صحافة بئر السلم تهدد مصداقية مؤسسات شهيرة في مصر

كيانات وهمية تنتحل أسماء صحف حكومية للاحتيال ونشر الشائعات.
الثلاثاء 2020/10/06
الصحف الأصلية وجدت نفسها بحاجة إلى نفي وتصحيح الكثير من الشائعات

استغلت كيانات مغمورة عدم وجود مواقع إلكترونية خاصة بالنسخ الورقية من الصحف الحكومية التي توقفت قبل عام ونصف العام لإصدار صحف ومواقع إلكترونية تنتحل اسم الصحف الكبرى، مستفيدة من وجود بيئة خصبة تمكنها من الانتشار مع تردي مهنية العديد من الصحف والمواقع الإخبارية في مصر.

القاهرة - ظهرت مجموعة كبيرة من الصحف والمواقع الإلكترونية التي تنتحل أسماء صحف كبيرة في مصر وتُعرف باسم “صحافة بئر السلم”، وهو مصطلح يطلق على الصحف العشوائية التي تصدر بسهولة، وأضحت تشكل خطراً يهدد مصداقية مؤسسات رسمية، بعد أن تمادت في نشر الشائعات.

وحذرت حملة “مش صحافي” التي دشنها صحافيون مصريون، الأحد، من انتشار صور ولافتات دعائية مدون عليها مسميات صحافية وهمية لمرشحين للبرلمان المقبل من غير العاملين رسميا في الصحافة، واعتبرت انتشار ظاهرة الصفات الوهمية للدعاية لبعض المرشحين تضليلا للناخب.

واستغلت كيانات مغمورة عدم وجود مواقع إلكترونية خاصة بالنسخ الورقية من الصحف الحكومية التي توقفت قبل عام ونصف العام عقب تعرض موقع صحيفة “الأهرام” لاختراق من مهاجمين وقراصنة أتراك، وتوسعت في تدشين صفحات ومواقع باسم هذه الصحف، مع إضافة كلمات وحروف خادعة، ووجدت الصحف الأصلية نفسها بحاجة لنفي وتصحيح الكثير مما يصدر عن تلك الكيانات، لكن غالبية هذه المحاولات لا يصل صداها إلى الجمهور، بعد أن تشبع بالنشر الأول.

وتسببت صحيفة مغمورة تحمل اسم “الأهرام الدولية” في مشكلات عدة لصحيفة “الأهرام” الحكومية العريقة، بعد أن نشرت جملة من الأخبار المغلوطة التي أثارت الرأي العام في مصر، وتخصصت  في نشر أنباء عن وفاة عدد من المشاهير ثبت لاحقا عدم صحتها، وتمكنت الصحيفة المزيفة من خداع العديد من المسؤولين الذين تعاملوا مع الكيان المزيف على أنه المؤسسة الصحافية الأكبر في مصر.

واضطرت جهات عسكرية إلى نفي شائعة وفاة رئيس المجلس العسكري عقب ثورة يناير 2011 المشير محمد حسين طنطاوي، بعد أن انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكان مصدرها الرئيسي صحيفة مغمورة تحمل اسم  “مصر الآن”، على غرار أحد البرامج الإخبارية الشهيرة على فضائية “الحياة”.

واتخذت صحيفة الأهرام إجراءات قانونية ضد الصحيفة التي انتحلت اسمها وشعارها الرسمي مع تحريف بسيط، وتمكنت بالفعل من حجب الموقع الخاص بها، لكنها واجهت في الوقت ذاته مواقع أخرى جديدة تحمل الاسم ذاته، ما يعني أن إجراء الحجب لم يكن حلاً مناسباً، وهو أمر يتكرر مع صحف كبرى، مثل أخبار اليوم، والجمهورية، والمصري اليوم، واليوم السابع.

حماد الرامحي: هذه الصحف تستغل الموسم الانتخابي للقيام بحملات صحافية مشبوهة ضد بعض المرشحين بهدف ابتزازهم
حماد الرامحي: هذه الصحف تستغل الموسم الانتخابي للقيام بحملات صحافية مشبوهة ضد بعض المرشحين بهدف ابتزازهم

وقال رئيس تحرير بوابة أخبار اليوم (حكومية) السابق محمد البهنساوي، إن البوابة في عهده تعرضت إلى مشكلات عديدة جراء انتشار صحف ومواقع وقنوات “يوتيوب” انتحلت اسم “أخبار اليوم”، وأحد هذه المواقع تخصص في نشر أخبار مسيئة للحكومة المصرية، وأبلغ الجهات الأمنية لغلق الموقع، وهو ما حدث بالفعل، قبل أن يتواصل معه المسؤول عن الموقع مطالباً التنازل خوفاً من عقوبة الحبس المشدد.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن العديد من الصحف الحكومية الكبرى أصبحت تقوم برصد مختلف المواقع والصحف التي تستغل اسمها، وأن هناك فرقا تقنية داخل كل مؤسسة تستهدف تتبع هذه المواقع والإبلاغ عنها سريعا، بجانب أن محرري مواقع التواصل الاجتماعي يرصدون الأنباء المتداولة باسم الصحيفة والرد عليها للحد من انتشارها.

وأشار إلى أن غالبية المواقع التي تنشر شائعات مدعومة من جهات تحاول اختراق الإعلام المصري وتشويه صورته، وتعمل على تشويه وعي الفئات العمرية الصغيرة التي تنجذب إلى ما تنشره هذه الصحف وتتعامل معها على أنها أخبار صادرة عن صحف شهيرة.

