"صحافة الأطفال" حل لمواجهة الأفكار المتطرفة مبكرا

تعاني مجلات الأطفال العربية من الاندثار بفعل تطورات التكنولوجيا وصعوبة الأوضاع الاقتصادية لغالبية المؤسسات المهتمة بهذا النوع من الصحافة، باعتبارها أحد التخصصات التي تحتاج إلى إمكانيات مادية كبيرة لما تحتويه من صور وألوان تضاعف من تكلفة الطباعة، ممّا دفع بالعديد منها إلى إغلاق مكاتبها أو التحول إلكترونيا عبر منصات تحاول أن تستخدم عناصر جذب سمعية وبصرية حديثة.
الجمعة 2017/11/03
للأطفال صوتهم أيضا

القاهرة- أصبحت اليوم الحاجة ملحة إلى ضرورة استعادة مجلات الأطفال العربية دورها عبر مشاريع تتماشى مع تحولات النشر وما شهده عالم الأطفال من تغيرات بفعل ثقافة الألعاب الإلكترونية ثم الأجهزة الذكية، غير أن ذلك لم يترجم حتى الآن إلى خطوات فعلية تستطيع أن تواجه مسألة تراجع انتشار تلك الصناعة على مستوى العالم العربي.

ورغم أن المشكلات التي واجهت تلك المجلات لم تكن أمرا مستجدا، إلا أن الحرب التي تخوضها الحكومات العربية في مواجهة الأفكار المتطرفة، أعادت مسألة دعمها والاهتمام بها إلى السطح مرة أخرى، خاصة وأن غالبية تلك المجلات ساهمت في تشكيل وعي الشباب على مدار سنوات طويلة، كما أنها تعدّ إحدى الأدوات الهامة التي يمكن استخدامها في حماية عقول الأطفال.

في مصر تنبهت مؤخرا جهات عدّة حكومية وخاصة لأهمية صحافة الأطفال، وبدأت في اتخاذ مجموعة من الخطوات للتعامل مع الأزمات التي تحاصرها، فخلال الشهر المنقضي، عقدت الهيئة الوطنية للصحافة (هيئة حكومية) اجتماعا لبحث أسباب تراجع صحافة الأطفال وكيفية دعمها في ظل الظروف الاقتصادية التي تعانيها الصحافة الورقية، وهو الاجتماع الذي شارك فيه نقيب الصحافيين المصريين.

استمرار المطبوعات الورقية يستهدف الوصول إلى القرى والنجوع الصغيرة التي تستغلها التنظيمات المتطرفة

وخلص الاجتماع إلى مجموعة من التوصيات، وجاء على رأسها أهمية زيادة الدعم الحكومي المقدم من قبل الدولة لتلك الإصدارات، والاتفاق على تثبيت أسعار جميع مطبوعات الأطفال التي تصدر عن المؤسسات الصحافية الحكومية (صاحبة العدد الأكبر من مجلات الأطفال في مصر)، وإعادة ربط المدرسة بمجلات الأطفال والقيام باشتراكات خاصة بها وتوزيعها على الطلاب.

في الوقت الذي أغلق فيه عدد كبير من الإصدارات العربية المطبوعة فإن مؤسسة الرئاسة المصرية أخذت على عاتقها في العام الماضي دعم إصدار مطبوعة “نور” للأطفال كأحد إصدارات الأزهر، وهي التجربة التي لم تحقق المبيعات المطلوبة رغم نجاحها على مستوى دعم الجانب الأخلاقي للأطفال، وكشفها عن أساليب التنظيمات المتطرفة لجذب الصغار إليها.

ومع بداية العام الجاري أصدرت دار الهلال (الحكومية) مجلة “الهلال الصغير”، ضمن سلسلة كتاب الهلال للأولاد والبنات، إلى جانب مجلة “سمير”، التي تصدر عن المؤسسة ذاتها منذ ستين عاما.

وفي ما يتعلق بالإصدارات التابعة لجهات خاصة فإن بعض مالكيها لجأوا إلى توظيف المحتويات المقدمة خلالها في شكل رسوم متحركة سواء كان ذلك بشكل تفاعلي على المواقع الإلكترونية أو من خلال إنجاز أفلام ومسلسلات للأطفال.

ووفقا لدراسة أجراها كاتب روايات الأطفال المصري محمود قاسم، في العام 2005، فإن عدد مطبوعات الأطفال على مستوى العالم العربي بلغ 170 إصدارا إلا أن أغلبها حتى ذلك العام كان قد توقف عن الإصدار، فيما بلغ عدد المجلات المصرية أكثر من 30 إصدارا.

