صحافة الشركات.. سخاء في التمويل وإهمال للمهنية والدقة

مجلة  "حورس" الصادرة من مصر للطيران  أيقظت مجلس الإعلام على ضرورة رقابة صحافة الشركات.
الثلاثاء 2018/10/16
مطبوعات تمثل بابا خلفيا لكثير من المخالفات المهنية

تحوّل حوار أجرته مجلة تصدرها شركة مصر للطيران مع الممثلة الأميركية درو باريمور، إلى قضية للنقاش العام حول صحافة الشركات وافتقادها للمعايير المهنية، بعدما رفضت الممثلة ما جاء في الحوار الذي اتضح أنه يفتقر لمقومات العمل الصحافي.

القاهرة - أثارت مجلة “حورس” التي تصدرها شركة مصر للطيران، جدلا إعلاميا بعد أن نشرت مقابلة مليئة بالأخطاء التحريرية والمهنية مع الممثلة الأميركية، درو باريمور، ما أفسح المجال أمام طرح تساؤلات حول مهنية الإصدارات التابعة للشركات، ومدى التزامها بالمعايير الصحافية.

وساهم الصخب الذي صاحب نشر حوار باريمور، على صفحات المجلة، في دوريتها الصادرة في أكتوبر الجاري، في التأثير على صورة خطوط الطيران المسؤولة عن إصدار المجلة، بعد أن رفضت الممثلة الأميركية ما جاء في الحوار واتهمتها بفبركته.

واضطرت مصر للطيران إلى الرد على الاتهامات بتأكيدها أن هناك مؤسسة صحافية حكومية (وكالة الأهرام للدعاية والإعلان) هي المسؤولة عن تحرير المجلة وتوزيعها، وليست لشركة الطيران علاقة من الناحية المهنية.

بدورها، أكدت الوكالة أنها قامت بإجراء الحوار عبر مراسلتها (عايدة تكلا) بالولايات المتحدة، غير أنها اعتذرت عما أسمته أخطاء في الترجمة أدت إلى نشر معلومات غير دقيقة، الأمر الذي يبرهن على أن عملية تدقيق المحتوى لم تكن حاضرة في المجلة غير المخصصة للبيع، وتوزع على طائرات الشركة للترويج لأنشطتها بالأساس.

وسلطت الواقعة الضوء على كثير من صحف ومطبوعات الشركات التي تشترك جميعها في غياب قواعد العمل الصحافي، وطرحت مفارقة غريبة تشهدها تلك الإصدارات الناطقة باسم الشركات، لأنها تستمر وتتمدد في وقت تعاني فيه الصحافة من مشكلات اقتصادية جمة، فالأولى تتلقى تمويلا سخيا من المؤسسات التابعة لها، دون أن تهتم بالجوانب المهنية، أو تتمتع بالمسؤولية.

ويركز البعض على الجانب الإخباري التقليدي ويقدم ألوانا صحافية مختلفة، غالبا ما تكون سببا لوقوعها في الأخطاء، لأن غالبية القائمين عليها لا يعملون في الصحافة ويتبعون المؤسسات القائمة على إصدارها.

حوار مجلة حورس مع الممثلة درو باريمور وقع في ازدواجية التملق والانتقاد، وهو غير دقيق ومنحاز ويحمل معلومات مغلوطة

وتعدّ مثل هذه المطبوعات بابا خلفيا لكثير من المخالفات المهنية، لأنها لا تلتزم بالفصل بين الإعلان والإعلام، وتستعين بالعديد من الكتّاب المتخصّصين في المجالات التي تتبعها كأحد أساليب التأكيد على مصداقيتها، وتوظيفهم للدفاع عنها.

ولم تكن واقعة “حورس” طرحا محليا لأزمة صحافة الشركات، لكنها تحولت لقضية عالمية مع تحذير بعض الصحف من خطورة عدم الاهتمام بهذه النوعية من الصحافة الموجودة في شركات كبرى عالميا، وتواجه أزمة غياب معايير العمل الصحافي الجادة.

وقالت الكاتبة هادلي فريمان، بصحيفة الغارديان البريطانية، إن حوار مجلة حورس يمثّل نموذجا لما تعيشه الصحافة العالمية من تراجع في مسؤولية إجراء الحوارات والاهتمام بالمهنية والدقة، لأن الحوار وقع في ازدواجية التملق والانتقاد، وهو غير دقيق ومنحاز ويحمل معلومات مغلوطة. وأشارت، إلى أن جوهر الصحافة هو المصداقية، ومع سقوطها يصبح القارئ أمام متلازمة البحث عن الحقيقة.

وتحافظ غالبية الشركات والهيئات الكبرى على إصدار صحف ومجلات تنطق بلسانها، لأهداف دعائية وتسويقية، رغم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

وبرهن على ذلك أحد القائمين على إصدار مجلة “إنبي”، الناطقة بلسان شركة البترول الحكومية الأكبر في مصر، مشيرا إلى أن توزيع المجلة على الهيئات المهتمة بقطاع البترول يجذب للشركة العديد من المشروعات، وتعتمد إدارة الشركة على المجلة التي تصدر بشكل ربع سنوي في التسويق لنجاحاتها.

وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، لـ”العرب”، أن المجلة يقوم على إدارتها وتحريرها عدد من الموظفين التابعين للشركة، ولا تخضع لأي مراجعات سوى من رئيس مجلس إدارتها الذي يركز فقط على نوعية الموضوعات المنشورة بها. وينطبق ذلك على المئات من المطبوعات الأخرى، التي لا يتبع العاملون فيها نقابة الصحافيين، بل إن القضاء المصري رفض مؤخرا دعوى تطالب بانضمام العاملين بمجلة “نقابة المهندسين” إليها، بالتالي فهي لا تلتزم بميثاق الشرف الصحافي الذي أقرته النقابة.

وتكمن مشكلة هذه الإصدارات في أن عددا كبيرا منها يصدر دون تصاريح من الجهات التي تتولّى مسألة تنظيم الإصدارات الصحافية، قبل أن ينتبه المجلس الأعلى للإعلام إلى ذلك الأمر مؤخرا وشكل لجنة لمراجعة تصاريح كافة الإصدارات.

وقال أحمد سليم، الأمين العام للمجلس الأعلى للإعلام، إن اللجنة التي شكلها المجلس في يوليو ستتولى تنظيم الأمر مستقبلا، ومن مهامها تلقي إخطارات إنشاء الصحف والمجلات الصادرة عن الشركات.

18