ولجأت وزارة الدفاع المصرية إلى إصدار قرار بمنع نشر أخبار عما يجري في شمال سيناء، إلا من خلال البيانات الرسمية للمتحدث العسكري، بعد أن رصدت الأجهزة الأمنية انتشار العديد من الشائعات بشأن العمليات الإرهابية التي تنفذها العناصر التكفيرية، ونجح القرار في الحد من نشر الأخبار المغلوطة.

وتجد صحافة “بئر السلم”، التي يمكن إصدارها من أي مكان، بيئة خصبة تمكنها من الانتشار مع تردي مهنية العديد من الصحف والمواقع الإخبارية في مصر، التي تعتمد على نشر أخبار قصيرة لا تحتوي على أساسيات الخبر، وتبحث عن السبق الصحفي دون أن تدققه أو تحلله لإقناع المواطنين به، بالتالي وجدت نفسها في مقارنة مع كيانات مزيفة تحمل اسمها وتهدد مصداقيتها.

وتكمن المشكلة في الصحف المغمورة التي تصدر في أقاليم ومحافظات مختلفة، وتحظى بمتابعة محلية، وتُستغل كثيراً في عمليات الابتزاز والتشهير بالمواطنين دون أن تحظى برقابة من قبل أجهزة تنظيم الإعلام، كما تضم أشخاصا من الحاصلين على شهادات متوسطة، ليس لهم علاقة بمجال الإعلام.

وتحصل الصحف المغمورة على تراخيص أجنبية من دول، مثل انجلترا وقبرص واليونان، ولا تتخطى تكلفتها حاجز مئة دولار، في حين أن الحصول على ترخيص محلي للصحيفة اليومية يتطلب نحو 400 ألف دولار، ما يعد سبباً رئيسياً في وجود نحو 5 آلاف كيان وهمي تنقسم بين صحف صادرة بتراخيص أجنبية ومواقع إلكترونية ومراكز تعليمية وتدريبية تتعلق بالصحافة تمنح شهادات وهمية.

وتستمد صحافة بئر السلم قوتها من الأسماء الرنانة التي تطلقها على نفسها من أجل الدخول إلى مؤسسات حكومية وخاصة، وإعداد تقارير مصورة بثتها قنوات معادية للحكومة، وهو أمر انتبه إليه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذي شكل 5 لجان لمراجعة الصحف ذات الترخيص المحلي والمواقع والقنوات والصحف الأجنبية ومراكز بحوث الرأي، ومقرر أن تنتهي من عملها في نوفمبر المقبل.

وحدد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر عدداً من الشروط الجديدة لعمل الصحف ذات الترخيص الأجنبي، على رأسها إنشاء مكاتب تمثيل لهذه الصحف داخل البلاد، وتعيين ممثل قانوني للصحيفة يكون المسؤول أمام المجلس في تنفيذ ما يصدر عنه من قرارات في نطاق اختصاصه داخل الدولة.

واشترط المجلس تقديم ما يثبت موافقة مالك الصحيفة أو من يمثله قانونًا على طباعة أو توزيع الصحيفة داخل مصر لضمان استمرار الترخيص، وتكون عملية التوزيع أو الطباعة بالاتفاق مع إحدى الصحف القومية، وتلتزم الصحيفة بأحكام الدستور والقوانين واللوائح المصرية.

وشكك البعض من الصحافيين في إمكانية تطبيق تلك الإجراءات على جميع الصحف التي أغلبها لا يصدر بصفة منتظمة، كما أن العاملين بها غير مقيدين بجداول نقابة الصحافيين، فينتحلون صفة صحافي، وهي مشكلة أخفقت النقابة في التعامل معها.

وثمة مواقع إلكترونية تصدر من دون تراخيص ولا تخضع لقوانين تنظم عملها قبل إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام في مصر منذ عامين، ما يدفع الكثير من صحف بئر السلم لتكتفي بالنسخ الإلكترونية، وتصل إلى الجمهور بشكل أوسع.

وتقدمت نقابة الصحافيين ببلاغات عديدة ضد الكيانات التي تحمل أسماء مزيفة وشبيهة بالمؤسسات الكبرى لملاحقتها قضائياً.

وقال حماد الرمحي، عضو مجلس النقابة، إنه يجري حاليا إعداد مذكرة قانونية لإرسالها إلى النائب العام لتحريك البلاغات التي لم يتم البت فيها، وأغلب هذه الكيانات تمارس النصب والاحتيال وارتكاب أعمال خارج إطار القانون.

وأوضح لـ”العرب”، أن هذه الصحف تستغل الموسم الانتخابي في مصر للقيام بحملات صحافية مشبوهة ضد بعض المرشحين بهدف ابتزازهم والحصول منهم على أموال وحملات إعلانية.

وأشار الرمحي، وهو صاحب دراسة “الصحف الأجنبية بين إثراء العمل الصحافي وتهديد الأمن القومي للبلاد”، إلى أن الكثير من هذه الصحف تقوم بطباعة أعدادها لدى مطابع مجهولة وتوزعها على نطاق ضيق في مناطق انتشارها، وتعتمد على الإعلانات الإلكترونية التي تتحصل عليها من ارتفاع نسب المتابعات.

18