صحافة آخر زمن

الأربعاء 2017/05/03

في الثمانينات من القرن الماضي كانت هناك العشرات من الصحف والمجلات العربية التي تصدر من لندن وباريس، لأسباب تتعلق أساسا بمناخ الحرية الذي لم يكن متوفرا في العالم العربي، فصحيفة “الشرق الأوسط” مثلا (وهي سعودية التمويل) تتمتع بهامش أكبر مما تتمتع به الصحف السعودية التي تصدر في الداخل.

كانت أولى هذه الصحف التي صدرت في لندن صحيفة “العرب الدولية”، تلتها "الشرق الأوسط" ثم “الحياة” ثم “القدس” (التي ألحقت بها كلمة “العربي” بعد عامين من صدورها لأسباب “انقلابية” تحتاج روايتها إلى سلسلة من الحلقات)، وكانت نسخ هذه الصحف تشحن إلى العواصم العربية التي تسمح بدخولها.

أما اليوم فلم تعد فكرة الشحن عملية بعد ارتفاع أسعار الشحن، وظهور التكنولوجيا الجديدة التي تسمح بعمل طبعات محلية، ولكن ربما يتساءل كثيرون: لماذا لا توزّع صحيفة ما في بلدان مثل مصر والجزائر والعراق على سبيل المثال؟ والحقيقة أن السبب الأساسي ليس التضييق الرقابي فقط بل أساسا “التضييق الارتشائي” (من الرشوة)، فالمطلوب توزيع مبالغ مالية ضخمة واللف على العشرات من المكاتب وقبول البلطجة والاستنطاع الذي تمارسه “مافيات” الأجهزة الحكومية التي فسدت حتى النخاع.

ورغم التضييق الارتشائي إلا أن هذه الصحف تتمتع بمواقع لها على شبكة الإنترنت يتردد عليها يوميا الملايين من القراء، وبالتالي فقد سقطت فكرة الرقابة بالضربة القاضية، وظلت فقط فكرة (الإتاوة) المطلوبة للسماح بإصدار طبعات محلية.

ومن المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة توقف الكثير من الصحف في العالم العربي عن الطباعة الورقية نتيجة الزحف الهائل لمواقع الإنترنت التي تتيح قراءة الصحيفة مجانا، وكذلك بسبب التكاليف الضخمة للإصدار والطباعة.

الصحف المصرية مثلا، لا تعرف كيف تصدر بخمسين أو ستين صحافيا للصحيفة كما هو حال صحف عربية رسخت أقدامها في المهجر، بل تصر على ضم جيوش من الصحافيين والعاملين والموظفين ومن يقدمون الشاي والقهوة للعاملين وينقلون أخبار الصحافيين لرئيس التحرير أو لنوابه الذين يصل عددهم إلى عشرين وثلاثين نائبا. وهي تركة متراكمة من عصر الرئيس عبدالناصر الذي جعل الصحافي موظفا في الدولة، يمكن للسلطة أن تكافئه إذا كان من الموالين لها، فتمنحه راتبا فلكيا، أو تعاقبه إذا عارض أو اعترض، فتوقفه عن الكتابة وتكتفي بمنحه “بدل عطالة”.

أما من يعمل في صحف “المعارضة” (أو الصحف المستقلة) فهو موظف في صحف الحكومة، لكن الحكومة تسمح له بخيانتها مع صحف المعارضة، مقابل الاكتفاء بما يحصل عليه من راتب هزيل.

صحيفة “الأهرام” الحكومية مثلا يعمل فيها جيش مكوّن من آلاف مؤلفة من الصحافيين والتقنيين والسعاة والمساعدين والمندوبين.. وغير ذلك، عدد كبير منهم تمّ تعيينه أصلا إما طبقا لمبدأ الوراثة، أي كونه منتميا إلى والد كان صحافيا في الأهرام وقام بتوريثه مكانه، أو بحكم الوساطة، فالوراثة والوساطة هما ذراعا العمل الإعلامي في مصر ليس في الصحف المطبوعة فقط، بل في سائر أجهزة الإعلام وخاصة القنوات الفضائية التي أصبحت تدفع أجورا فلكية للمذيعين والمذيعات الذين يأتون بالوساطة والمحسوبية ويتم تلميعهم ودفعهم إلى المقدمة رغم أن معظمهم من “الأميين إعلاميا”. ولكن يبقى أساس الاختيار بالطبع أن يكونوا من الموالين للسلطة، ينطقون باسمها وينفذون تعليمات “الأجهزة الخفية” المتخصصة في “تسيير” شؤون الإعلام.

هنا يصبح أي حديث من قبل بعض الشرفاء عن تحرير الصحافة من قبضة السلطة بعيدا تماما عن الواقع، فإذا ما تحررت الصحافة من الخضوع للجهة التي تنفق عليها وتتحمل خسائرها، لن يجد معظم الصحافيين العاملين بالوراثة والوساطة، مكانا لهم، وسيجد المسؤولون عن هذه الصحف أنفسهم مضطرين لتطبيق نظام العمل حسب الكفاءة، وفي هذه الحالة يتم الاستغناء عن خدمات الآلاف من بين صفوف “العطالة” المقننة، وهو تعبير أفضل من “البطالة المقنعة”.

والإعلان مؤخرا عن تأسيس “الهيئة الوطنية للصحافة” لن يفيد سوى في المزيد من إحكام قبضة السلطة وتحكمها في رقاب الجميع!

ناقد سينمائي مصري

16