صحافة البيانات تشق طريقها في مصر بمبادرات فردية

الأسلوب الجديد نادر في العالم العربي لأن غرف الأخبار لا تتيح مساحة للصحافيين لإعداد تقارير مبنية على التحليل.
الخميس 2020/02/27
مشاريع للنهوض بالمحتوى

القاهرة - يحاول شباب من الصحافيين المصريين انتشال المهنة من كبوتها عبر تبنّي أنماط جديدة لكتابة مضامين معمّقة تثير شهية الجمهور، ووجدوا ضالتهم في صحافة البيانات التي بدأت تشق طريقها في المواقع الإلكترونية.

وبدأت مؤسسات إعلامية بإطلاق دورات تدريبية لصحافة البيانات قبل أيام، واستقطبت عددا من الصحافيين الشباب المدركين لضرورة إحداث تغيرات حقيقة في ظل تردي أوضاع الصحافة.

وبدأت التغيّرات منذ العام 2012، حينما أسس الصحافي المصري عمرو العراقي مؤسسته “أنفو تايمز” لتبنّي المصطلح الراسخ عالميا “صحافة البيانات” عربيا، عبر تقديم الخدمات المعرفية والتدريبية للصحافيين لتضمين ذلك المفهوم في صحفهم على أمل إحداث طفرة في المضمون.

وتعاونت مؤسسات صحافية مصرية مع “أنفو تايمز” على مدار السنوات الماضية لتدريب عدد من صحافييها، غير أن ذلك انعكس في تغيرات الشكل عبر تضمين “الإنفوغراف” (الرسوم البيانية والخرائط) في المادة الصحافية دون المضمون.

وقبل سنوات عمل الصحافي الشاب محمود الطباخ (27 عاما) في موقع مصراوي، وتولّى رئاسة قسم الأخبار، عايش الطفرة التي حاول رئيس التحرير مجدي الجلاد القيام بها عند تولّيه رئاسة الموقع عبر استراتيجية قائمة على تأهيل صحافيي المؤسسة لتقديم محتوى نوعي.

وبفضل تلك التدريبات، ومع جهد ذاتي أتقن الطباخ مفهوم “صحافة البيانات” وبدأ في إنتاج عدد من القصص، من ضمنها قصة تحليل مضمون خطابات “البغدادي”، كما حصل على منحة في ألمانيا، شارك فيها بصحبة أكثر من 1500 صحافي من 130 دولة حول العالم، تعرّف خلالها على أساليب جديدة في العمل الصحافي “النيو ميديا”.

ونقل الصحافي الشاب خبرته في صحافة البيانات والوسائط المتعددة إلى موقع “ذات مصر” الوليد، وبات مشرفاً على المضمون الصحافي فيه، ما يعني أن التوجه إلى ذلك النوع في اتساع، ويعكس قدرة المحاولات الفردية على التأثير ولو على مدى طويل.

ويقول مؤسس “أنفو تايمز”، عمرو العراقي، لـ”العرب”، إن صحافة البيانات نادرة في العالم العربي لعدة أسباب، ليس من ضمنها غياب البيانات، وإنما ديناميكية العمل في غرف الأخبار التي لا تسمح بإتاحة مساحة من الوقت للصحافيين لعمل تقارير معمّقة مبنية على التحليل.

بالتالي فإن معظم ما يتم تناوله بمثابة أخبار عن البيانات، وليست قصصا من البيانات، ما يجعل الحاجة ملحّة لوجود أقسام مستقلة في غرف الأخبار متخصصة في جمع البيانات وتحليلها والتنقيب عن قصص بداخلها، خارج دائرة العمل الإخباري اليومي.

ويبدو التوجّه قائما، لكن ليس لدى غرف الأخبار الكبيرة، وإنما المشاريع المستقلة التي تمتاز بقلّة عددها، ولديها منهج للنشر مثل “حبر” في الأردن، وموقع “انتفاضة” في فلسطين، و”أنفو تايمز” في مصر، وهي مشاريع تمنح مساحة من الوقت، وتتبنّى فكرة العمل التشاركي.

وحول إشكالية انغلاق المجال العام وسقف الحريات، ما يجعل البعض يربط بين غياب تبنّي أنماط معمقة في الصحافة وبين انخفاض السقف، ينقسم الصحافيون في مصر إلى فريقين، الأول يرى أن انخفاض السقف السبب الرئيسي في الأزمة، والآخر يعتبر أن الاستسلام لنظرية السقف تواكل يرتكن إليه البعض ممن لا يرغبون في خوض تحدّ لتقديم مضمون احترافي دون أن يشترط اصطدامه مباشرة مع السلطة.

وأثبتت التجربة إمكانية إحداث طفرات في المضمون الصحافي، حال توافر المهتمين بصقل مهاراتهم، ولذا توجهت “أنفو تايمز” إلى الصحافيين وليس إلى المؤسسات لخلق ذلك المجتمع كنواة لفريق مدرب يمكن الاعتماد عليه.

أسلوب جديد في العمل الصحفي
أسلوب جديد في العمل الصحافي 

واللافت أن نصف المتقدمين يعملون بالفعل صحافيين، وأن جزءا من الأكاديميين وآخر من العاملين في مؤسسات مدنية يعتمدون على البيانات ويسعون إلى تقصي آراء الجمهور، كما تم تقديم الدبلوم كمنحة لدارسي الأعلام من جامعة الأزهر.

ولوحظ أيضاً أن كافة المتقدمين من الصحافيين مراسلين لوسائل إعلام دولية، ولم يسجل حضور لأيّ صحافي في مؤسسة محلية، ما يعكس العمل النمطي الغالب في تلك المؤسسات وعدم تبنّي صحافييها مفهوم تطوير الذات أو عدم إيمانهم بقدرتهم على تطبيق ما سيتعلمونه في صحفهم.

وقالت الصحافية مها محمد (24 عاماً) لـ”العرب”، إنها تحمّست لدراسة صحافة البيانات لرغبتها في إنتاج قصص أكثر عمقاً، لأن اهتماماتها تصبّ نحو تقصي آراء الجماهير ومعرفة توجهاتها، ورغبت في تعلّم أدوات تساعدها في ذلك بعيدا عن الأحاديث المرسلة. وأوضحت أنها لاحظت وجود المصطلح عند الإعلان عن الوظائف في المواقع الإخبارية العالمية مثل “دويتشه فيله” و”بي.بي.سي”، فسعت إلى الحصول على المهارات، لعلها تفتح لها أبواب للعمل في المستقبل.

وتشهد صحافة البيانات رواجا بين الصحافيين، لكنها ليست كذلك بين الجمهور في ظل ندرة المواد المقدمة بها من جهة، واللغة من جهة أخرى، إذ تنشر “أنفو تايمز” موادها باللغة الإنجليزية.

ويفسر العراقي ذلك بأن مؤسسته انطلقت في إطار التجريب، ويصفها بـ”المعمل” الذي سعى إلى الترويج لذلك النوع من الصحافة بين المؤسسات، ولفت الأنظار إلى قدرة المجتمعات العربية على إنتاج ذلك النوع.

ويرى أن الوقت بات مواتياً لخطوة جديدة، قد تكون بمنصة منبثقة عن “أنفو تايمز”،  تستهدف الجمهور بشكل رئيسي، في الوقت الذي أكد فيه مشرف “ذات مصر” محمود الطباخ العمل على إعداد أكثر من قصة تنتمي إلى صحافة البيانات ستظهر في غضون أسابيع.

18