بتفاقم الوضع المأساوي للمهاجرين أكثر فأكثر على سواحل الضفة الجنوبية عموما، فالأزمات الاجتماعية تزداد اتساعا في تونس والجزائر والآفاق تزداد ضيقا في وجه الباحثين عن فرص عمل. ومع كل التشديد في السياسات الأمنية في حوض المتوسط فإنه من غير المتوقع أن يكتفي سماسرة التهريب بالجلوس مكتوفي الأيدي وإنما سيتجهون إلى مسارات وأساليب جديدة لتهريب البشر ومن بينها اختراق خفر السواحل الأوروبي نفسه.

لكن ما هو واضح أن الاتحاد الأوروبي الذي ظل يسوّق لربيع عربي ناجح في تونس يبدو شريكا في حملة النفاق والتضليل الممنهج، في وقت تجد فيه الكثير من منظمات المجتمع المدني الأوروبي ومؤسساته في هذا البلد مجالا خصبا للفساد المالي والتسويق لتعاون مغلوط وبعيد عن جوهر الاحتياجات الحقيقية للتونسيين.

فبخلاف برامج التعاون العسكري والأمني ذات المصالح المشتركة والمشاريع الفضفاضة مثل برامج التدريب المهني، يتعين أن يكون هناك جرد لما وفره الاتحاد من إسهامات عينية منذ 2011 في إعادة تأهيل البنية التحتية والمستشفيات العمومية التي وضع أغلبها المستعمر الفرنسي قبل أكثر من قرن، وفي تحديث المدارس وتوفير استثمارات جديدة ودعم دخل الفرد وتمويل صناديق وطنية لمشاريع صغرى للشباب بمعزل عن العوائق البيروقراطية.

عمليا ليس هناك من نتائج فعلية على أرض الواقع من وراء هذا التعاون في كل ما يتصل بالشباب في تونس منذ بداية الانتقال السياسي في البلاد عام 2011، رغم الإشادة الدولية بالتحول إلى الديمقراطية. بل على العكس من ذلك أدى تملص الاتحاد الأوروبي من عديد الاتفاقيات المالية وفي مجالات الهجرة المنظمة وحرية تنقل الأشخاص إلى واقع اجتماعي صعب تعيشه تونس بالإضافة إلى التزامها بالتصدي لقوارب الهجرة غير الشرعية نيابة عن أوروبا وفرض ما يشبه الإقامة الجبرية على الشباب في وطن منهك.

لأجل ذلك هناك دعوات ملحة من الداخل التونسي اليوم لمراجعة سياسة التعاون القائمة على سياسة رابح من طرف واحد، بدل سياسة رابح- رابح. فتونس رقم مهم في حوض المتوسط والتفريط في هذا الرقم بأبخس الأثمان سيجلب ويلات كثيرة على الضفة الشمالية للمتوسط. ولنا في ليبيا ما بعد القذافي خير مثال.

كاتب من تونس

2