وأشارت الدراسة ذاتها إلى أن مجلات الأطفال في العالم العربي حضرت بقوة في فترة سبعينات القرن العشرين وحتى بداية الألفية الثالثة، لكنها ما لبثت أن أغلقت الواحدة تلو الأخرى، وأعلن ناشروها توقف إصدارها لعدة أسباب منها ضعف التوزيع، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وعدم القدرة على المنافسة مع التطور التكنولوجي وإتاحة شبكة الإنترنت، وأيضا عدم وجود تشجيع لأطفال على القراءة في معظم البلدان العربية.

وقالت هويدا حافظ، رئيسة تحرير مجلة “فارس” التابعة لمؤسسة أخبار اليوم (الحكومية)، إن عدد مجلات الأطفال الموجودة حاليا لا تتماشى مع نسبة الأطفال في المجتمعات العربية والتي أضحت بحاجة إلى أساليب عديدة ومتنوعة لحمايتها من التدخلات الخارجية التي تستهدف السيطرة على عقولهم.

بالنسبة إلى الحالة المصرية فإن عدد الأطفال في الفترة العمرية ما بين العام والـ18 عاما بلغت حوالي 37 بالمئة من إجمالي عدد المواطنين البالغ عددهم 95 مليونا داخل مصر، بحسب إحصاءات أخيرة لجهاز التعبئة العامة والإحصاء (هيئة حكومية).

في مصر تنبهت مؤخرا جهات عدّة حكومية وخاصة لأهمية صحافة الأطفال، وبدأت في اتخاذ مجموعة من الخطوات للتعامل مع الأزمات التي تحاصرها

وهو أمر ينطبق أيضا على معظم البلدان العربية والتي تشير أرقام العديد من خبراء الاقتصاد فيها إلى أن تعداد الأطفال فيها يقترب من الثلث تقريبا، ورغم ذلك فإن مجلات الأطفال التي تصدر وتوزع قليلة، إضافة إلى أن بعضها يطبع ما لا يزيد عن عشرة آلاف نسخة توزع في كافة أقطار الوطن العربي.

وأضافت حافظ في تصريحات لـ”العرب”، أن الارتكان إلى مسألة اندثار مجلات الأطفال بسبب المنصات التكنولوجية الحديثة يعدّ أمرا غير مقبول، ولا يستهدف بقاؤها فقط الوصول بأفكار معينة إلى عقول الأطفال بقدر أنها تنمي ارتباط الطفل بالقراءة بشكل عام، وعدم تركه فريسة بيد التكنولوجيا التي تصعب من خلالها السيطرة على الأفكار التي تستقبلها عقول الأطفال.

وأشارت إلى أن استمرار المطبوعة الورقية يستهدف الوصول إلى القرى والنجوع الصغيرة والتي لا تزال تعاني من أمية تكنولوجية، وأن تلك المناطق تستغلها التنظيمات المتطرفة لتوجيه خطابات تستقطب أكبر عدد من الشباب والأطفال،.

ويذهب العديد من المهتمين بصحافة الأطفال للتأكيد على أن هناك إشكاليات كثيرة تقف عائقا أمام استمرار صحافة الأطفال المطبوعة، منها ندرة الكوادر المدربة على هذا النوع من الصحافة، وعدم اهتمام المعلنين بتوجيه استثماراتهم الدعائية نحو تلك المجلات لضعف توزيعها ومحدودية انتشارها بفعل قلة الأعداد المطبوعة منها.

وتكمن المشكلة الحقيقية التي تواجه صناعة صحافة الأطفال في عدم وجود دراسات أكاديمية تستهدف السوق واحتياجاته والمواقع التي من المفترض أن توجه إليها المجلات، كما أن التفاوت الكبير في الفئات العمرية التي تستهدفها والتي تصل إلى 18 عاما يجعل أهدافها غير واضحة المعالم، من دون أن تكون هناك رؤية مستقبلية تشكل وجدان كل طفل على حسب المرحلة العمرية التي ينتمي لها.

وقال فواز أحمد، المستشار الفني لمجلة “نور” المصرية التابعة للأزهر، إن مجلات الأطفال أغلبها يعاني من ندرة وجود رسامين متخصصين لمخاطبة عقول الصغار، بعد أن هجر المهنة أغلب الفنانين بسبب صعوبة الأوضاع المادية، بجانب الثقافة السائدة لدى أغلب المؤسسات الصحافية والتي تنظر إلى مطبوعات الأطفال على أنها تمثل خسارة اقتصادية فادحة بالنسبة إليها.

وأضاف أن ارتكان غالبية المجلات التي إلى الرسومات المترجمة تسبب في أزمات نفسية عديدة للأطفال بعد أن وجدوا أن هناك فروقات هائلة بين ما يتم تقديمه في الخارج وبين القضايا التي تقدم لهم.

18