صحافة تكفّر عن نفسها

الثلاثاء 2017/10/24

الحديث عن أخلاقيات الصحافة والعمل الصحافي ربما يكون الموضوع الأكثر تداولا والأكثر أهمية، فما دامت هنالك صحافة فهنالك حديث مستمر في هذا الموضوع.

في لقاء قصير جمعني مع رئيس تحرير إحدى الصحف العربية قال إنهم ـكمؤسسة صحافيةـ على الرغم من اختلافهم مع سياسات ومواقف الدولة الفلانية إلا أنهم لم يستخدموا قط أسلوب التجريح والإساءة الشخصية أو التلفيق والفبركة، واقعيا هو كان يتحدث عن الأخلاقيات الصحافية عندما تتحول إلى تقاليد عمل ثابتة.

ومادام الحدث في هذا المحور فسنتساءل: ماذا لو تستّرت الصحيفة أو وسائل الإعلام بصفة عامة في بلد ما على مخالفات وسلوكيات شائنة يصل بعضها إلى مستوى جرائم يحاسب عليها القانون؟

أليس ذلك دليلا كافيا على أن الصحيفة وقل الطاقم الصحافي والبعض أو الكثير من المحررين هم شركاء في تلك المخالفات وإلا ما وظيفة الصحافة ومسؤوليتها أمام الرأي العام، وأين هي الأخلاقيات الصحافية وأين هي مواثيق شرف المهنة وأين هي سرديات السلطة الرابعة؟

هذه التساؤلات تطرح بحدّة على الكثير من الصحف الأميركية الكبرى اليوم بعد تفجر فضيحة أحد أكبر منتجي هوليوود وأحد من أكثرهم نفوذا وهو هارفي واينشتاين الذي صار اليوم مالئ الدنيا وشاغل الناس واسمه وصورته لا يكادان يفارقان كبريات الصحف اليومية وربما بشكل يومي وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا.

لعلها مفارقة أشبه بميلودراما الأفلام تلك التي نشهدها اليوم في ما يتعلق بهذا المنتج الذي كان لامعا والذي على يديه وعبر غرفة نومه تسلقت العديد من نساء هوليوود إلى النجومية بل وحتى نيل جائزة الأوسكار وأيضا تحت جناح نفوذه وعلاقاته الواسعة وشبكات المصالح التي تربطه بأصحاب القرار والمخرجين ووسائل الإعلام.

تلك الصحافة الأميركية خاصة كأنها تكفّر عن نفسها وعن سكوتها عما كانت تسمعه همسا أو جهرا يتكلم به نجوم هوليوود رجالا ونساء، ولهذا صار من المفارقات قول العديد منهم: نعم كنت أعلم بمغامرات ذلك الشخص ولكنني بقيت ساكتا وأنني لنادم على ذلك، هي عبارة قالها المخرج اللامع ترانتينو، لكنها كانت قاسما مشتركا لعشرات غيره ممن سمعوا وسكتوا ومحررين ورجال صحافة أيضا كلهم علموا وسكتوا.

الصحافة التي تلاحق دبيب البشر وبإمكانها أن تضخم أبسط السلوكيات والانحرافات والمواقف الشخصية بإمكانها أن تعمى أو تتجاهل أو تمارس العمى أمام رجل يغتصب ويبتزّ ويستدرج نساء وفتيات صغيرات ويفرض عليهن أتاوة التحرش أو الاغتصاب في مقابل تسلق سلّم المجد والشهرة.

وهاهي جائزة أوسكار نفسها قد تلطخت من تلك المغامرات التي طالت العشرات من النساء واهتزت صورتها واسمها، فهل ستواصل الصحافة هنا وهناك التمويه على ما جرى وأنها عاصفة أو إعصار مثل أي من الأعاصير التي ضربت الولايات المتحدة ولنتكلم الآن عن رفع الأنقاض ودفع التعويضات وبدء حياة جديدة وكأن شيئا لم يكن؟

الضمير المهني يستفيق اليوم ويعمل بأقصى طاقة لنشر شهادات ضحايا واينشتاين بالصور وبالكلام المباح والصحيفة الأكثر اجتهادا هي التي تصل إلى ضحايا جدد تعرض شهاداتهم، لكن ذلك لا يمحو خطيئة تلك الصحافة التي سكتت ولربما تستّرت وتواطأت عقودا طوالا مع الجلاد ضد الضحية.

كاتب عراقي

18