صحافة حرة أم شبه حرة

الثلاثاء 2017/05/02

في المسافات الفاصلة بين الأزمنة التي تتحكّم فيها الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية وكذلك الأزمنة التي تتحّكّم فيها الأنظمة الحرّة سوف تتجلى إشكالية ما يُعرَف بحرية الصحافة وأعمالها ومُنجَزها وتاريخها. حال الدول التي دخلت مراحل انتقالية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق خير مثال على صحافة إشكالية صارت محمّلة بإشكاليّات حياتية معقدة لا تكاد تنتهي.

لم تكن الحرية علامة كسل صحافي ولا راحة إخبارية بل هي دخول دوّامة جديدة من التعقيدات واستقصاء كم هائل من المشكلات المركّبة والمتفاقمة.

في تقريرها الأخير تجري منظمة ”فريدوم هاوس“ مسحا لما يقارب مئتي بلد لتخلص إلى أن 13 بالمئة فقط من سكان العالم يتمتعون بصحافة حرّة تكون فيها تغطية الأخبار السياسية قويّة وسلامة الصحافيين مضمونة وتدخل الدولة في شؤون الإعلام في أدنى مستوى ولا تخضع الصحافة إلى قيود اقتصادية وقضائية ثقيلة بينما هنالك 42 بالمئة من سكان العالم لديهم صحافة شبه حرة.

ما بين الصحافة الحرّة وشبه الحرّة التي تشكل ما مجموعه قرابة ثلاثة أرباع الصحافة حول العالم تتشكّـل صورة صحافة اليوم وذائقة جمهور مُستَهدَف إذ لا يعقل أن يكون المشكى منه مثلا في تلك التقارير هو رئيس أهم منبر حر للصحافة ممثلا في الولايات المتحدة ورئيسها الجديد.

ماذا بقي لتلك الشعوب التي تتخبط في ظلمات الدكتاتوريات والتخلف وتعيش في سديم شبه الصحافة الحرّة أو في لا صحافة حرّة أصلا؟

واقعيا نحن أمام خليط عجيب ونوع غريب من الفوضى على صعيد الحريات الصحافية ففي أبسط الحالات على الصحافي في تلك الساحات أن يتّقي شرّ السلطات بشتّى أشكالها، كل من يمتلك القوة والسلطة بإمكانه أن ينال من الصحافة وأن يُسكِتها، ثم إن هذه الصحافة شبه الحرّة تعيش أسوأ أحوالها بسبب أزمات مالية ما لبثت تفتك بها.

إشكالية التعريفات صارت تشكل تحديا آخر جديدا، إذ ما هي معايير الصحافة الحرة مقابل شبه الحرّة وما هي البيئة الصحافية التي يمكن للصحافي أن يخوض فيها وهو يطبّق ما يمليه عليه واجبه المهني؟

واقعيا هي إشكاليّة ملتبسة ولا سيما مع صعود اليمين الشعبوي المتطرف في العديد من الساحات الأوروبية خاصة وذلك ما يزيد الصورة قتامة بصدد واجبات الصحافة واستراتيجياتها وكيف يمكن لها أن ترتقي إلى مرتبة الصحافة الحرة وأن تتخلص من لعنة الصحافة غير الحرة.

في المقابل هنالك من ينادي بأن الحرية لا توهب ولا تُعطى من أي سلطة بل هي تُصنَع وتُنتَزَع وتُكتَسَب وأن الصحافة من حيث صلتها بالواقع وبالحياة اليومية للمجتمع عليها أن تأخذ أدوارها بمهنية وإخلاص لكي تكتسب صفة الصحافة الحرة لكن كيف يتحقق ذلك وهي تُتّهَم بالتلفيق والكذب كما هي حالة الصحافة اليوم في الولايات المتحدة حيث القدوة والنموذج الطليعي للحريات الصحافية على مدى العشرات من السنين.

إن أخطر ما تواجهه الصحافة اليوم هو فقدانها لوصلة الحرية وتطبيقاتها وانزلاقها تدريجيا نحو نوع من الصحافة الشمولية التابعة التي تجد في أطروحات اليمين الشعبوي وهو يقترب من السلطة وكذلك في أطروحات الأنظمة الشمولية أو الأنظمة الفاشلة تحدّيات حقيقة.

كاتب من العراق

18