صحافة الحكومة وصحافة خصومها

هو حقا مثال فريد على مفترق الطرق الذي تجد الصحافة نفسها في مواجهته وكيف تقارب وجهات النظر المتقاطعة سواء في أوساط كتّابها وقرائها أو في تغطياتها.
الثلاثاء 2019/01/22
الصحافة البريطانية كانت عبر زمن طويل ندا شرسا للحكومة وللأحزاب

تمر الحكومات والشعوب بأزمات وتحوّلات حادة ويتنقل خلالها السياسيون بكل سهولة من مركب غارق إلى مركب آخر ناج لضمان مستقبلهم السياسي.

لكن السؤال يتعلق بالصحافة، هل تفعلها هي الأخرى فتنقل بندقية الكلمة من كتف إلى كتف آخر فتتنقل من صف الحكومة إلى صف خصومها أو بالعكس بحسب الموقف؟

ولعل الأزمة السياسية التي تعيشها المملكة المتحدة حاليا خير مثال بما تثيره من جدل فيما يتعلق بدور الصحافة وعموم المنابر الإعلامية في ظل الأزمة المتصاعدة.

هي حالة محيّرة ومربكة بحق خاصة بعد الهزيمة المدوية لمشروع رئيسة الوزراء البريطانية بالخروج من الاتحاد الأوروبي التي جرت فصولها الأسبوع الماضي.

شاهد الرأي العام سجالا حادا وشرسا في مجلس العموم البريطاني المنقسم على نفسه ما بين رئيسة الوزراء وفريقها من جهة وبين خصومها من جهة أخرى.

تيريزا ماي بدت رابطة الجأش متمسكة بكل ما أوتيت من صلاحيات وعناد بأن تمضي بخطتها إلى النهاية مهما كانت النتائج ومتحملة من أجل ذلك أشد الهجمات السياسية والإعلامية وأشرسها.

وفي ظل هذا الاستقطاب السياسي الحاد الذي قسم الشعب البريطاني إلى فريقين: الأول مع مشروع بريكست والثاني ضده ومع البقاء داخل المنظومة الأوروبية، في ظل ذلك حضر بقوة دور الصحافة ووسائل الإعلام بصفة عامة في هذا النوع غير المسبوق والخطير من الاستقطاب.

واقعيا كانت هنالك صحافة متحمسة للطلاق مع أوروبا منذ البداية وأخرى متذبذبة وثالثة ضد الطلاق.

كانت ديلي ميل بالطبع هي الأشد شراسة باتجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي مهما كان الثمن بينما الغارديان والاندبندنت دعتا إلى البقاء مع دعوة إلى استفتاء ثان وبين ذلك تذبذبت الصحف البريطانية الأخرى.

لكن السجال الشرس الذي شهده مجلس العموم وهجمات المعارضة على رئيسة الحكومة وصولا إلى طلب سحب الثقة عنها، وضع المجتمع البريطاني والصحافة البريطانية العريقة أمام استحقاق غير مسبوق، فلم يعد الأمر متعلقا بمن هو مع بريكست ومن هو ضده بل من هو ضد الفوضى والتفكك والانهيار الاقتصادي والصراع السياسي ومن هو مع البريكست حتى لو كلف ذلك بريطانيا ذلك الثمن كله.

هو حقا مثال فريد على مفترق الطرق الذي تجد الصحافة نفسها في مواجهته وكيف تقارب وجهات النظر المتقاطعة سواء في أوساط كتّابها وقرائها أو في تغطياتها.

الحديث مع الاقتصاديين والمستقبليين من طرف الصحافة كان يحمل معه غالبا الشر المستطير بصدد الطلاق البريطاني من أوروبا وبأن كوارث قادمة لا محالة بالشكل الذي وصلت إليه الصفقة، لكن الصحافة المحتارة في أمرها تجد نفسها ملزمة بطرح جميع الآراء وعرض جميع الاحتمالات.

مع الحكومة أم ضدها؟ يبدو سؤالا محيرا في الاختيار ما بين الأبيض أو الأسود ولا تدرج لوني بينهما، وذلك ما يعقّد مهمة الصحافة ويضعها على المحك فيما يتعلق بعدة جوانب منها السلوك المهني والأمانة الصحافية من جهة والمصالح العليا للبلد من جهة أخرى.

لكن قوة الحزبين المتضادين في بريطانيا (حزب العمال وحزب المحافظين) اللذين أججا هذا الاستقطاب وأوصلاه إلى نهايات صعبة جعلت الأمور صعبة أيضا في أداء الصحافة لدورها وهل سوف تكتفي بنقل ما جرى ويجري في مجلس العموم وتجسيد دور الشاهد الأصم الأبكم وذلك بعيدا عن دور وتاريخ الصحافة البريطانية العريقة التي كانت عبر زمن طويل ندا شرسا للحكومة وللأحزاب سواء أكانت في السلطة أم في المعارضة؟

من الممكن أن تمر الكثير من البلدان بمثل هذه الأزمة شديدة الاستقطاب لكن السؤال هو: أين ستتجه بوصلة الصحافة وعموم المنابر الإعلامية ومن سوف تجامل وضد من سوف تصدع بالحقيقة؟

عربيا وفي الغالب ينطبق قول الشاعر على الصحافة:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت

غويتُ وإن ترشد غزيّة أرشد

وبمعنى التبعية التامة والسكوت التام بالولاء للسلطة الحكومية مهما كانت وتلك علّة أخرى من علل صحافة هذا الزمن.

18