صبية في السودان يختارون تلميع الأحذية بدل التسول

الأربعاء 2015/03/25
يجلس ملمعو الأحذية الكبار في أماكن ثابتة مثل محطات المواصلات وأمام المؤسسات فيما يتجول الصغار في الشوارع بحثا عن زبائن

يجوب المئات من الأطفال السودانيين يوميا شوارع العاصمة الخرطوم بعد أن حرموا من التعليم فقرروا إعالة عائلاتهم باللجوء إلى العمل في مهن هامشية لتوفير بعض المال.

متسولا بعينيه يتنقل الصبي أحمد إسماعيل بين أحذية المارة والجالسين أمام متاجرهم في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم، وهو يردد عبارة “ورنش، ورنش” عارضا خدماته في تلميع الأحذية مقابل القليل من المال لكي ينفقه على أسرته الفقيرة حتى لا يضطر إلى التسول.

يتعين على إسماعيل (12 عاما) الاستيقاظ باكرا كل صباح، ليتجه إلى السوق الرئيسي بالخرطوم للعمل، متأبطا حقيبة مهترئة بداخلها أدوات مسح الأحذية (دهان بألوان مختلفة وجرس تقليدي)، ويقول إسماعيل “بعد وفاة والدي تركت الدراسة واضطررت للعمل وإعالة إخواني الصغار ووالدتي”.

ويتجول “صبي الورنيش” هكذا يطلقون عليه في السودان، في برندات الأسواق (أزقتها) والمقاهي يوميا، وعندما يخلع له أي شخص حذاءه لتلميعه يخرج من حقيبته حذاء لينتعله العميل إلى حين الفراغ من تلميع حذائه، ويفترش إسماعيل الأرض واضعا قطعة بالية من القماش على رجليه ويبدأ في عملية التلميع، مقابل جنيهين (23 سنتا/ أقل من ربع دولار).

ويضيف إسماعيل “أتجول في مساحات واسعة حتى أحصل على أكبر قدر من المال. لدي عدد من الزبائن، وأجني من عملي نحو 50 جنيها في اليوم (ما يعادل 6 دولارات أميركية) أصرفها على أسرتي”.

وتابع “لدي عملاء ثابتون في بعض المؤسسات أتردد عليهم بعضهم يمنحوني أتعابي نقدا وآخرون في نهاية الشهر عقب صرف رواتبهم، كما أتردد على بعض أصحاب المحال التجارية في متاجرهم”.

صبي يجلس في شارع الجمهورية بالخرطوم يلمع حذاء زبون

ويقول إسماعيل إن “الزبائن يتعاملون معي باحترام ويعطفون عليّ، وبعضهم يمنحني أكثر من حقي. كما درج بعض الموظفين في المؤسسات على منحي الهدايا والأمـوال في المناسبات والأعياد خاصة”. وإسماعيل هو واحد من بين المئات من الأطفال السودانيين الذين حرموا من التعليم ولجأوا إلى العمل في مهن هامشية لتوفير بعض المال.

ودرج صبية الورنيش على التجول في الشوارع، بينما يجلس الكبار منهم في أماكن ثابتة في “الشوارع، محطات المواصلات وأمام المؤسسات والشركات والمصالح الحكومية” لتلبية رغبة من يود تلميع حذائه.

ويقول آدم، الذي كان يجلس في ركن قصي بالقرب من محطة المواصلات الرئيسية بالخرطوم “أعمل في مسح الأحذية منذ نحو 12 عاما، وبحمد الله تزوجت منه وأعول به أسرتي”، ويضيف “لدي 5 أطفال، اثنان منهم في المدارس. أنا حرمت من الدراسة لذلك حريص على تعليم أبنائي حتى يكون لهم شأن في المستقبل”.

وحول بداياته مع مهنة “الورنيش” يقول آدم البالغ من العمر 31 عاما “عندما نزحت أسرتي من إقليم دارفور المضطرب غربي البلاد في العام 2003، إلى الخرطوم، عملت في متجر صغير وفرت منه بعض المال، اشتريت به معدات مسح الأحذية، واخترت مكانا جيدا لممارسة عملي”.

ويضيف “احترم مهنتي وأبذل مجهودا جبارا لتلميع الأحذية وإرضاء عملائي، ولا أتشدد معهم في المقابل”.

بينما تدخل إبراهيم الذي كان يجلس بجواره، قائلا “فقر أسرتي أجبرني على العمل في مهنة الورنيش، فأنا عشت في حي طرفي بمدينة الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق (جنوب)، ودرست في مدرسة حكومية سبعة أعوام، لكن تركت مقاعد الدراسة، ونزحت إلى الخرطوم بحثا عن العمل، لأنفق على عائلتي الفقيرة”.

ويضيف إبراهيم “أرسل لوالدتي المال شهريا لكي تشتري لأشقائي الصغار الطعام الذي يمكنهم من العيش”، وأشار إلى أن أسرته “تسكن في منزل بدائي أنشأته أمي بمساعدة أهل الحي من العشب والخشب”، وتابع “عندما تهطل الأمطار في فصل الخريف نحتمي بأكياس من البلاستيك حتى لا يتساقط المطر على أجسادنا”.

ويضيف إبراهيم “العمل في المهن الهامشية هو سبيلنا نحن معشر الفقراء الذين حرمنا من التعليم. أنا حريص على الكسب الحلال وتعليم أشقائي لكي يعيشوا في سلام وحتى لا يواجهوا نفس مصيري”.

العمل في المهن الهامشية سبيل الفقراء الذين حرموا من التعليم

لكن إبراهيم وزملاءه يشتكون من مضايقة سلطات البلدية لهم، وأضاف “أنا وزملائي نعاني من حملات المطاردة اليومية ونركض لمسافات طويلة تجنبا لمصادرة السلطات لأدوات عملنا. ليس لدينا مهنة أخرى لكسب العيش. نسعى لكسب رزق حلال”.

ويجابه العاملون في المهن الهامشية والباعة الجائلون، بأسواق الخرطوم سلسلة من المضايقات وحملات المصادرة التي تنفذها السلطات المحلية، وعادة ما يتم إعادة المعدات التي تمت مصادرتها بعد دفع مبلغ مالي للسلطات المحلية، وعزت السلطات حملات المطاردة، لأن أصحاب المهن الهامشية يعملون على تشويه المظهر الحضاري للمدينة.

من جهته يقول الخبير الاجتماعي عبدالرحيم بلال، إن لجوء الصبية للعمل في المهن الهامشية سببه الفقر والنزاعات التي يشهدها عدد من ولايات البلاد، ومضيفا أنه “على السلطات المحلية، تخصيص أماكن لهم بدلا من مكافحتهم. هؤلاء جيدون ويناضلون من أجل كسب رزق حلال. إذا طاردتهم السلطات سيضطرون للسرقة والتسول”.

وتواجه الحكومة السودانية أزمة اقتصادية طاحنة منذ انفصال جنوب السودان في 2011 والذي استحوذ على نحو 75 بالمئة من إنتاج النفط الذي يعد المصدر الرئيسي في البلاد، حيث فقد السودان 46 بالمئة من إيرادات الخزينة العامة و80 بالمئة من عائدات النقد الأجنبي، تفاقمها الكلفة العسكرية الباهظة، حيث يحارب الجيش تحالفا يضم 4 حركات متمردة في 8 محافظات من أصل 18 محافظة سودانية.

20