صحافة الواقع الافتراضي بين الحقيقة والوهم

الواقع الافتراضي أداة صحافية تطرح تحديات أخلاقية، والخلق الواقعي للمشهد يسمح للمستهلكين بتجاوز الوقت والمساحة.
الثلاثاء 2018/03/20
الواقع الافتراضي ليس أكثر من إعلان

لندن - في العام 2028، يمكنك مشاهدة الأخبار في سماعة الواقع الافتراضي، بطريقة عرض غامرة بزاوية 360 درجة وكأنّ رئيس الولايات المتحدة واقف أمامك، هذا ما بشر به خبراء الإعلام في العالم.

لكن في مقابل ذلك تتنامى أسئلة الأخلاق والشفافية بين الصحافيين والباحثين، حيث تعمل شركات الإعلام بشكل متزايد على اختبار قوة الواقع الافتراضي والواقع المعزز.

يسمح هذان المنجزان التكنولوجيان للمستخدمين بالتفاعل شخصيا مع التقارير الإخبارية من خلال إنشاء مشاهد افتراضية يتم عرضها من خلال سماعات الرأس.

ومع بروز مشكلة المعلومات المضللة في صناعة الإعلام، فإن التحدي الذي يواجه الصحافة الافتراضية الآن، هو منع المنظمات غير النزيهة والأفراد من إنتاج عمل واقعي مزيف وتمريره كعمل حقيقي، وفق ما ذكر أنجلو بورا في تقرير نقلته شبكة الصحافيين.

دوغلاس راشكوف: أفلام الواقع الافتراضي الوثائقية لا تتأهل لأن تكون صحافية
دوغلاس راشكوف: أفلام الواقع الافتراضي الوثائقية لا تتأهل لأن تكون صحافية

في عام 2016، نشر أستاذا الفلسفة مايكل مادري وتوماس ميتزينغر ورقة بحثية بعنوان “الواقع الحقيقي: مدونة السلوك الأخلاقي”. أشارت هذه الورقة إلى أن الواقع الافتراضي هو “شكل قوي من أشكال التلاعب العقلي والسلوكي” الذي يمكن أن يكون خادعا “خصوصا عندما تكون المصالح التجارية أو السياسية أو الدينية أو الحكومية وراء إنشاء العالم الافتراضي وصيانته”.

يمكن أن يكون الواقع الافتراضي أداة صحافية تسمح للمستهلكين بتجاوز الوقت والمساحة، على سبيل المثال فيلم “النازحون” وهو وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي، أنتجته مجلة نيويورك تايمز في سنة 2015، يصور حياة ثلاثة أطفال صغار لاجئين من سوريا وأوكرانيا وجنوب السودان ويسمح للمشاهدين بأن يشعروا أنهم حاضرون

يجادل دوغلاس راشكوف، الناقد الصريح لوادي السليكون، بأن هذه الأنواع من أفلام الواقع الافتراضي الوثائقية لا تتأهل لأن تكون صحافية على الإطلاق، ويقول “أعتقد أن وسائل الإعلام المغمورة لديها هدف محدود بالفعل، وبالتأكيد من حيث الصحافة وإعلام الناس. أعتقد أنك تستطيع أن تجعل الناس يشعرون بطرقٍ معينة من خلال غمرهم في أنواع معينة من العوالم. ولكن في معظم هذه التجارب، أنت فقط تشاهد أشخاصا لا يمكنهم رؤيتك، لذلك فهو يفاقم من بعض النواحي الإحساس بالقوة التي يمكن للناس المحظوظين أن يتمتعوا بها أكثر من الناس الأقل حظا”.

إن أحد أكثر التهديدات إثارة للقلق من توغل الواقع الافتراضي في الصحافة هو احتمال أن تبدأ المؤسسات الإخبارية المقلدة والمتصيدون في إنتاج أخبار وهمية.

كان توم كينت -رئيس إذاعة أوروبا الحرة (راديو ليبرتي)، وهي هيئة إذاعية تمولها الحكومة الأميركية- من أوائل الصحافيين الذين تحدثوا عن التحديات الأخلاقية لتقارير الواقع الافتراضي. فتح النقاش في ميديوم بوست في 2015 حول الأخلاقيات في الواقع الافتراضي والصحافة، مع التركيز على الأخبار المزيفة، قبل وقت طويل من الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

 

مشكلة المعلومات المضللة في صناعة الإعلام، تلقي بظلالها على تقنية الواقع الافتراضي والمعزز، وأصبح التحدي الذي يواجه الصحافة الافتراضية الآن هو منع المنظمات غير النزيهة والأفراد من إنتاج عمل واقعي مزيف وتمريره كعمل حقيقي.

قال كينت في الآونة الأخيرة “في غضون سنوات قليلة، قد يكون الواقع الافتراضي هو البادئ في محاكاة الأحداث الإخبارية باستخدام صور لصانعي الأخبار التي لا يمكن تمييزها عن الأشخاص الفعليين. وعلى سبيل المثال، الخلق الواقعي للمشهد الذي ينطوي على الرئيس الروسي فلادمير بوتين أوالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ربما كان دقيقا إلى درجة لا يمكنك معرفة ما إذا كان هذا هو بوتين الحقيقي أو أوباما الحقيقي، أو ما إذا كانت قد تمت إعادة إنشاء المشاهد”.

وأضاف كينت “يجب على الأشخاص الذين يعملون في مجال صحافة الواقع الافتراضي أن يكون لديهم قانون أخلاقي”.

يتعمق تقرير عام 2017 من قبل معهد رويترز، “الواقع الافتراضي للأخبار: الحقيقة الجديدة؟” في تكلفة صحافة الواقع الافتراضي. وقال التقرير إن الإنتاج لا يزال باهظ الثمن، ما يؤدي إلى نقص المحتوى الجيد.

ويعتبر راشكوف أن الواقع الافتراضي ليس أكثر من إعلان، ويقول إنه لا يمكن أن يكون جزءا من الصحافة النوعية. وقال “بمجرد تغير الصحافة من شيء يشتريه الناس حتى يتم إعلامهم بشيء يدفع مقابله المعلنون من أجل جذب انتباه الناس، فإن جميع التقنيات التي تم نشرها في مجال الصحافة لها علاقة بمساعدة المعلنين على نشر رسالتهم أكثر من إبلاغ الناس”.

الأمل الحقيقي لصحافة الواقع الافتراضي هو إمكانية أن تخلق غرف الأخبار تجارب تستند إلى الواقع ومع نفس أخلاقيات التصوير الصحافي؛ ألّا يتمّ التلاعب بالصور، وأن يظهر المصورون ما يرونه فقط، ومن أجل القيام بذلك، يجب أن تصبح صحافة الواقع الافتراضي مستقلة ماليا.

18